لشهر رمضان المبارك في نفوس المغاربة مكانة كبرى لا يشغلها سواه من شهور السنة، ويمكن لأي مسلم يعيش في المغرب أن يلحظ مدى احتفاء الشعب المغربي بقدوم شهر رمضان المبارك، فما إن يتأكد دخول الشهر حتى تنطلق ألسنة أهل المغرب بالتهاني قائلين: عواشر مبروكة . فترى الناس يتبادلون الأدعية والمباركات بينهم سروراً بحلول الضيف الكريم الذي يغير حياة كثير من الناس، وكما هو المعهود فإن رمضان يعد فرصة عظيمة للتقارب وصلة الأرحام، حيث تطرق فضيلة صلة الرحم أبواب البيوت وتفتح القلوب بمحبة غير معهودة في بقية شهور السنة، ويتبادل الناس الزيارات في الأسبوع الأول من رمضان .

ويقول الدكتور ناصر وهدان، أستاذ الدراسات الإسلامية المساعد بجامعة قناة السويس، إن المغاربة يبدأون الاستعداد لاستقبال شهر الصوم في وقت مبكر، وذلك بالصيام في شهر شعبان الذي يبشرهم بهلال رمضان، وما إن يدخل شهر رمضان في المغرب حتى تنطلق الألسنة بالدعاء إلى الله أن يجعل الشهر الكريم بداية الخير ونقلة في حياة المرء، وطوال شهر رمضان تمتلئ المساجد بالمصلين من جميع الأعمار، وفي أيام الجمع لا يكاد المصلي يجد مكاناً له داخل المسجد، حيث تمتلئ جنبات الشارع بصفوف المصلين وتتوقف حركة السير في الشوارع القريبة من المساجد، وبعد صلاة العصر يجتمع المصلون لقراءة أجزاء القرآن بشكل جماعي كما جرت العادة في المغرب، وبعد صلاة الظهر تقام الدروس الدينية، حيث تمتلئ المساجد بالمصلين، لاسيما في صلاة التراويح وصلاة الجمعة . وتشرف وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية على ما يسمى الدروس الحسنية الرمضانية، وهي عبارة عن سلسلة من الدروس اليومية خلال أيام الشهر الكريم بحضور كوكبة من العلماء والدعاة .

كرم الضيافة

ويشير الدكتور ناصر وهدان إلى أن مائدة الإفطار لدى المغاربة تكون غنية، وتأتي في مقدمتها الشربة كما يسميها البعض فهي تأتي في مقدمة مكونات مائدة الإفطار، كما تعتبر الحريرة مشروباً رمضانياً رئيساً وهي عبارة عن مزيج من الخضر والتوابل والدقيق ويتم تقديمها في أوان خاصة تسمى الزلافة، وهي الآنية نفسها التي يقدم فيها الحليب والتمر، دليلاً على كرم الضيافة . وتختلف الحريرة حسب كل جهة من جهات المملكة المغربية، فهنا الحريرة الفاسية والحريرة الوجدية والحريرة المراكشية، إضافة إلى التمر والحليب والبيض، ووجبة الدجاج مع الزبيب .

ويضيف: إن المائدة المغربية عامرة بالحلويات التي تعد خصيصاً لشهر رمضان، فقبل حلول شهر رمضان بأيام تقوم ربات البيوت بتجهيز ما لذ وطاب من المأكولات أو الشهيوات، كما يفضل المغاربة تسميتها ومنها حلوى الشباكية التي تغطى بالعسل وتزين بالسمسم، وهي نوع من الحلويات بسيطة الصنع، والبغرير وهو نوع من الفطائر الرطبة السريعة التحضير، وكذلك السفوف وكعب الغزال . وبطبيعة الحال فإن وجود هذه الحلوى يختلف من أسرة إلى أخرى بحسب مستواها المعيشي . كما يختلف أيضاً من جهة إلى أخرى من جهات المملكة المغربية .

الطبال والنفار

وتقول المغربية مي أبو رحيم: ليالي رمضان عند المغاربة تتحول إلى نهار، فبعد أداء صلاة العشاء ومن ثم أداء صلاة التراويح، يسارع الناس إلى الاجتماع والالتقاء لتبادل أطراف الحديث . وهنا يبرز الشاي المغربي كأهم عنصر من العناصر التقليدية المتوارثة، حيث يحتل الأتاي كما يسميه المغاربة، مكانة رئيسة على موائد إفطار المغاربة، وهو مادة غذائية ضرورية، وموروث ثقافي أصيل لا يخلو منه أي بيت مغربي . كما تزدحم الشوارع في المغرب ليلاً بعد صلاتي العشاء والتراويح، حيث تجد المتاجر والأسواق تفتح أبوابها حتى الساعات الأولى من صباح اليوم التالي، وفي النهار تنام المدينة بأكملها حتى إنك تجد الشوارع خالية تماماً من المارة .

ومن التقاليد التي لا تزال المغرب تحافظ على حضورها في مثل هذه المناسبة الدينية شخصية الطبال أو النفار، فالأول شخص يستعمل طبلة والثاني يستعمل مزماراً طويلاً، يأتي منذ عشية الليلة الأولى لرمضان، لإخبار الناس بحلول الضيف المرحب به، ولكن بطرقه الخاصة، كما أن شخصية المسحراتي لاتزال ذات حضور وقبول، فعلى الرغم من وسائل الإيقاظ الحديثة لم تتأثر مكانة هذه الشخصية، التي لا تزال حاضرة في كل حي وكل زقاق، ويطوف المسحراتي بين البيوت قارعاً طبلته وقت السحور لإيقاظ الناس، ما يضفي على هذا الوقت طعماً مميزاً ومحبباً للنفوس . ومع قرب انقضاء أيام هذا الشهر الفضيل تختلط مشاعر الحزن بالفرح، الحزن بفراق هذه الأيام المباركة بما فيها من البركات ودلائل الخيرات، والفرح بقدوم أيام العيد السعيد، وبين هذه المشاعر المختلطة يظل لهذا الشهر أثره في النفوس والقلوب وقتاً طويلاً، ولابد أن تعد النساء المغربيات حلوى العيد، حيث يتسابقن إلى الفرن أو فران الحومة، ويكون الفرن الجماعي مملوءاً بالحلويات، ومن أهم حلويات المغرب المخصصة لعيد الفطر كعب غزال وغريبة الكاكاو والكعك المنقوش والمحشو باللوز، ويذهب الأطفال مع أمهاتهم فقط لشراء الملابس التقليدية للعيد وشراء الفواكه الجافة التي غالباً ما تشترى في عيد الفطر .