(1)

نادراً ما تجد مقابلاً، في الشعر العالمي، للصورة التي وضعها قيس بن ذريح لحالة الفراق أو حالة الفقد التي أحاطت به بعد أن غابت عنه لبنى التي دفعته إلى الجنون، أو، أن الحب في الواقع هو الذي دفع به إلى الجنون .

قيس بن ذريح في هذه الحالة هو بطل، وهناك من يصنف البطولة ويعطيها أكثر من توصيف، ثمة بطولة إيجابية، وثمة بطولة سلبية، وقد تخضع البطولة إلى معايير نسبية وهو مجال واسع نحاول الابتعاد عنه الآن، لنذهب إلى البطولة في الحب .

البطل العاشق، أو العاشق البطل ليس المقصود به ذلك الذي يحمل السيف، ويختطف محبوبته على حصان ويهرب بها إلى مكان بعيد، فإذا لحق به فرسان القوم استل سيفه ليدافع عن حبه .

عاشق من هذا النوع كثيراً ما يقتل، إلا إذا اقترنت الشجاعة وعدة الحرب برجل قضيته الأساسية امرأة، وفي حالة قيس بن ذريح كانت البطولة من نوع آخر . إنها الصورة التي تتمثل في هذه الأبيات الثلاثة التي قالها وهو يصغي إلى شيء من اللوم على الحال التي آل إليها:

يقولون: لبنى فتنة كنت قبلها

بخير فلا تندم عليها وطلّقِ

كأني أرى الناس المحبين بعدها

عصارة ماء الحنظل المتفلّقِ

فتنكر عيني بعدها كل منظر

ويكره سمعي بعدها كل منطقِ

بطولة شاعر قبل بطولة المحب أو بطولة العاشق . بطولة تجعله يشعر بالمرارة بعد لبنى . مرارة العلقم، وتجعله ينكر كل صورة (كل منظر) بعد لبنى، وتجعله ينفر من أصوات البشر، كأن صوت لبنى وحده هو الماثل في سمعه، وكأن صورة لبنى وحدها هي الصورة الوحيدة الماثلة في عينيه أو أمام عينيه .

منطق شاعر بطل من حيث إنه اختفى كلياً في امرأة . المرأة في هذه الحالة أصبحت وطنه . لقد حل بها وحلت به . حلول عميق أكثر من كونه صورة شعرية، وأكثر من كونه صورة صوفية، فهو لا يرى ولا يسمع . بطل لا يرى ولا يسمع . بطل وحيد ومعزول ومجنون ومريض بعد غياب امرأة أو رحيل امرأة .

في الترجمة الواردة عن قيس بن ذريح في مختارات أدونيس نقرأ أنه حين ماتت لبنى التي أحبها وتزوجها ثم طلقها، بكى على قبرها حتى أغمي عليه، ويروى أنه بقي لا يكلم أحداً حتى مات بعد ذلك بثلاثة أيام .

بطولة قيس بن ذريح انتهت بموته بعد موت لبنى بثلاثة أيام، لكن هذه البطولة لم تنته من الذاكرة، والذاكرة هنا هي ذاكرة الشعر، ولولا أنْ دوّن هذا الشاعر العاشق سيرته بالشعر لربما اختفت رواية هذه البطولة .

لكن، لماذا لم يكلم الشاعر البطل أحداً، وبقي على صمته ثلاثة أيام إلى أن مات؟

كأن الصمت أيضاً شكل من أشكال البطولة، وفي صورة أخرى كأن الصمت ملازم للحب . والصمت يعني الكتمان، وكل حب كبير يتوجب أن يحاط بالكتمان، إنه أشبه بالسر الكبير . السر الوجودي الكبير الذي يجب ألا تجري حكايته على الألسن . أيضاً، كأن الحب يجب ألا يرى . حب مخبأ في القلب ولكن صورته تظهر في الشعر . صورة الحب تظهر في البطولة .

الكتمان أيضاً ألا تكلم الناس . أن تذهب إلى قلبك وإلى ذاتك، وأن تدفن الكلام بالصمت، أن تدفن ذاتك في بطولتك . البطولة التي لا تحتاج إلى إعلان طالما أن الحب هو السر . السر الجميل، الهدية الربانية التي تجعل الإنسان أكثر شفافية وأكثر خفة . السر، سر الحب، يجعل روح الإنسان أقرب إلى السماء .

في الحب لا يحتاج الإنسان إلى بطولة جسده ويديه وقوته . يحتاج فقط إلى بطولة قلبه، يحتاح إلى قوة القلب وقوة الروح . حتى العقل لا حاجة إليه في الحب، ولذلك، كثيراً ما يرتبط الحب بالجنون .

