تحقيق: إيمان عبدالله
الحج مدرسة إيمانية، تلازمها طقوس شعبية وعادات وتقاليد تميز كل دولة عن الأخرى، وفي إماراتنا الحبيبة تتنوع تلك العادات في توديع الحجاج واستقبالهم، خاصة في الزمن الماضي الذي تميز بمشقة الوصول إلى السعودية في وقت لم تكن هناك وسائل النقل، ومع التطور أصبح الوصول أسهل، ولكن استمرت العادات الجميلة، بوضع إشارات على البيوت ليعلم أهل الحي بعودة الحاج، ويحرص الحاج بدوره على إحضار هدايا في أغلبها مرتبطة بالمناسبة، وهذه العادات تعمل على تقوية العلاقات الاجتماعية بين الناس، وأخرى فرضت نفسها تباعاً تكريماً للحجاج بعد أدائهم للركن الخامس، لتضفي الفرحة والسعادة لأهل البيت بحيث يصبح المنزل مسرحاً مفتوحاً .
أكد حارب العرياني "المدير العام لدائرة الأراضي والأملاك في عجمان" أن العائلات مازالت تمارس عاداتها المتوارثة بمجرد استقبال الحجاج الذين أدوا ركن الإسلام الخامس، وذلك بتزيين المنزل بأشكال متنوعة وأعلام مزينة وأضواء ملفتة لتهنئهم بالعودة إلى أرض الوطن .
ويقول: "تأدية فريضة الحج في السابق كانت تتسم بالكثير من المشقات والصعوبات، خاصة في الفترة التي كان يعتمد فيها الأشخاص على التنقلات البرية والبحرية، فيقضون الأيام والشهور من أجل الوصول إلى السعودية لإتمام مناسك الحج، وعودتهم بعد السفر الطويل كانت بمثابة الحياة الجديدة، فتعم الأفراح في الحي، وتوضع الأعلام كبشارة بوصول الحاج إلى منزله بالسلامة، وعند زيارة الحاج يقدم البعض الذبائح وآخرون التمر، ويحرص على جلب بعض الهدايا للأطفال كالألعاب، وللكبار مثل السبحة وسجادة الصلاة والكحفية، ويؤكد أن الاستعدادات لاستقبال حجاج بيت الله الحرام تظهر من خلال الزينة التي تنتشر على واجهات البيوت والجدران ترحيباً بعودة الحجاج" .
تقول د . خلود المنصوري "المستشارة التربوية": ما أجمل أن يحافظ مجتمع الامارات على قيمة الحج وأداء ركن الإسلام الخامس والاحتفاء بالحجاج عند ذهابهم وعودتهم سالمين . ورغم أن مظاهر الاحتفال بتوديع أو استقبال الحجاج طرأ عليها بعض من التغيير عن السابق، إلا أنني أحمد الله أن هناك الكثير من العائلات مازالت تحافظ على بعض هذه المظاهر، وأذكر في طفولتي في الستينات، كان الحجاج يجدون مشقة في أداء الفريضة، ومن كل "فريج" ربما يسافر فرد أو أسرة واحدة، فكان وداعهم يتخذ طقوساً جميلة، أتذكر أن الحاج يبدأ منذ نيته للحج بسداد ديونه والاعتذار وطلب الصفح من الآخرين كما يذهب لزيارة أرحامه وأقاربه ويودعهم وداع من لا يعود، وكان الأهل يوزعون صدقة (دفع البلاء) على الفقراء والمساكين بنية عودة الحاج سالماً معافى، وفي يوم السفر يودع كل أهل الفريج والأطفال الحجاج متمنين عودتهم، أما عن طقوس استقبال الحجاج فكانت تعادل فرحة العيد فأهل الحاج لا يفرحون كثيراً بعيد الحج إلا بعد عودة الحاج، فهنا تتم فرحتهم بالعيد، وكانت تعلق النشرة (العلم) على بيت الحاج العائد من السفر، فيستبشر أهالي الفريج بعودته سالماً، ويذهب الجميع للسلام عليه وأخذ صوغة الحج (هدية من الأراضي المقدسة)، والتي يحرص الحاج على أن يأتي بها وتكون في أغلبها مرتبطة بالمناسبة، وتذكر الناس بهذه الفريضة أو تربطهم بالحرمين الشريفين أو بالأراضي المقدسة، ولها معنى كبير عند مستقبلي الحاج وضيوفه وزواره، خاصة الأطفال . وأذكر الهدايا التي تلقيتها من الحجاج كالمراية وفيها قلب عليه صورة الكعبة المشرفة، ولعبة صغيرة تعتبر بمثابة سينما مصغرة تعرض صوراً عن مناسك الحج وماء زمزم كانت في علب صغيرة جميلة، وكان الحجاج يحرصون على إحضار الهدايا لكل أفراد الحي، والأهالي يعتزون بها فهي من الديار المقدسة، ومن الهدايا الأخرى التمر والحلوى والمسبحة وسجادة الصلاة ومصاحف صغيرة وأقمشة ودمى، وكانت تقام وليمة في بيت الحاج يحضرها الجميع .
