الصحيفة عبارة عن كتاب وثيقة سياسية أمر بكتابته النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وينقسم إلى قسمين، قسم ينظم علاقة المسلمين بعضهم ببعض وقسم ينظم علاقة المسلمين كأمة باليهود كأمة. فكان بمثابة أول معاهدة مع اليهود تعقد في الإسلام رغم عدم توقيع يهود يثرب من بني قريظة والنضير وقينقاع الذين وقعوا فيما بعد صحفاً مثلها. وجاء في الصحيفة.
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا كتاب محمد النبي صلى الله عليه وسلم بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب، ومن تبعهم، فلحق بهم، وجاهد معهم. إنهم أمة واحدة من دون الناس، المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاملون بينهم، وهم يفدون عانيهم (أسيرهم) بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو عوف على ربعتهم (أي على أمرهم الذي كانوا عليه عند ظهور الإسلام)، يتعاقلون معاقلهم الأولى (أي الديات)، كل طائفة تفدي عليها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو ساعدة على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو جشم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو النجار يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو عمرو بن عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، كل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو النبيت على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو الأوس على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وإن المؤمنين لا يتركون مفرحاً (المثقل بالدين كثير العيال) بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل (الدية).
ولا يخالف مؤمن دونه، إن المؤمنين المتقين على من بغي منهم أو ابتغى دبيعة (عطية) ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين، وإن أيديهم عليه جميعهم ولو كان ولد أحدهم ولا يقتل مؤمن مؤمناً في كافر، ولا ينصر كافر على مؤمن، وإن ذمة الله واحدة يجير عليهم أدناهم، وإن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس، وإنه من تبعنا من يهود فإن له النصرة والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم، وإن سلم المؤمنين واحدة لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم. وإن كل غازية غزت معنا يعقب (يتناوب) بعضها بعضاً، وإن المؤمنين يبئ (يكف أو يمنع) بعضهم على بعض. بما نال دماءهم في سبيل الله، وإن المؤمنين المتقين على أحسن هدي وأقومه، وإنه لا يجير مشرك مالاً لقريش ولا نفساً ولا يحول دونه على مؤمن، وإنه من اعتبط (قتل بلا سبب) مؤمناً قتلاً عن بينة، فإنه قود به (قتل النفس بالنفس) إلا أن يرضي ولي المقتول، وإن المؤمنين عليه كافة، ولا يحل لهم إلا قيام عليه، وإنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة، وآمن بالله واليوم الآخر، أن ينصر محدثاً (مرتكب جناية) ولا يؤويه، وإنه من نصره أو آواه، فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صرف (التوبة)، ولا عدل (الفداء)، وإنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله عز وجل وإلى محمد صلى الله عليه وسلم وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم وأموالهم وأنفسهم إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ (لا يهلك) إلا نفسه وأهل بيته، وإن ليهود بني النجار وبني الحارث وبني ساعدة وبني جشم وبني الأوس وبني ثعلبة وجفنة وبني الشعيبة ما ليهود بني عوف، وإن بطانة يهود (اليهود من خارج يثرب) كأنفسهم، وإنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد صلى الله عليه وسلم، ولا ينحجز على ثأر جرح، وإنه من فتك فبنفسه فتك، وأهل بيته، إلا من ظلم، وإن الله على أبر هذا (أي يرضى به)، وإن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم، وإن بينهم النظر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وإن بينهم النصح والنصيحة، والبر دون الإثم، وإنه لم يأثم امرؤ بحليفه، وإن النصر للمظلوم، وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة، وإن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم، وإنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها. وإنه ما كان من أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده، فإن مرده إلى الله عز وجل، وإلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره وإنه لا تجار قريش ولا من نصرها، وإن بينهم النصر على من دهم يثرب، وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه فإنهم يصالحونه ويلبسونه، وإنهم إذا دعوا إلى مثل ذلك، فإن لهم على المؤمنين، إلا من حارب في الدين، على كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قبلهم، وإن يهود الأوس، مواليهم وأنفسهم، على مثل ما لأهل هذه الصحيفة، مع البر المحصن من أهل هذه الصحيفة، وإن البر دون الإثم، لا يكسب كاسب إلا على نفسه، وإن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره، وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم وآثم، وإنه من خرج آمن، ومن قعد آمن بالمدينة إلا من ظلم أو أثم، وإن الله جار لمن بر واتقى، ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تضامن المسلمين
فمن أجل توثيق وحدة المسلمين من المهاجرين والأنصار بعد مؤاخاتهم نظمت الصحيفة الصلات بينهم بعد أن جعلتهم أمة واحدة من دون الناس متجاهلة العصبية القبلية لتحل محلها رابطة الإسلام. ونظمت حق الأخذ بالثأر بعد أن حولته إلى مبدأ القصاص والعقاب تطبقه الجماعة بدلاً من الفرد، مما يعني تحريم الجريمة لأن أخطر ما يهدد هذه الأمة الجديدة هو نشوب الحروب الداخلية بين أفرادها. وجوهر الصحيفة تضامن المسلمين والمؤمنين أمام الخطر الخارجي الذي يهدد دولة يثرب سواء من قريش أو من يقف إلى جانبها. وقد تركت الصحيفة لله تعالى ولنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أمر فض النزاع والخلاف وكل ما يمكن أن يؤدي إلى بذر الشقاق بين المسلمين وخاصة من اليهود الذين عانى منهم الأنصار (الأوس والخزرج) الكثير قبل الهجرة النبوية الشريفة. فحددت الصحيفة بذلك القيادة والقائد.
وهكذا اعتبرت الصحيفة اليهود أمة، وتطرقت في القسم الثاني منها إلى تنظيم العلاقات بين المسلمين واليهود كأمتين مما جعلها أيضاً معاهدة سلم وحسن جوار.