(2)

يقول جميل بثينة:

وإن قلت ردي بعض عقلي أعش بهِ

تولت وقالت ذاك منك بعيدُ

فلا أنا مردود بما جئت طالباً

ولا حبها فيما يبيد، يبيدُ

وأفنيت عمري بانتظاري وعدها

وأبليت فيها الدهر وهو جديدُ .

موضع الحب هو القلب وليس العقل، هذه فرضية بالطبع، فقد يكون مكان الحب في العينين . من هناك يولد كما من هناك يولد الشعر، بل إن صورة البطولة أو صورة شخصية الإنسان وملامحها وتكوينها المرئي، إنما تظهر من خلال العينين .

العينان مرآة الإنسان، وممرات صافية للدخول إلى ذاته، أما العقل فهو ماكينة أخرى، ويبدو أحياناً أن عقل العاشق في قلبه، وعقل المتدين في روحه، وعقل الشاعر في عينيه، وعقل الجندي في أصابعه، وعقل المزارع في الحقل، وعقل المرأة في طفلها، وعقل الدكتاتور في مسدسه، متوالية جميلة أحياناً، وأحياناً تبعث على الأسى والرعب .

كل ما أراده البطل العاشق جميل بثينة هو أن تعيد المرأة التي أحبها عقله إليه . بطل في حاجة إلى الرشد . بطل عاشق في حاجة إلى العيش بالعقل، كأنما يمكن العيش في الحب بلا عقل .

ولكن، أهو الجنون؟

لا، لم يكن ثمة من عاشق ذهب إلى الجنون بالمعنى المرضي المتداول اليوم في العيادة الطبية النفسية المعاصرة، بل، كان جنوناً شعرياً . جنون يفني العمر، بحسب ما يقول جميل بثينة انتظاراً إلى وعد، ولم يقل موعداً . . انتظاراً إلى عقل يعيش به الشاعر الذي ارتبط اسمه بامرأة وجعل يبلي الدهر ويعمل فيه كل عمل حتى جعله خرقة بالية فيما الدهر . . جديد .

أهو الجنون؟ لا بل هو الزمن، زمن العقل وزمن القلب . زمن البطولة الدهرية . بطولة الشاعر الذي يغطي دموعه بشعره، ثم يموت، أو لا يكلم الناس حتى يموت .

(3)

هل كان المتنبي بطلاً أم عاشقاً أم فارساً أم أنه كان حالماً، أم أن شعره كله منذ تلك الشعرة المحتقرة في مفرقه، هو بحث بطولي عن ذات أخرى تعادل ذاته الكبريائية الكبيرة التي وضعها أمام الزمن قائلاً:

أريد من زمني ذا أن يبلّغني

ما ليس يبلغه من نفسه الزمن؟

إذا أردت المتنبي عاشقاً يقول:

أحن إلى الكأس التي شربتْ بها

وأهوى لمثواها التراب وما ضمّا

بكيت عليها خيفة في حياتها

وذاق كلانا ثكل صاحبه قدْما

أتاها كتابي بعد يأس وترحة

فماتت سروراً بي فمت بها غمّا

لم تكن بطولة المتنبي إلا في حبه، وهو حب مخبأ . مرة ثانية حب الكتمان، الحب الذي يصنع بطولة، ولكنها في حالة المتنبي بطولة لا يريدها، فقد كان يريد دولة لا امرأة . كان يريد إمارة لا امرأة، فخانته نفسه الكبيرة .

وإذا كانت النفوس كباراً

تعبت في مرادها الأجسام

الشاعر الذي يعيش شعره بيننا وفينا حتى اليوم . الشاعر الذي لم ينفعه سيفه بل رفعه قلمه قد يكون حالماً وبطلاً وعاشقاً، لكنه في كل الأحوال لم يكن مجنوناً .

كان قلب المتنبي في عقله أو في رأسه، اختار بطولة متوحشة إن جازت العبارة، بطولته هو، البطولة التي ارتدّت عليه وقتلته لا بسيفه، ولكن، بلسانه .

أهناك بطولة متوحشة؟

. . في الشعر . . نعم

يقول الشاعر الفرنسي كلود روا المولود عام 1915:

في جوف قلبي

سلّمان كبيران من البلور

من أحدهما يصعد ألمي

ومن الآخر تنزل سعادتي .

