من التساؤلات التي تتردد على ألسنة كثير من المسلمين: ما دام يوم القيامة حقاً، وأنه آت لا ريب فيه.. فما موعد هذا اليوم؟ وما علامات قرب وقوع الساعة؟ وما موقف من ينكرون هذا اليوم؟

هذه التساؤلات ليست جديدة، فهي تتردد على ألسنة المسلمين الحائرين كما تتردد على ألسنة المنكرين ليوم القيامة.. وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن موعد يوم القيامة كما يسأل علماء الإسلام الآن، وكثير من السائلين صموا آذانهم عن سماع ما جاء به القرآن الكريم ليرد عليهم من خلال آيات واضحة وحاسمة.

يقول الدكتور أحمد عمر هاشم أستاذ السنة النبوية وعضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر: موعد اليوم الآخر، أو يوم القيامة لا يعلمه إلا الله وحده.. ومن الآيات القرآنية التي أكدت هذه الحقيقة قوله تعالى: يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

أي: يسألك المشركون عن وقت قيام الساعة سؤال استنكار واستخفاف.. قل لهم أيها الرسول الكريم إن علم قيامها لا يعلمه إلا الله تعالى وحده، ولا يكشف خفاءها إلا هو عز وجل.. ثم عظم سبحانه أمر قيام الساعة فقال: ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة أي: كبرت وشقت على أهلها لخوفهم من شدائدها وأهوالها وما فيها من محاسبة ومجازاة، وهي لا تأتي إلا فجأة وبغتة دون توقع أو انتظار.

ويضيف الدكتور هاشم: لقد وردت أحاديث صحيحة تؤيد وقوع الساعة فجأة ومنها ما أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته ناقته فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه أي يطليه بالجص (الطين) فلا يسقى فيه.. ولتقومن الساعة وقد رفع أحدكم أكلته إلى فمه فلا يطعمها.

وقد أكد الحق سبحانه في كتابه العزيز أن وقت قيام الساعة لا يعلمه إلا هو وحده فقال: يسألونك كأنك حفي عنها أي كأنك عالم بها مع أنك لا علم لك بوقت قيامها قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون.. وقد جاء في الحديث الصحيح أن جبريل عليه السلام سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن وقت قيام الساعة فأجابه صلى الله عليه وسلم بقوله: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل.

علامات قرب الساعة

وإذا كان موعد قيام الساعة مما استأثر الله بعلمه، وأن رسول الله نفسه لا يعلم شيئا عن هذا الموعد.. فهل لهذا اليوم علامات وأمارات تنبئ بقرب وقوعه؟

يقول الداعية الكبير الراحل الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله في الإجابة عن هذا السؤال: الحق سبحانه وتعالى يعطينا في القرآن الكريم علامة من علامات قرب الساعة، وذلك في قوله جل جلاله: حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون.

ولو أننا تدبرنا معنى الآية الكريمة كما يقول الشيخ الشعراوي لوجدنا أنه قبل يوم القيامة ستأخذ الأرض كامل زخرفها وزينتها، وتكون فيها العمارات الشاهقة الحديثة، والمدن الكبيرة، وكل ما يزين الأرض للناس، من زينة تحبب إليهم الحياة الدنيا، وتظهرها لهم في أبهى صورها، وهذا لا يكون إلا بتقدم الحضارة، بشكل يجعل الإنسان قادراً على أن يحقق الكثير، فيسافر من دولة إلى أخرى في وقت قصير، ويستطيع أن يتحكم في بيته بل وفي خارج بيته بالأزرار، ويدوس على زر فيأتيه الطعام ويضغط على زر آخر فينتقل من مكان إلى مكان بمنتهى السهولة.. أي أن الحياة على الأرض ستكون قد بلغت قمة ما يسمونه التكنولوجيا التي تحقق للإنسان رفاهية الحياة.

وقول الحق سبحانه وتعالى: وظن أهلها أنهم قادرون عليها دليل على أن الناس سينسون الله جل جلاله وقدراته، وأنه هو الذي خلق هذا الكون، وأوجد قوانينه وكل ما فيه، وينسبون هذا لأنفسهم، فيعتقدون أن لهم القدرة على أن يفعلوا ما يريدون بهذه الأرض.. وأنها أصبحت خاضعة لإرادتهم وسلطانهم بالعلم الذي حققوه.. بينما الأرض وكل من فيها وما فيها خاضع لإرادة الله وقدرته وحده.. هو وحده الفعال لما يريد.

ماذا يحدث؟

وما الذي يحدث عند قيام الساعة؟ وما صحة ما يردده البعض من سلوكيات وتصرفات للإنسان والحيوان في ذلك المشهد الرهيب؟

يقول الشيخ الشعراوي: مشاهد يوم القيامة أخبرنا بها القرآن الكريم وعلينا أن نأخذها من الخالق القادر المقتدر وليس من أفواه الدجالين والنصابين والمخرفين.. وفي حقيقة ما يحدث في هذا اليوم الرهيب جاء قول الحق سبحانه: فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس أي دمرنا ما عليها من زينة وزخرف.. فإذا بها جرداء لا شيء عليها، وكل ما فعله الإنسان خلال قرون طويلة يتلاشى ويختفي وينتهي في لحظات.