وتشير د . خلود إلى أنه حتى اليوم مازالت بعض أسر الإمارات تحافظ على بعض التقاليد للاحتفال بعودة الحجاج كزيارة الحاج وتقديم هدية له، وتلقى الهدايا من الحاج، إلا أننا نجد في المقابل أن الكثيرين يذهبون للحج ويعودون ولا أحد يعلم ذلك، فلا نشرة على البيوت ولا مظاهر توديع، ولا صوغات الحج المتميزة .
وتضيف: "أعتقد أن السبب يعود إلى الخير والنعم التي رزقنا بها وأدت الى تيسير الحج للراغبين في أدائه، والكثير من الحجاج يؤدون الحج السريع فلا يغيبون كثيراً . كما أن وجود التقنية ووسائل التواصل الاجتماعي جعل الحاج يذهب ويعود بيسر ويكون على تواصل مع الأهل طوال فترة الحج، وأتمنى أن يبقى لدينا روح وجمال طقوس وداع واستقبال الحجاج فهي موروث جميل يجب الحفاظ عليه .
سعيد المناعي "مدير إدارة الأنشطة في نادي تراث الإمارات" أشار إلى أنه سابقاً كان يقضي الحجاج 25 يوماً في السعودية، ويصلون 40 فرضاً في المدينة، وكانوا يستمتعون بروح العبادة، ويقول: "السفر بالسيارات، بالتالي تطول الرحلة، ولها طقوس كثيرة، إذ يحرص من ينوي الحج على الذهاب إلى الأهل والأصدقاء والجيران للسلام عليهم وإرجاع الأمانات لأصحابها، فكأنه يسافر بلا عودة، من شدة مشقة الرحلة والتي تلازمها الروح الإيمانية العالية، وبمجرد عودة الحاج إلى موطنه، توضع "نشرة" على المنزل سواء علم أو قطعة خضراء اللون، والأطفال يتسابقون مع الزمن، ويتجولون في الفرجان من دون ارتداء "النعال"، ويذهبون إلى بيوت الأغنياء للحصول على الهدايا والتي تنوعت ما بين المسدسات مع الشرارة والكاميرا والبنات كانت هداياهن عن "أساور وسلاسل زينة"، أما الكبار فتمثلت هداياهم بالسجادة والغترة والمسواك وماء زمزم .
يشتاق محمد الحمادي "متقاعد" إلى الطقوس القديمة في توديع الحجاج واستقبالهم، ويقول: "سابقاً كانت تتزين البيوت بالأعلام التي توضع فوق السطح، وتجمع أهالي الحي في منزل الحاج وإقامة الولائم وتوزيع الهدايا، واليوم أصبحت مظاهر استقبال الحجاج أكثر تكلفاً، بإضافة مجموعة من إضاءة الزينة وعلم الدولة إعلاناً عن قدوم الحجاج، وتكون دليلاً لأهل المنطقة على وجود حاج في هذا البيت .