إن أردت كقارئ هي صورة متوحشة، صورة شعرية معاصرة متوحشة، نجد ايضاً ما يقابلها في الشعر العربي، فما بكاء أو صمت قيس بن ذريح، ومجنون ليلى، وذلك الخبال الذي أصاب عقل جميل بثينة سوى توحش .

ألم يذهب قيس بن الملوح إلى الصحراء، وقد نفر وجفل من الشر وأخذ في الاستئناس إلى الوحش والحيوان، لكنه ظل في آدميته وفي كينونته الإنسانية التي حوّلها الحب إلى بطولة .

حب أراغون في زماننا هذا . الزمن الذي قفز مئات وآلاف السنوات إلى الأمام، ثم حب بابلو نيرودا، ثم عشق ناظم حكمت وغيرهم وغيرهم من شعراء النصف الأول من القرن العشرين، أليس حباً متوحشاً؟

أحياناً تتوحش البطولة، ويتوحش الحب، وكما لو أن الشعر والذات الشاعرة والذات التي تنطوي على نبل البطولة هي معاً التي تخفف التوحش، وتحوله إلى نشيد .

(4)

النشيد الأجمل هو الذي تجترحه أو تقوله أو تكتبه . . المرأة .

ما من امرأة إلا ووراءها عاشق أو بطل .

المرأة لا تصنع الكتابة، بل هي التي صنعت الحبر والورقة والطفل والقصيدة، وبهذا المعنى، يعود مفهوم البطولة إلى المرأة .

كان ذو الرمة، قبل أن تخلعه عليه امرأة، في طريقة إلى بادية أخرى أو بلدة أخرى عندما شعر بالعطش، فاقترب من خيمة في الصحراء، وهو الذي كان يضع لفافة من القماش على ساعده، لم يكن يلتفت إليها أبداً لولا تلك المرأة التي قدمت له الماء وقالت له:

اشرب يا ذا الرمة

أخذ الشاعر اسمه الجديد وبطولته الجديدة، وحول رحلته من البادية إلى البطولة .

خلف ذي الرمة امرأة .

اسم بثينة ارتبط بجميل . وعزة أعطت كثير اسمه المستعار، والمجنون الذي هام على وجهه في الصحراء كان يهذي باسم ليلى، وقيس بن ذريح الذي كره كل منظر غير منظر زوجته الطليقة أو المطلقة أخذ هو الآخر اسماً مستعاراً، أو، اسماً سرياً يعينه على إضمار حبه، ودفن هذا الحب في القلب .

اعطت المرأة اسمها للشاعر . اسقته الماء وهو تحت قيظ الصحراء، وانفصلت عنه كما ينفصل لحم الكتف عن العظم، وألهمته ذلك النشيد الحي حتى الآن، ودفعته من كتفيه إلى الصمت والكتمان والبطولة .

لم تكن امرأة الشاعر في حاجة إلى بطولة سوى بطولة ذاتها الشاعرة، ولكنها من بعيد، من قلب الحب ومن مرارة العلقم كانت أجمل وأكثر زهواً بقوتها الأنثوية والإنسانية وهي ترى رأي العين ورأي القلب أن قيس يكتب الشعر حد الجنون، ويتحول من عاشق إلى بطل .

(5)

قيس بن ذريح، قيس بن الملوح، ديك الجن الحمصي، ابن زيدون، كثير عزة، عمر ابن أبي ربيعة، جميل بثينة، ذو الرمة، وبعد قفزة زمنية طويلة، لوركا، أراغون، نيرودا، وصولاً إلى تخوم زماننا هذا الذي لا يوجد فيه لا أبطال ولا مجانين . . قد يسأل من يسأل أين الحب؟

أين أبطال الحب؟

أين شعراء الحب؟

زمن بلا شعراء وبلا عشاق، وبلا أبطال، زمن يمكث في العناية المركزة، يحتاج إلى العودة إلى الوراء لكي يرى دموع القيسيين المجانين، وأولئك الذين كان الشعر بالنسبة إليهم استكمالاً لبنيانهم النفسي والشخصي، وكانت المرأة قصيدة وليست مرآة، والكتابة وجعاً لأنها تجربة، والحب نشيداً لأنه ليس نزهة في اللغة .

الحب ليس لغة شعرية، لأنه في العمق بطولة .

الصمت بطولة .

الكتابة إذا كانت من القلب إلى القلب، ومن الذات إلى الذات هي بطولة أيضاً . الكتمان بطولة . والإظهار بطولة أيضاً .

زمن بلا ماضٍ، زمن يتيم .

زمن بلا فكرة وبلا صحو وبلا صورة وبلا لغة وبلا قلب وعقل وذاكرة ونقد، زمن يتيم .