الحق سبحانه وتعالى يصور لنا بعض مشاهد هذا اليوم فيقول: ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون.

إذن تكون قبل القيامة.. النفخة الأولى في الصور فيصعق من في السماوات ومن في الأرض.. أي تصيبهم الصاعقة.. والصاعقة لن تصيب الإنس فقط.. ولن تصيب الإنسان والجان فقط.. ولكنها ستصيب كل خلق الله في السماوات والأرض، بحيث تشمل الملائكة وغيرهم من خلق.. إلا من شاء الله له سبحانه وتعالى البقاء.. ثم تأتي النفخة الثانية.. فيقول الحق تبارك وتعالى: فإذا هم قيام ينظرون أي كل من شاء الله له أن يعود للحياة مرة أخرى، وكل من سيشهد يوم القيامة يقومون.

كيف سيكون الحشر؟

يقول الشيخ الشعراوي: لنا أن نتصور البشر كلهم من عهد آدم إلى يوم القيامة وهم يخرجون من باطن الأرض دفعة واحدة.. أنها ستضيق بهم، لأنهم عاشوا فيها في أزمان مختلفة، جيلاً بعد جيل، ولكنهم يخرجون منها في هذا اليوم دفعة واحدة.. ولذلك سمي يوم الحشر، لأن الناس تحشر فيه حشراً.. فالحشر هو أن تضع في المكان أكثر من سعته بحيث يكون كل شيء متلاصقا، يتحرك بصعوبة ويجد مكانا بصعوبة.. هكذا سيكون الموقف ساعة الحشر، أعداد هائلة من البشر والجن، وغير ذلك من خلق الله، كلها حشرت حشراً فوق الأرض التي عشنا فيها.. وفي هذا يقول الحق تبارك وتعالى: منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى.

ولكن: هل سيخرج كل إنسان ويكون حراً يذهب حيث يشاء؟ هل سنخرج جميعا لنختلط ببعضنا بعضاً في فوضى هائلة؟

يقول شيخنا الشعراوي رحمه الله: لا.. لقد انتهى الاختيار الآدمي، ولم يعد لنا اختيار في أي شيء.. إن كل واحد منا مكلف به ملك، أن يأخذه من هذه الأرض التي خرجنا منها.. إلى أرض الميعاد التي سيحاسب فيها.. لا أحد يترك هكذا.. بل كل إنسان له مكان محدد يخرج منه، وملك موكل به، هو الذي يقوده ولا يستطيع الإنسان الإفلات أو الفرار من قضاء الله وقدره.

يخرج كل إنسان، فلا نكون جميعا في الخروج هيئة واحدة، فهناك الذين عملوا الصالحات، هؤلاء يخرجون خفافاً، لا يحسون بهول القيامة، ولا بشدة الموقف، لأن الله يخفف عنهم.

وهناك من ساءت أعمالهم، والعياذ بالله، وأولئك يخرجون وهم يتخبطون مصداقا لقوله تبارك وتعالى: يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم. يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد.

وهكذا نرى الناس يخرجون من قبورهم، وهم يترنحون من هول الموقف، وكأنهم سكارى، لأن العذاب الذي ينتظر العاصين والمذنبين منهم عذاب أليم، يزلزل أقوى النفوس، وأقدرها على التحمل.

أما الذين كفروا بالله وأنكروا وجود الخالق ورفضوا الرسالات السماوية فهؤلاء سيخرجون في حالة رهيبة.. يتمنى الواحد منهم لو أنه لم يوجد فيها هذه اللحظة، يتمنى أن يتحول إلى حفنة من تراب، يدوسها الناس بأقدامهم، ولا يقف أمام الله ليحاسب: ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا.

ساعة الخروج هذه يحاول كل إنسان أن ينجو بنفسه ويحاول أن يتخذ وسيلة لعلها تنقذه من هول هذا الموقف، ومن العذاب الذي ينتظره.

هنا يحاول العاصون والمذنبون والذين أسرفوا على أنفسهم أن يستغيثوا بالمؤمنين، وهم يرونهم في صورة مشرقة.. ولكن المؤمنين يفرون منهم.. فكل واحد في هذا الموقف لا يهمه إلا نفسه، وكل واحد يلتمس الطريق إلى النجاة بأية وسيلة يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه.

في هذا اليوم لا ينفع أن يستنجد الإنسان بأحد ولو كان أقرب الناس إليه.. فالأنساب في هذا اليوم تلغى تماما، وتبقى الأعمال فقط، ولذلك إذا حاول أحد الظالمين أو الكافرين أن يستنجد بأمه أو بأبيه وهما أقرب الناس إليه، فإنهما يفران من هول الموقف.. فالأب يفر من ابنه العاصي، والأم تفر من ابنتها العاصية، والأصدقاء يفر بعضهم من بعض.. لأن هذا اليوم فيه هول عظيم.

إن كل عواطف القرابة والنسب بين الصالحين وغير الصالحين يزيلها الله من القلوب تماما.. ويجد الإنسان نفسه مع عمله إن كان صالحا كان بشرى ونورا، وإن كان غير صالح كان له غما وهلعا وبؤسا يملأ الوجوه.. والحق تبارك وتعالى يقول: فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون.