يقلق كثيرون من قراءة أي خبر يشير إلى أن العنف وجد طريقاً له إلى المدارس التي كانت مضرب الأمثال عند الحديث عن أي شيء جميل. ومصدر القلق أن الطلاب، باختلاف مراحلهم، بشر في مرحلة التكوين، فلا يليق أن يشبوا والعنف مسلكهم، سواء كان لفظياً أو بدنياً، وأيا كانت وجهته: زميل أو معلم. وما يقلق أكثر أن يجنح معلمون إلى العنف فيصبح أداة للتواصل مع طلابهم تضرب القيم المفترض أن تحكم علاقتهما في مقتل.
الأمر في رأي البعض ليس بالخطورة المتصورة، لكن أية وقائع، أياً كان عددها أو خطورتها، تستدعي الانتباه إلى أحوال المؤسسات التربوية التي استبقت وزارة التعليم ما يحدث في بعضها الآن بقانون يصفه مسؤولوها بأنه صارم.
حسين عبد المحمود معلم تعرض لشتائم جارحة من بعض الطلاب، لأنه تدخل لفض مشاجرة طلابية داخل المدرسة، وكان العقاب متساهلا جدا مع الطلاب، كما وصفه، مما اضعف شخصيته بالمدرسة وهو الآن يفكر بجدية في ترك التعليم لأن المعلم أصبح أضحوكة أمام الطلاب ولا هيبة له.
ويبدو أن الاعتداء على المعلمين بما يفوق الشتائم سلوك يتكرر في بعض المدارس، إذ شاهد الطالب حمدان حمد علي طالباً في إحدى المدارس الثانوية يعتدي على معلمه بالضرب المبرح حتى سقط المعلم من كثرة الضرب لأن الطالب كان موفور الصحة قياسا بالمعلم المعتدى عليه والمغلوب على أمره.
والمعلمون ليسوا وحدهم ضحايا الضرب والشتم في المدارس، فولي الأمر(ع. ع) يؤكد أن ابنه تعرض لضرب مبرح من قبل زميله بالمدرسة ما استدعي نقله للعلاج بمستشفى دبي ومازال يتلقى علاجه وقال انه اضطر لرفع دعوى على الطالب مع أخطار منطقة الشارقة التعليمية ووزارة التربية بالأمر لكنهما، حسب قوله لم يحركا ساكناً تجاه الاعتداء، وهو الآن في انتظار عما تسفر عنه تحقيقات الشرطة.
ويقول عمران إسماعيل معلم أحياء: إنه تعرض لكثير من المواقف والسلوكيات الخاطئة من قبل الطلاب، لأنهم في المرحلة الثانوية في سن تجعل من الصعب السيطرة على سلوكياتهم الخاطئة، ولا يملك المعلم إلا تحويل الطالب المشاغب إلى الأخصائي الاجتماعي في محاولة لتعديل السلوك الخاطئ.
ويؤكد أنه عندما يلجأ إلى إدارة المدرسة للتعامل مع انفلات الطلاب لا يسعى لعقابهم لكن لإصلاح وتعديل سلوكياتهم غير المرغوب فيها حتى لا تتفاقم.
ويؤكد جابر عبد المحسن معلم تربية فنية بإحدى المدارس الإعدادية أن كثيراً من المعلمين يتعرضون لاعتداءات متكررة من الطلاب، سواء كانت بدنية أو لفظية، مشيراً إلى أنه كان ضحية اعتداءات لفظية متكررة والسبب أن الضوابط لا تردع الطلاب والمعلم عاجز عن معاقبة الطالب لأن اللوائح له بالمرصاد.
وتؤكد وفاء حسين حبشي أخصائية اجتماعية أن تجاوزات الطلاب الذين تتراوح أعمارهم مابين 6 إلى 12 سنة يسهل السيطرة عليها في معظم الأوقات، إلا في حالات نادرة يجب فيها الرجوع إلى ولي الأمر ومعالجة المشكلة بمعرفته. وتشير إلى أن ذلك تسبقه دراسة الحالة والاستماع إلى الطفل ومعرفة إن كان سلوكه تجاه المعلمة رد فعل لتصرفها أم أنه يعاني من مشكلات أسرية.
تحت السيطرة
يوضح حسين آل علي مساعد مدير مدرسة المجد النموذجية أن التصادمات مابين الطلاب والمعلمين، أو الطلاب مع بعضهم بعضاً، ليست بالصورة الوحشية التي يسمع عنها، بل هي تجاوزات تحت السيطرة ويحتوي بالتدرج في إنزال العقوبات على المشاغبين. ويلفت إلى أن الطالب بشر معرض للخطأ، وأن التدرج في العقوبات يبدأ من إنذار شفوي في المرحلة الأولى، وأن تراكم الإنذارات يؤدي لإبعاد الطالب عن المدرسة النموذجية، مؤكداً أن هذا الإجراء حدّ كثيراً من السلوكيات العدوانية.
وفي السياق ذاته يرى الأخصائي الاجتماعي أشرف محمد صحاح أن تجاوزات الطلاب ضد المعلمين مشاكل يومية تدخل في إطار السلوك الطبيعي للطلاب وأن المجتمعات المدرسية لا تخلو منها.
