نتوقف اليوم مع صحابى جليل، ظل يسأل كل من حضرته الوفاة: صف لي بماذا تشعر؟ ولما حضرته الوفاة بكى بشدة عندما سأله أبناؤه. صف لنا الموت، وقال إنه شعور لا يوصف.. وظل يصفه حتى مات.. إنه الصحابي الجليل عمرو بن العاص - رضي الله عنه وأرضاه - وأدخله فسيح جناته.
ويقول خالد محمد خالد في كتابه رجال حول الرسول إنه لما حضرت عمرو بن العاص الوفاة في السنة الثالثة والأربعين من الهجرة، بمصر، حيث كان والياً عليها، راح يستعرض حياته في لحظات الرحيل فقال: كنت أول أمري كافرا.. وكنت أشد الناس على رسول الله، فلو مت يومئذ لوجبت لي النار.. ثم بايعت رسول الله، فما كان في الناس أحد أحب إلي منه، ولا أجل في عيني منه.. ولو سئلت أن انعته ما استطعت، لأني لم أكن أقدر أن أملأ عيني منه إجلالا له.. فلو مت يومئذ لرجوت أن أكون من أهل الجنة.. ثم بليت بعد ذلك بالسلطان، وبأشياء لا أدري أهي لي، أم علي.
وبعد ذلك رفع بصره إلى السماء في ضراعة، مناجيا ربه الرحيم العظيم قائلا: اللهم لا بريء فأعتذر، ولا عزيز فأنتصر، وإلا تدركني رحمتك أكن من الهالكين. وظل في ضراعاته، وابتهالاته حتى صعدت إلى الله روحه، وكانت آخر كلماته.. لا إله إلا الله.
بكاء مرير
ويذكر محمد عبد الوهاب صقر في كتابه عمرو بن العاص أنه لما حضرت عمرو بن العاص الوفاة، كان على فراشه في الأول من شوال سنة 43ه، أي في يوم عيد الفطر، وقضى نحبه وحوله أبناؤه، وقد كان يبكي بكاء مراً، وهو يواجه الحائط، فهذا هو الموقف الذي لا فكاك منه، ولا ينفعه هنا دهاء ولا ذكاء، ولكن الاستغفار وطلب العفو من الله الغفور الرحيم، ورآه أولاده وهو في هذه الحالة ساعة الاحتضار، وأراد أحدهم أن يطمئنه فقال له ما يبكيك؟.. أما بشرك رسول الله بكذا، أما بشرك بكذا؟ وهنا أقبل عمرو بوجهه وقال: إن أفضل كلمة أقولها لا إله إلا الله محمد رسول الله.
وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنه - أنه قال: كان أبي كثيرا ما يقول: إنى لأعجب من الرجل الذي ينزل به الموت ومعه عقله ولسانه، فكيف لا يصفه؟ قال: ثم نزل به الموت ومعه عقله ولسانه، فقلت له: يا أبتاه، قد كنت تقول إني لأعجب من رجل ينزل به الموت ومعه عقله ولسانه كيف لا يصفه؟ فقال: يا بني.. الموت أعظم من أن يوصف، ولكن سأصف لك منه شيئا، والله كأن على كتفي جبل رضوي، وكأن روحي تخرج من ثقب إبرة، وكأن في جوفي شوكة عوسج، وكأن السماء أطبقت على الأرض، وأنا بينهما.
ثم قال: يا بني.. إن حالي قد تحول إلى ثلاثة أنواع: فكنت في أول الأمر أحرص الناس على قتل محمد صلى الله عليه وسلم، فيا ويلتاه لو مت على ذلك الوقت، ثم هداني الله تعالى للإسلام، ثم كان محمد - صلى الله عليه وسلم - أحب الناس إلي، وولاني على السرايا، فيا ليتني مت في ذلك الوقت لأنال دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلاته علي، ثم اشتغلنا بعده في أمر الدنيا، فلا أدري كيف يكون حالي عند الله تعالى، فلم أقم من عنده حتى مات، رحمه الله، (أخرجه ابن سعد في طبقاته والسمرقندي في تنبيه الغافلين وابن الجوزي في الحدائق وغيرهم).
وقال قتادة - رحمه الله - لما احتضر عمرو بن العاص - رضي الله عنه - قال: كيلوا مالي، فكالوه، فوجدوه اثنين وخمسين مدا، فقال: من يأخذه بما فيه؟ يا ليته كان بعراً. أخرجه ابن عساكر.
وصية الموت
وجاء عن عبد الله بن عمرو أنه قال: إن أباه لما احتضر قال: اللهم إنك أمرت بأمور، ونهيت عن أمور، تركنا كثيرا مما أمرت ورتعنا في كثير مما نهيت. اللهم لا إله إلا أنت. ثم أخذ بإبهامه، فلم يزل يهلل حتى فاضت روحه، رضي الله عنه.
وروى أيضاً أهل السير أنه لما حضرت عمرو بن العاص - رضي الله عنه - الوفاة ذرفت عيناه، فقال له ابنه عبد الله: يا أبتاه ما كنت أخشى أن ينزل بك أمر من أمر الله عز وجل إلا صبرت عليه، فقال عمرو: يا بني.. إنه نزل لأبيك خصال ثلاث: أما أولهن فانقطاع عمله، وأما الثانية: فهول المطلع، وأما الثالثة: ففراق الأحبة، وهي أيسرهن. ثم قال: اللهم إنك أمرت فتوانيت، ونهيت فعصيت، اللهم ومن شيمتك العفو والتجاوز (أخرجه أحمد في المسند بنحوه).
وعن عبد الله بن عمرو أن أباه أوصاه: إذا مت، فاغسلني غسلة بالماء، ثم جففني في ثوب، ثم اغسلني الثانية بماء قراح، ثم جففني، ثم اغسلني الثالثة بماء فيه كافور، ثم جففني وألبسني الثياب. ثم إذا حملتني على السرير، فامش بي مشيا بين المشيتين، وكن خلف الجنازة، فإن مقدمها للملائكة، وخلفها لبني آدم، فإذا أنت وضعتني في القبر فسن (صب) علي التراب سنا، ثم قال: اللهم إنك أمرتنا فأضعنا ونهيتنا فركبنا، فلا بريء فأعتذر، ولا عزيز فأنتصر، ولكن لا إله إلا الله، ومازال يقولها حتى مات. ودفن بمصر، التي فتحها ونشر الإسلام بها.