تعد محمية الظليمة الواقعة على طريق الشارقة الذيد مثالاً على قدرة الإنسان في إعادة ما تم تدميره مهما كانت الأسباب . وبفضل جهود بلدية البطائح وهيئة البيئة والمحميات الطبيعية في الشارقة والتوجيهات والمتابعة من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، عادت محمية الظليمة إلى دورتها الطبيعية كما كانت عليه قبل عشرات السنين، وذلك بعد تسييجها وزرع الأشجار والنباتات فيها ومؤخراً إطلاق الحيوانات البرية المهددة بالانقراض . وهكذا عادت الظليمة إلى ما كانت عليه وأصبحت عنواناً لإحياء الروح في محميات أخرى قريباً في إمارة الشارقة .
زيارة محمية الظليمة المشهورة بأشجار الغاف تقودك إلى طريق الشارقة الذيد وقطع 35 كم من الشارقة باتجاه الشرق، تحديداً قبل الجسر 12 لمشاهدة تمازج الطبيعة مع المجهود الإنساني والحصول على لوحة طبيعية تسحر الناظر عبر ارتباطها مع ماضيها الذي يرويه لنا علي سالم بن رشيد، رئيس مجلس بلدي البطائح، من واقع ذكرياته مع محمية الظليمة قبل 50 سنة .
يقول: كانت محمية الظليمة سابقاً كثيفة الأشجار ومظلمة حتى في النهار، لذا جاءت تسميتها بالظليمة، ومن أشهر أشجارها الغاف والعصمة .
ومن الحيوانات التي كانت تعيش فيها النمور والظباء والذئاب والأرانب وغزال الريم (اللويحي) التي أخبرني والدي أنه شاهدها بنفسه، وكلها انقرضت، وبقي منها الثعالب وبعض الزواحف والجراد، بالإضافة إلى الثعابين . ويؤكد أنه شاهد فيها ثعابين كبيرة يزيد طولها على المترين، ومن الطيور يذكر القطا والصفارد .
وعن أسلوب حياتهم في الماضي، يقول: كنا نسكن بجوار المحمية ونعتمد عليها في موردنا ونتنقل إلى المناطق المحيطة بها لرعي الأغنام والجمال، وبجوارها (ربعة جري هراسة) التي كانت تتجمع فيها مياه الأمطار، جدي (سلطان) قد تم دفنه خلف المحمية .
ومع بداية التطور العمراني وإزالة المواشي وكثرة حركة الناس وقلة الأمطار منذ ،1973 يؤكد ابن رشيد أن الغطاء النباتي والحيوانات بدأت تقل . ويقول: المحمية الآن أصبحت تذكرني ببساطة الحياة سابقاً، بعدما ردّ إليها الروح مجدداً صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي .
ويشير حمد سالم علي بن حمودة، نائب رئيس مجلس بلدي البطائح، إلى أن وقوع محمية الظليمة على الطريق ما بين الشارقة والذيد، بخلاف المحميات الأخرى البعيدة عن الطريق المعبدة، أكسبها مكانة وشهرة أكبر لسهولة مشاهدة الأشجار والغطاء النباتي والحيوانات التي تعيش فيها، موضحاً أنهم بدأوا الاهتمام بالمحمية منذ افتتاح بلدية البطائح في 2005 ووضعوا اللوائح التي تحث السياح من زوار الظليمة على عدم إلحاق الأذى بالأشجار والنباتات وتوزيع أكياس القمامة عليهم للمحافظة عليها من التلوث . ويقول: أعلن صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي تحويل الظليمة إلى محمية طبيعية وافتتاحها في 7 مارس/ آذار 2007 وقام بتلك المناسبة بزرع شجرة غاف فيها، وقمنا من بعده بزراعة أشجار الغاف والسمر، وتم تسييج المحمية في ،2008 وحفرنا فيها بئراً وزرعت أشجار الغاف فيها وبعض النباتات، وفي الزيارة الأخيرة لسموه مؤخراً تم إطلاق الحيوانات في المحمية .
وبحسب ابن حمودة، فإن صاحب السمو حاكم الشارقة اختار الوقت المناسب لإطلاق الحيوانات، لأنه افتتحها وتركها أربع سنوات إلى أن يعود إليها نشاطها، ثم أطلق فيها بعض الحيوانات كنماذج أولية، ليتم تأقلمها مع المحمية . وبخصوص عمليات المتابعة المستمرة لخطة العمل، يقول ابن حمودة: لدينا فريق عمل متكامل للقيام بحماية المحمية، ونستفيد من خبرتنا لأننا أبناء البادية والصحراء .
وعن نتائج الاهتمام الملحوظ الذي تم بذله في سبيل إعادة المحية إلى دورتها الطبيعية كما كانت في السابق، يقول: لاحظنا بعد تسييج المحمية أن أشجارها بدأت بالنمو وتزايد عددها، وكلفنا القسم المسؤول عن الزراعة في البلدية بالمتابعة اليومية، ولاحظنا في فترة ما أن بعض الأشجار تتعرض لخطر الموت، لذلك قمنا بعملية تقليمها ونجحنا في ذلك .
ويصف عبيد سعيد الطنيجي، مدير بلدية البطائح، حال المحمية قبل وبعد بدء الاهتمام بها قائلاً: كانت المحمية عرضة للرعي الجائر والعبث من قِبَل السياح على مدار الأسبوع، وكانوا يتركون وراءهم مخلفاتهم واستخدم الناس أوراق وأغصان الغاف للأكل، وبعد تسييجها بأمر من صاحب السمو حاكم الشارقة، عادت الأشجار إلى ما كانت عليه سابقاً، وقمنا بحفر بئر فيها لسقاية الأشجار وتعويضها عن مياه الأمطار القليلة، ولأن أشجار الغاف لا تنبت من تلقاء نفسها، بسبب الجفاف والرعي، لذلك لا بدّ من حمايتها من الحيوانات السائبة التي تلحق الأذى بها .
وبخصوص سير خطة العمل، يقول الطنيجي: نقوم بالتنسيق مع هيئة البيئة والمحميات الطبيعية في الشارقة، لاستمرار خطة العمل في تطوير وتوسيع رقعة المحمية والأشجار والنباتات والحيوانات الموجودة فيها، ونكمل بعضنا بعضاً من حيث إعداد الخطط وتطبيقها على أرض الواقع، ومن الأنشطة المرادفة لتعاوننا مشاركة الأطفال بإشراف الهيئة في زراعة الأشجار وتشجيعهم على التمتع بثقافة بيئية سليمة وأهمية الزراعة والأشجار القديمة الموجودة في المنطقة .
ومن المبادرات التي يقومون بها في سبيل حماية البيئة بشكل عام يقول الطنيجي: نعمل باستمرار على سدّ أي فراغ وعلاج السلبيات التي نجدها في طريقنا، وعندما نجد عروق أشجار الغاف نقوم بدفنها كي لا تموت، ويزداد الأمر خصوصية مع الأشجار المعمرة التي يصل عمر بعضها إلى مئة سنة، والشجرة بحاجة إلى الإنسان، ليمد لها يده عندما تكون بحاجة إليه ويبعد عنها يده عندما تتضرر من ذلك .
ويوضح ناصر محمد بن دلوان، عضو مجلس بلدي البطائح ورئيس لجنة البيئة، أن أهالي المنطقة سابقاً كانوا يطلقون تسمية الجزعة على مجموعة أشجار الغاف، ومن هنا جاءت تسمية محمية الظليمة سابقاً بجزعة الظليمة، التي كانت تتميز بالأرض المسطحة ومرت خلال حياتها بثلاث مراحل، الأولى المشبعة بمياه الأمطار وكثرة أشجار الغاف، والثانية زيادة الرعي والقحط، والأخيرة تسييج المنطقة ونثر بذور بعض النباتات وزراعة بعض الأشجار فيها، وحماية الأشجار القديمة وإطلاق حيوانات المنطقة الأصيلة فيها .
ويؤكد بن دلوان أن المنطقة عامة كانت تشتهر بالأمطار وفيها القليل من أشجار الغاف الكثيفة، ويقول: كانت المواشي تأكل أوراق الشجر المتدلية إلى الأسفل، لذا نجد أغصان أشجار البر عالية بسبب الرعي، بعكس أشجار المدن المتدلية إلى الأسفل، وبحسب ما يرويه لنا الآباء والأجداد، فإن حال المحمية أفضل بكثير مما كانت عليه منذ سنوات، لأنها تحولت إلى بيئة حاضنة للأشجار والنباتات والحيوانات المهددة بالانقراض، التي تحولت من فكرة إلى دعم فعلي عندما طلب من المجلس البلدي تسييج المحمية .
وللتوسع أكثر في طبيعة أشجار الغاف التي تشتهر بها المحمية، يقول المهندس رائف حماد، رئيس القسم الهندسي في البلدية: قامت البلدية بتكثيف زراعة الغاف وزودنا المحمية بخزانات ومشارب المياه للحيوانات، ونقوم بحماية السياج من العبث بها، ويوجد في المحمية نحو 1500 إلى 2000 شجرة غاف، ومساحتها الحالية 966 ألف متر مربع، وهناك توجه بتوسيع مساحة المحمية .
وتؤكد هنا السويدي، رئيسة هيئة البيئة والمحميات الطبيعية في الشارقة، أن الظليمة من المحميات المهمة، لتميزها بنظام بيئي للكثبان الرملية ولاحتوائها على أكبر مجموعة غاف موجودة في المنطقة تقريباً، إذ إنها كانت تمتد من الذيد إلى الشارقة، وأدى التدمير البيئي والقطع إلى تقلصها، لذا جاءت توجيهات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي في 2008 بتسييجها لحمايتها . وتقول: بموجب توجيهات سموه، تم حصر النباتات الموجودة في المحمية، وبعد ثلاث سنوات تقريباً أجرينا دراسة ثانية ولاحظنا نمو النباتات من جديد، وقبل سنتين تقريباً تمت زراعة بعض أشجار الغاف وجمعنا بعض البذور البرية لشجر الرمث ونباتات حولية والأرطا من المناطق أخرى ونثرناها في المحمية وهو ما أعطاها تنوعاً، وعلى الرغم من غزارتها لم تسعف تلك البذور الأمطار الصيفية لنموها، ونأمل بأن تكون السنة القادمة موسم أمطار وأن تنمو فيها مجدداً .
