اثنان وعشرون عاما هي كل ما عاشه الشاعر علي قنديل، صاحب التجربة الرائدة في قصيدة النثر المصرية في جيل السبعينات . لم يكن علي قنديل مجرد عابر سبيل على طريق الحياة، بل كان كلمة خاطفة من سر الوجود، كان ميلاده الشعري كما يقول الشاعر الراحل عفيفي مطر بشارة ووعدا مثقلا بالأحمال والتفجيرات الخلاقة . فما بين ميلاده في مايو/أيار 1953 ورحيله المبكر في 17 يوليو/تموز ،1975 استطاع خلال هذا العمر الزمني القصير أن يترك جذوة شعرية متقدة تضيء في سماء الشعر من خلال ديوانه الوحيد كائنات علي قنديل الطالعة الذي صدر بعد وفاته .
مؤخراً صدرت عن مكتبة الأسرة بالهيئة المصرية العامة للكتاب الآثار الشعرية الكاملة لعلي قنديل، تضمن ديوانه الوحيد ومجموعة من القصائد التي لم تنشر من قبل وقد وجدت ضمن أوراقه وبعضها كتب قبل وفاته بأيام قليلة .
ومعظم هذه القصائد تنتمي إلى قصيدة النثر والتي لم يكن أحد من أبناء هذا الجيل قد غامر في الكتابة من خلالها، فكانت محاولات علي قنديل هي الأولى رغم أنه يعد من أصغر أبناء هذا الجيل، الذي تنتمي إليه كوكبة من الشعراء المتميزين أمثال حلمي سالم وحسن طلب وعبد المنعم رمضان ومحمد سليمان ورفعت سلام وغيرهم .
فكان علي قنديل طالب الطب، المولود في قرية الخادمية التابعة لمدينة كفر الشيخ هو صاحب التجربة الأولى في القصيدة النثرية في جيل السبعينات في مصر، من خلال رؤية فنية واضحة، تنظر للحداثة من خلال بعد معرفي مرتبط بالتراث العربي، فالقصيدة عنده تنتمي بشكل ما إلى ذلك الخيط الممتد من جذور الشعر العربي القديم إلى إشراقات اللحظة التي تكتب فيها .
وتنتمي القصائد النثرية التي ضمتها الآثار الكاملة إلى الفترة ما بين عام 1972 و1975 ومنها قصيدة وردة الشك التي تقوم على فكرة التوازن بين الأشياء، وإن غلبت عليها النظرة التشاؤمية في مفردات الوجود:
أشك في علم الحساب والمنطق، في الميزان، في المرأة الحبلى .
أشك في مخاطبي: لعله يسرق خدعة لغاتي في أحبائي: لعلهم تآمروا ضد نقمتي وشهوة السفر لعلهم الدفء الحاني الذي ينسيني المجهول .
أشك في المجهول، في المقاهي، أتيليه الفنون، في الفاكهة، ورائحة الشواء، في الحديد الصلب والمطاوع، في ملوحة البحار، وجمال نهر النيل، في القطارات التي تأتي ولا تأتي، في حساب السنين، أشك في اليقين .
ومن القصائد التي وجدت في أوراق الشاعر، المؤرخة بتاريخ 8 مارس/آذار ،1973 قصيدة أطراف المدينة، القائمة على سرد تفاصيل حياتية من خلال حالة وصفية حيث يقول:
هناك في أطراف المدينة
لا أرى أناسا كثيرين،
فقط المهاجرين منها
فأمتع أوقاتهم بإنشادي، وهم يمرون بوجوه قريبة الشبه بالمطاردين،
أو الداخلين، بكارى، يأملون أن يعيشوا في المدينة
فأشفق على نفسي من ازدرائهم .