تشير مريم الفلاسي "ربة بيت" إلى أن عيد الأسر يبدأ برجوع الحجاج، لتصبح الفرحة فرحتين، وتستمر العزائم والولائم تكريماً للحاج من قبل الأهل والأقارب، وتقول: في السابق كانت الولائم تستمر لمدة 7 أيام لأهل الحي، واليوم أصبحت مقتصرة على الأقارب، وتوزيع بعض الهدايا على القادمين لمنزل الحاج، والتي تتمثل بالتمور وسجادة الصلاة وماء زمزم، فهذه العادات متوارثة، ونحرص على الحفاظ عليها لتبقى للأجيال القادمة .
وتضيف: "في وقتنا الحاضر أصبح الأبناء أكثر اهتماماً بتزيين المنزل بالعناصر الحديثة المتطورة كالإضاءات والمصابيح التي تكون على شكل نجوم، إضافة إلى تقديم الحلويات الفاخرة التي تشبه في تصميمها الكعبة المشرفة، ودعوة الأقارب للاحتفال بعودة الحاج، وتلك العادات تسهم فعلياً في تقوية العلاقات الاجتماعية بين الأهل" .
فاطمة المغني "الخبيرة في التراث والبحث الاجتماعي الإماراتي" تقول: "كان الأهالي في السابق يذهبون على الجمال والسفر يطول لأشهر عدة، وربما لا يعود بسبب مشقة السفر، فكانوا يودعون الحاج كأنه وداع لشخص لن يعود، ويلازمه دعاء ونحيب وذكر، والفرحة تعم "الفريج" بمجرد العودة، وكان آنذاك عدد الحجاج قليلاً نظراً لصعوبة السفر، وسفر امرأة للحج كان نادراً، وكان الحاج حريصاً على توديع الجميع وطلب السماح، وبعض الحجاج كانوا يحملون معهم بعض الأغذية الجافة ك "الجاشع"، وعند عودة الحجاج ترفع الأعلام على البيوت، عبارة عن قطعة قماش خضراء اللون، ويخرجون لاستقباله، ويتجمعون على مدخل منزله، وينثرون "النثور" عليه، وهي حلويات تخلط مع بعض أرواق الشجر والنقود، وتجهز الحلويات الشعبية .
وعن طقوس اليوم، تقول: "توضع الزينة وبعض الأضواء التي تعكس شكل الكعبة، إضافة إلى وضع علم الدولة، وتجهيز أفخم أنواع الحلويات، وتقام الولائم للحجاج ويتسابق الأهالي على ذلك، وعادة وضع العلم الأخضر "البنديرة" اختفت واستبدلت بوضع علم الإمارات، وتؤكد أن عودة الحجاج مازالت ترافقه مظاهر احتفالية من قبل الأهل والجيران، تعبيراً عن الفرحة بعودتهم سالمين غانمين إلى بلدهم وأهلهم .

ولائم العودة

حصبور بن كداش الرميثي "مستشار تراثي" أشار إلى أن طريقة استقبال الحجاج مازالت مشابهة للماضي، وتتمثل بتوزيع مياه زمزم على أفراد الأسرة والمسابح، وكاميرات الأطفال الصغيرة مع مجموعة من سجادات الصلاة .
ويقول: "أهل الإمارات كانوا يذهبون للسعودية في السابق على "الركاب"، فلم تكن هناك وسائل نقل، ويتسابق الأهالي بإقامة الولائم بمجرد عودة الحاج إلى دياره، إضافة إلى الزينة التي يوشح بها المنزل، واستقبالهم بالذكر والتكبير، وبرفع الأذان، وبدوره يحرص الحاج على جلب التمور وماء زمزم، والكثير من الهدايا التي تدخل البهجة إلى قلوب الصغار، ويشير إلى أنه في وقتنا الحالي يتسابق الأقارب إلى القيام بتقديم وليمة للحجاج، واستقبالهم بباقات الورود ويحرصون على أرشفة المناسبة بتصوير الحاج ولحظات وصوله .