وعن سير خطة العمل، تقول السويدي: في ورشة العمل الدولية في مركز الإكثار في هيئة البيئة والمحميات الطبيعية في الشارقة في السنة الماضية التي حضرها نحو 70 خبيراً من مختلف دول العالم لدراسة خطط عمل المحميات تبين أن الحيوانات يجب ألا تكون حبيسة الأقفاص في مركز الإكثار، بل يجب إعادة توطينها في مناطقها الأصلية . وبحسب توجيهات صاحب السمو حاكم الشارقة، بدأنا وضع أولويات وخطة العمل، ووجدنا أن الظليمة هي المحمية الجاهزة لإطلاق بعض الحيوانات البرية فيها، ولأنها كانت مستوطنة فيها قبل 80 سنة تقريباً، فإن إعادة توطينها يشجع الناس الموجودين فيها على حماية تلك الحيوانات والدفاع عنها والتقليل من رعي الأغنام باعتبارها منطقة (عزب) عبر إدراج سكان المنطقة الأصليين في حملات التوعية، وتم إطلاقها في افتتاح ورشة العمل الدولية 2012 بوجود ما يقارب 120 خبيراً .
وتعد السويدي إطلاق الحيوانات في محمية الظليمة تنفيذاً للوعد الذي أطلقه صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي في السنة الماضية وتم تنفيذه مع ابتداء الورشة في 6 فبراير/ شباط الجاري التي كانت تطبيقاً لأمنية سموه التي كانت تراوده أكثر من 30 سنة لإعادة التوازن البيئي في منطقة معينة . وتقول: تحقق حلم سموه في هذه الورشة بوجود الخبراء، الذين انبهروا بالمكان وبالتنوع الخضري فيه، وبإطلاق أكثر من عشرة أنواع من الحيوانات فيها دفعة واحدة .
وتوضح السويدي أن الحيوانات التي تم إطلاقها تنتمي لسلسلة غذائية كاملة، وتقول: حالياً لا نفكر بزيادة العدد، كي لا نسهم في الرعي الجائر وتهديد الغطاء النباتي في المحمية، ولا مانع من أن تتكاثر وتتزايد، ومن تلك الحيوانات التي قمنا بإكثارها لدينا في هيئة البيئة والمحميات الطبيعية في الشارقة، ثلاثة من غزلان المها وسبعة من غزلان الريم من أعمار صغيرة، كي تتمكن من التكيف مع بيئتها الجديدة ودراسة سلوكها عبر كاميرات المراقبة، لإعداد المعلومات عنها بموجبها وتوفير ما يلزمها وطريقة تعاملها، لأنها عاشت في أقفاص سابقاً، إضافة إلى جربيل تشيسمان وجرذ سونديفال وسمكة الرمل والقنفذ الآسيوي والقوارض والسحالي والأرانب والزواحف ونوع من العقارب وبعض أفاعي الرمل (حية الرمل) غير السامة، علماً أن زيادة عددها تعد من أهم التحديات التي تواجهنا، لمراقبتها ورعايتها كلها .
وتؤكد هنا السويدي سعيهم لتأهيل المنطقة ودراستها وتعميم فكرة منع الصيد، عبر استمرارهم في وضع برنامج التوعية واللوحات الإرشادية ومنع دخول أحد إلى المحمية حالياً، لأنه قد يؤدي إلى تغيير سلوك الحيوانات لحساسيتها، موضحة أنه من الخطط المستقبلية توسيع المحمية 6 كيلومترات مربعة إلى الخلف .
وتشير السويدي إلى نقطة غاية في الأهمية حسب وصفها بقولها: بالنسبة للسياحة البيئية، فإنها مهمة جداً بالنسبة إلينا، لأنها تساهم في نمو حركة الاقتصاد، لذلك نسعى أن تصبح المحميات ركيزة سياحية، وقريباً ستكون لدينا محمية الغيل في الحفية في خور كلباء، وهي المشروع الثاني، وسنطلق فيها الحيوانات في إبريل/ نيسان، وهو أكبر مشروع سياحي بيئي في الساحل الشرقي، يشترك فيه هيئة للاستثمار والتطوير (شروق) وهيئة البيئة والمحميات الطبيعية في الشارقة . والمشروع الثالث محمية واسط، التي كانت مكب نفايات وتحولت إلى محمية جميلة، ويتم حالياً إعداد مركز تعلم فيها بدأنا به منذ ،2005 إضافة إلى مشروع صير بونعير في السنة المقبلة .