ويشير إلى أنه عند حدوث مثل هذه المشاكل يستدعى الطالب المخطئ للاستماع إليه وتشخيص أسباب المشكلة ومحاولة حلها ودياً مع التعمق في الجوانب الأسرية للطالب ومعرفة إن كان لها تأثير في مسيرته الدراسية.
ومن الطلاب من يستجيب ويتراجع عن سلوكياته الخاطئة، بحسب صحاح ومنهم من يستدعى ولي أمره لمتابعة حالته، بجانب اتباع سياسة الترغيب لأصحاب السلوكيات الخاطئة لتعديلها.
ويتساءل فريد عبد الله القصيبي مدير مدرسة العروبة الثانوية: من هو المتسبب في اعتداءت الطلاب وتطاولهم اللا معقول على المعلمين؟ ويجيب بأن المسؤول الأول هو التساهل الكبير في التعامل مع الطلاب لعدم وجود لوائح رادعة لسلوكياتهم الخاطئة، مؤكداً أن الضوابط الحالية لا تؤدي الغرض المطلوب، بل تسهم في دلال الطلاب وتشجعهم على التمادي في ضرب المعلمين والاعتداء عليهم، فضلاً عن تدليل أولياء الأمور للأبناء بالاستماع إليهم فقط عند حدوث واقعة بينهم وبين أساتذتهم.
ويشير إلى أن الآباء يبادرون إلى شكوى الاستاذ من دون الاستماع إليه والرجوع لإدارة المدرسة، ومنهم من يتوجه إلى الأجهزة الإعلامية لتقديم شكواه، وهي خطوات تفسد الطلاب وتشجعهم على تكرار تجاوزاتهم ضد المعلمين وزملائهم.
ويؤكد جمال عبيد خاتم مساعد مدير مدرسة العروبة الثانوية على وجود تجاوزات كثيرة من المعلمين تجاه الطلاب، قد تكون مقصودة، وغير مقصودة، لكن طلاب المرحلة الثانوية لا يتقبلونها مهما كانت بسيطة وتكون ردة فعلهم عنيفة وتصل في كثير من الأحايين إلى الاعتداء اللفظي أو البدني على المعلم. ويوضح أن الطالب في هذه المرحلة يرى أنه كبير وعلى أعتاب الرجولة ولا يتحمل الاستهزاء به أمام زملائه أو طرده الطالب من الحصة، وهو من التجاوزات المتكررة غير المرغوب فيها، من جانب المعلمين، ويجب على المعلم، كما يقول، أن يعي دوره التربوي بعيداً عن الضرب والتعرض للطالب وأن يتفهم نفسيات الطلاب ومشاكلهم والضغوط الأسرية التي يعيشون فيها والبيئات المختلفة التي أتوا منها والفروقات التربوية والاقتصادية بينهم ليستطيع كسب ودهم وان يكون أخاً صديقاً لهم، فضلا عن اتباع الوسائل التعليمية الحديثة التي يمكن عبرها ترويض الطالب المشاغب. وبالمقابل يجد أنه لابد للطالب من أن يحترم المعلم وألا يعتدي عليه مهما كان أسلوبه قاسياً لأن المعلم إذا أحس بعدم احترام الطلاب له لن يستطيع أداء واجبه على الوجه المطلوب، مع العمل على خلق أجواء صداقة بين الطلاب داخل الحرم الجانبي تجنهم الصدام.
منى عبدالله شهيل نائبة مديرة منطقة الشارقة التعليمية للشؤون التربوية والأنشطة الطلابية تؤكد أنه للقضاء على ظاهرة اعتداء الطلاب على المعلمين أو بعضهم بعضاً أو الظواهر الطلابية الأخرى، أعدت المنطقة دراسة عن الأسباب وطرق العلاج من خلال اللجنة الدائمة للسلوك بالمنطقة.
وتشير إلى تكوين فريق عمل في المنطقة من الأخصائيين الاجتماعيين الذين خضعوا لدورات تدريبية على كيفية التصدي للمشكلات السلوكية في المدارس، وأن توصيات الدراسة ستطبق في الفصل الدراسي الثاني عبر خطة تربوية متكاملة تشمل العديد من الفعاليات والبرامج منها برنامج صلاتي حياتي والحقيبة التربوية، وهي حقيبة تحتوي على مجموعة من البرامج البصرية والسمعية وكتيبات إرشادية والغاز وألعاب ترفيهية تهدف إلى الارتقاء بالسلوك الطلابي.
صلاحيات كاملة للمناطق
وفق جابر علي جابر رئيس قسم البحوث والفتاوى بإدارة الشؤون القانونية بوزارة التربية والتعليم، فإن الوزارة خولت المناطق التعليمية بالدولة إجراء التحقيقات الإدارية مع الموظفين المخالفين سواء كانوا معلمين أو إداريين ثم إرسال نتائج وحيثيات التحقيق إلى الوزارة، والعقوبات التي تطبق ضد الموظفين هي الواردة في قانون الخدمة المدنية رقم 21 لسنة 2001. ويقول فيما: يختص بمخالفات الطلاب ضد المعلمين أو الزملاء، فإن القرار الوزاري رقم 454- 2 لسنة 1998 بشأن لائحة توجيه سلوك الطلاب أعطى إدارات المدارس صلاحية اتخاذ الاجراءت اللازمة لمعاقبة الطلاب.
