عيد سعيد، وتقبل الله صيامكم وقيامكم، وغفر لكم ولوالديكم، وكنتم من زمرة المعتوقة رقابهم من النار في خواتيم شهر رمضان، وجمعنا الله وإياكم في رمضان القادم، وإن لم، فليحسن الله خاتمتنا جميعا.
في هذا العيد اتفق الكثيرون أنه لو لم يكن العيد عبادة واستكمال عبادة لأغلقت أبواب البيوت على أحزانها الكبيرة الكثيرة، في البيوت التي قمت بطرق أبوابها لأداء واجب المعايدة والتهنئة والتبريكات، فتحت أبوابها لاستقبالنا، وغلقت قلوبها على أحزانها، ورغم أن الحزن مشترك فيما بيننا وبينهم إلا أن أصحاب الحزن كانوا أشد منا صلابة، وأكثر إيمانا واحتسابا بقضاء الله وقدره، كانت الابتسامة ترسم على الوجوه، وجوه تعلمك الصبر والاحتساب، وتعلمك الرضا بالقضاء والقدر، وتدربك على تقبل الأحداث بكل شدتها بإيمان وصبر.
عدت ذلك المساء في أول أيام العيد من جولتي، بعد أن مررت على الأهل والأرحام، وكانت الجملة الوحيدة التي يضج بها رأسي كم هي حزينة هذه البيوت، رغم الابتسامات التي رسمت، ورغم كلمات الترحيب وفرحة الاستقبال، بقي الحزن متسيدا على الجميع، وكأن الشارقة حدود المدينة التي أعرف أهلها لم يسلم بيت من غائب، بنات فجعن بغياب أم، وزوجة ترملت بفراق الشريك، وأم كلمت بخطف ولدها، لم يكن الموت هو بفجاءته ومفاجآته وإنما كان بطرق الموت ذاتها، نعم تعددت الأسباب والموت واحد، وكما نردد دائما تقدم يا موت، قال الموت تقدم يا سبب، ولم تشبه موتة صاحبتها، إنما كان الشبه بالرحيل والغياب، وذرى التراب، والفراغ الذي يتركه الراحل وراءه.
هو الموت والميلاد.. الحقيقتان الوحيدتان اللتان لا تتغيران، ولا زلت أقول إن العيد عبادة ولا بد من ممارستها، زميلاتي من دول عربية مختلفة كن يتساءلن هل نستقبل المهنئين بالعيد إن كان لدينا حالة وفاة ووافق هذا أول عيد لغيابهم، آخر حالة وفاة لقريب مرت علينا كانت في شهر يونيو/ حزيران الماضي، فهل يمكن أن يتوقف أحدنا عن معايشة الأحداث والمناسبات السعيدة لوفاة مضى عليها أكثر من شهرين، فوجئت أنه يحدث في بعض الدول العربية جهل بسبب المعتقدات الاجتماعية ليس إلا، هذا ليس من الدين، نعم يبقى الحزن في القلب، لكن لا تتوقف الحياة لموت أحد، ففي اليوم الذي مات إبراهيم ولد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كسفت الشمس، فظن بعض الناس أنها كسفت لموته، فقال صلى الله عليه وسلم قولته العظيمة إن العين لتدمع وإنّ القلب ليحزن وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون ولا نقول إلا ما يرضي ربّنا. وأخبرهم أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا تنكسفان لموت أحد ولا لحياته، وإنما يرسلهما الله لتخويف عباده وتذكيرهم وتحذيرهم. فهل هناك أعز وأغلى من ولد نبي هذه الأمة.
ككل قلب محزون أحزن، وككل قلب مكلوم أبكي، لكن الفرق بين المتعلم والجاهل ولا أعني علم المدارس والجامعات وإنما العلم الصحيح بالدين وبمعتقداته وعباداته، أو الجهل به، هو الذي يحكم مشاعرنا ومدى تقبلنا للمصاب، ولا أزيد على الحقيقة المرة في أننا جميعا نسعى للبحث والتعلم ومن خلال جميع مصادر التعلم عن علوم الحياة، أما علوم الدين فإننا نحيلها إلى ذوي الاختصاص ولا نحاول حتى أن نعرفها منهم.
قد يكون هذا العيد سعيدا على الكثيرين لكنه لم يكن كذلك على الأكثر، وخلال قراءتكم لهذه الكلمات سيمر عليكم الأهل والأحباء والأصدقاء في شريط سريع بكل ذكرياتهم الجميلة ولحظاتك السعيدة معهم، ولا أستثني نفسي عنكم، فمن أول حرف كتبته في هذه المقالة وأنا يتراءى لي وجه أبي، بضحكته ومشاكسته وذكرياته الجميلة، وبطيبته وحنيته ودفئه، وبرائحة دخان سجائره وعطره. ثاني أيام العيد تناولت عطر ورششته حولي وتوقفت وشعرت بوجود أبي من حولي فقد كان عطره المفضل ، والدي غيبه الموت منذ ثلاثين عاما، لكن كأنه غادر هذه اللحظة، هم لا يغادروننا يعيشون بيننا يحضرون وإن غيبهم الزمن.
لابد أن نعيش سعادة العيد والأيام فهذا أكثر ما يسعد أحباءنا، لا بد أن نعيش العيد لأنه عبادة واستكمال لعبادة، لذا يجب أن تستمر الحياة، إنهم وإن غادروا هذه الحياة، يترك بعضهم أثرا ليس فقط بين أهله وإنما في جميع أنحاء المعمورة، واسألوا عن رحيل حمده، سأخبركم عنه الأسبوع المقبل.