ورغم صغر حجم ديوان علي قنديل فإن الشعر يتدفق منه عبر بكارة التجربة، ضاربا حربته في فراغ الآخرين، مستضيئا بقيامة الذات من رماد الواقع وكأنه طائر الفنيق الذي يأخذ الواقع إلى الأسطورة، والأسطورة إلى الواقع في حركة تبادلية أحيانا، تصادمية في أغلب الأحيان .
ويتضح من قراءة الديوان أن هناك خصائص فنية عدة ميزت تجربة علي قنديل التي أثرت بعد ذلك في شعراء جيله والأجيال التالية في مصر والعالم العربي، ومنها:
أولا: الاستفادة من التراث والمزاوجة بينه وبين قضايا الواقع عبر مستويين، المستوى الأول: الاستفادة من التاريخ المصري والعربي القديم، والثاني: الاستفادة من المنجز اللغوي والبلاغي العربي، ما أعطى لتجربته مرونة وقوة لغوية وربما هذا ما جعله يلجأ في بعض قصائده التفعيلية إلى الأسطورة القديمة لإضاءة الواقع السياسي والاجتماعي، وهذا ما يبرر لجوءه لأسطورة إيزيس وأوزوريس في قصيدته مساحات للنشور حيث انتظار حورس المخلص، والحامل للثأر والباحث عن الحرية المفقودة، وهذا ما يلقي بظلاله على الواقع المصري قبل حرب اكتوبر/تشرين أول ،1973 حيث حلم الخروج من الهزيمة والتطلع للنصر، وهذا ما نراه في قوله:
حورس في جوف الجبال،
أصداء طقس وابتهال
وجه حائر بين اشتباكات السؤال ونضارة تلتاث من رمل الجفاف
تحضر تحت البرقع المنسوج من خيط الحداد
وتشب فوق الصهد طولا والتفافا .
الخاصية الثانية في شعر علي قنديل: وجود نزعة درامية حوارية داخل معظم القصائد، حيث تتعدد الأصوات داخل السطر الشعري الواحد، وتبدى هذا جليا في قصيدة محاورة الظل والإضاءة التي يوجد بها صوتان رئيسيان هما صوت والكورس اللذان يتبادلان حوارا شيقا حول فكرة الميلاد المنتظر من رحم الأسطورة: فالكورس يكرر:
حملناك في منبت القلب منذ ابتداء الزمن
تخمر فيك تراب الولادة
ونوقد فيك شعاع التأمل وشمًا وعادة
لتأتي لنا من خلال السنين
جوادا: جناحاه ماء وطين
وصوته نبر من الميتين، وصحو يزلزل
عقيم البدن .
ويأتي الصوت ليعبر عن مخاوفه، فالميلاد المنتظر بعد كثرة الهزائم وتلاحظ الدلالة السياسية الموجودة في خلفية النص الشعري الذي كتب في يناير/كانون الثاني 1973 الميلاد المنتظر تعتريه مخاطر جمة، داخلية وخارجية:
يقترب الشرطي سريعا فسريعا
دقات حذائه مطروقة فوق الكتفين
انكمش بقبضته حلما مفزوعا
أتقلص في حجم الذرة
أغمض عيني المجمدتين
شيء في الداخل ينمو كمجرة،
يركلني/ أتهالك/ أتفتت
أصبح جمجمة داكنة أو حبلا مقطوعا .
الخاصية الثالثة تتمثل في اللجوء إلى ما يمكن أن يسمى بالحكاية الشعرية وقد استفاد قنديل من الحكي الشعبي بصيغه التقليدية، وأضاف إليها مشاركة الذات الراوية في الحدث الذي ترويه، بل هي في معظم الأحيان بطلة الحدث، وهو بذلك استخدم تقنيات سردية جعلت رؤيته مغايرة للأجيال الشعرية التي سبقته كجيل الستينات، ومن ذلك قصيدته أغنية من شتاء مضى التي يقول مطلعها:
كنت طفلا، والظهيرة
استحمت في المطر
حين كان الظل يزرعني بعينيك يمامة
ويجبرني على كفيك خطا لاهثا
فرسا فخورا بالوسامة
أما الخاصية الرابعة في تجربة قنديل فتتمثل في شيوع لغة المفارقة اللغوية والدلالية، وقد تجلى ذلك في استخدامه التضاد اللفظي، لما له من فائدة كبيرة أكد عليها الأقدمون، حيث يقول فخر الدين الرازي: هو من مقتضيات الأحوال وموجبات الأغراض .
وأعتقد أن دراسة علي قنديل الطب هي التي أثرت بشكل تفاعلي في تجربته الشعرية حيث الثنائية الدائمة بين الأشياء الوجود/ العدم، الماء/ النار، والضحك/ البكاء .
ومن ناحية أخرى ربما تعود هذه الثنائيات إلى أن الشاعر الحداثي دائما ما يسعى للخلاص من الواقع المرهق فينشئ يوتوبياه من خلال رسم ملامح لواقع جديد، وفق مواصفات خاصة تغاير مواصفات الوضع القائم .
أما الخاصية الخامسة فتكمن في الغنائية التي تبتدي من ثنايا النص الشعري من خلال الانتقال السلس بين الضمائر المختلفة، والتضاد الذي أشرنا إليه سابقا ويتجلى ذلك في قصيدة إشراقات شعرية التي يقول فيها:
لا أفق يدركني ولا سماء
خطابي حجم الأرض
وانفراجة الرجاء
خفق اللهيب بعضي
وبعضي الغريب
أنا الذي يفض أو يعيد بكارة الأشياء
فمن خلال هذه الغنائية التركيبة يكون التكوين الخارجي للنص موازيا للتكوين الداخلي، وهنا يبرز السؤال المتكرر داخل القصائد للتعبير عن أزمة وجودية .
ونجد أنه بجوار هذا التوجه الإشراقي، هناك توجه آخر يتصل به اتصالا وثيقا هو التوجه الديني الذي يضع بين أيدينا تجربة الشاعر مع موروثه الروحي ولكن هذا التعامل التراثي على حد تعبير الدكتور محمد عبد المطلب كان يتم غالبا في الفروع والوقائع دون الأصول، فهي غير واقعة تحت طائلة الملاحظة، أو لنقل التعامل معها كان محاطا بكثير من المحاذير التي حاصرتهم وجعلت صرختهم يعني الشعراء السبعينيين صامتة تشير ولا تصرح وتضمر أكثر مما تظهر .
وقد عانى قنديل من تجربة الاغتراب وهو ما صوره في قصيدة القاهرة التي يبدأها بقوله شريط القطارات كان يوازي تفجر وردة، وهذه الجملة تضع بين أيدينا مفهوم الاغتراب من وجهة نظر شاعر عاش بين أحضان القرية سنوات الصبا والشباب، فامتداد شريط القطار/ الاغتراب، يساوي تفجر وردة البراءة يقول:
دخان يقترب، وسماء مدرجة في قائمة الأعمال
وفيما بين الحلم ومائدة الأفكار توابيت تتناسل
فطر يتكاثر والساعة في عكس إيقاعات القلب تدق .
الشاعر إذا في مرحلة الدهشة الناتجة عن الاغتراب الحتمي، اغتراب الروح، التي تركها في القرية، عن الجسد القابع في مدينة الألف مئذنة، التي تجثم في وعي الشاعر كغابة من حلم مستحيل، فهي ليست مكانا طارئا، لكن لها قانونها اللهبي الذي يغوص في الواقعية:
يظل الرجل يبني العمائر حتى إذا
اكتملت هنيهة للساكنين
أشهر دونه وعتباتها سيف محلي
ودم مرتقب .
ويظل الشاعر في مجاهدة الاغتراب حتى يلقي نبوءته فوق أرض الواقع فيتحرك في دمنا خلال رحلته القصيرة أشياء جميلة كطيور خضراء:
مر من هنا قنديل
في خطوة ترتيل
عن موعد القيام