واكد جابر أن الوزارة لا تتدخل في عمل المناطق التعليمية وتحقيقاتها، إلا في إطار ضيق وفي قضايا تكلف بها اللجنة القانونية بقرار من الوزير أو الوكيل موضحاً أن اللجان القانونية بالمناطق التعليمية تؤدي دورها بالكامل.
3 أنواع والقرار الوزاري حاسم
يقسم عبدالله إبراهيم الهرمودي رئيس قسم الشؤون القانونية بمنطقة الشارقة التعليمية المخالفات والتجاوزات في المدارس إلى ثلاثة أنواع: اعتداء طالب على زميل، أو اعتداء طالب على معلم، أو اعتداء معلم على طالب.
ويقول: حالة اعتداء معلم على طالب محددة ببنود قانونية واضحة وبنص أحكام المادة التاسعة من القرار الوزاري رقم (454/2) لسنة 1998م الذي يحظر، وبأي حال من الأحوال، اللجوء إلى عدد من الأساليب التي يحددها في عقاب الطالب العقاب البدني بمختلف صوره، أو تخفيض الدرجات في المواد الدراسية أو التهديد بذلك، أو طرد الطالب من المدرسة في اليوم الدراسي بقرار فردي ، أو العقاب الجماعي بسبب مخالفات فردية.
ويوضح أن من هذه الأساليب التشهير، وتجريح الطالب المخالف علانية، والحبس في المدرسة، مؤكداً أنه في حالة خرق معلم أو معلمة لهذه المادة يجرى تحقيق كتابي معه من قبل لجنة الشؤون القانونية، وفي حالة ثبوت ارتكابه للمخالفة تطبق العقوبات التي نص عليها قانون الخدمة المدنية لسنة 2001 وتبدأ بالإنذار وتنتهي بإنهاء الخدمة، وتندرج بينهما العقوبات حسب جسامة الخطأ.
ويضيف: في حالة اعتداء طالب على المعلم، يتعامل مع الأمر وفقا للقرار الوزاري نفسه الذي تنص المادة الثامنة منه على أنه إذا لم تُجدِ الأساليب والوسائل التربوية الخفيفة في الحد من المخالفات التي تصدر عن بعض الطلاب ئ، تلجأ المدرسة إلى تطبيق أساليب تعديل السلوك الآتية:
التنبيه الشفوي:ويوقع من المعلم أو مربي الفصل أو مدير المدرسة بحق أي طالب صدر عنه سلوك ئسلبي أو مخالفة بسيطة للنظام المدرسي ئ
الإنذار الأول: يُتخذ بقرار من اللجنة التربوية في المدرسة ويبلغ الطالب وترسل نسخة منه إلى ولي أمره.
الإنذار الثاني (النهائي)، ويحق للجنة التربوية أن توقع هذه العقوبة على الطالب إذا بدر منه عمل أو سلوك يعتبر تكرارا لموجبات الإنذار الأول وبحضور ولي الأمر.
النقل التأديبي إلى مدرسة أخرى: وللجنة التربوية أن توصي بنقل الطالب الذي لم يتعظ بأساليب تعديل السلوك السابقة، نقلا تأديبيا إلى مدرسة أخرى داخل المنطقة التعليمية أو خارجها، حسب تقديرها لدرجة المخالفة شريطة التدرج في تطبيق أساليب تعديل السلوك، وأن تكون المخالفة تستوجب ذلك. ويصبح قرار النقل ساري المفعول بعد موافقة مدير المنطقة.
فصل الطالب نهائيا من المدرسة: ويكون ذلك بقرار اللجنة التربوية مقترنا بموافقة مدير المدرسة واعتماد مدير المنطقة.
ويوضح الهرمودي انه في حالة الاعتداء المباشر من قبل الطالب او الطالبة على المعلم والمعلمة فإنه يطبق عليه العقوبة المغلظة من دون تدرج، وهي الفصل النهائي من المدرسة ولأنها بمثابة إعدام للطالب والطالبة فإنه لا يلجأ إليها إلا في حدود ضيقة جدا وتنص المادة العاشرة على أنه يجوز للطالب الذي عوقب بالفصل النهائي أن يتظلم لوكيل الوزارة، وللوكيل أن يخفض هذه العقوبة إلى عقوبة أدنى إذا كانت هناك أعذار أو أسباب مقنعة.
كماتخول المادة الحادية عشرة مدير المدرسة، إذا اقتضت المصلحة، أن يمنع الطالب المحول للاستجواب بشأن سلوكه السلبي من حضور الدروس، إلى أن يصدر الإجراء النهائي بحقه، بعد الاستئناس برأي اللجنة التربوية، على ألا يتجاوز ذلك مدة ثلاثة أيام متواصلة.