مكان حدث فيه الكثير من معجزات نبي الله موسى عليه السلام منها عيون الماء التي تفجرت من الصخور بضربة من عصاه، حيث أوحى الله له أن يضرب بعصاه الحجر بعد أن طلب منه قومه الماء، فانفجرت اثنتا عشرة عيناً، وذهبت أراء كثيرة في ماهية هذه العيون وأين كان مكانها وقت تفجرها؟ وأين هي الآن؟! وهل مازال الماء يتفجر منها أم جفت؟ وهل كانت معجزة في وقتها وانتهت بانتهاء سببها؟ أسئلة كثيرة اجتهد العلماء والمفسرون في الإجابة عنها، كان أقربها أن هذه العيون تقع في سيناء على بعد 15 كيلو متراً شرق السويس، وتحديداً على الضفة الشرقية من خليج السويس، في منطقة تعرف اليوم باسم "عيون موسى"، وقد أهملت هذه المنطقة وتعرضت آبار "عيون موسى" الأثرية إلى جفاف 5 منها، فيما سكنت الطحالب وأشجار البوص بقية الآبار ال7 إلى أن انتبهت لها وزارة الثقافة المصرية فقررت البدء في إحيائها، وتحويلها إلى مزار سياحي، نظراً لأهميتها التاريخية والدينية، بعد أن تعرضت للتدمير على أيدي قوات الاحتلال "الإسرائيلي" لسيناء بعد العام 1967 .
12 عيناً بضربة عصا
قال تعالى: "وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً . ." (سورة البقرة آية 60) .
قوم موسى هم بنو إسرائيل الذين قضى الله عليهم التيه وظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى، وجعل لهم ثياباً لا تبلى ولا تتسخ، وأنعم عليهم من فضله وكرمه وأعطاهم ما لم يعط أحداً، وبرغم ذلك عصوا وفسقوا وسعوا في الأرض فساداً، وكانت فيهم هذه المعجزة وهي تفجر الصخور بالماء ليشربوا بعد عطش كاد يهلكهم، يذكر الطبري في تفسيره لهذه الآية عن ابن عباس، قال: "جعل بين ظهرانيهم حجراً مربعاً، وأمر موسى فضرب بعصاه الحجر، فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً في كل ناحية منه ثلاث عيون، لكل سبط عين، لا يرتحلون خطوة إلا وجدوا ذلك الحجر معهم بالمكان الذي كان به معهم في المنزل الأول" وفي هذا الكلام خلاف سنذكره وقيل لهم: "كلوا واشربوا من رزق الله" وهذا أمر من الله جل ثناؤه بأكل ما رزقهم في التيه من المن والسلوى، وبشرب ما فجر لهم من الماء من الحجر الذي لا قرار له في الأرض، ولا سبيل إليه إلا لمالكيه، يتدفق بعيون الماء العذب بقدرة ذي الجلال والإكرام، ثم تقدم جل ذكره إليهم مع إباحته لهم ما أباح، وإنعامه بما أنعم به عليهم من العيش الآمن، ونهاهم عن "السعي في الأرض فساداً واستكباراً" .
وفي تفسير هذه الآية آراء كثيرة، فقيل إنه حجر في جبل الطور بسيناء مصر، وقول آخر لم يحدد للحجر مكاناً بعينه وأنه كان يجف بعد أن يتركوه، وفي تفسير "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي قال: "إن العين: هي الثقب في المزادة، والعَين من الماء مشبهة بالعين من الحيوان لخروج الماء منها كخروج الدمع من عين الحيوان"، وقيل: لما كانت عين الحيوان أشرف ما فيه شبهت به عين الماء لأنها أشرف ما في الأرض، لما استسقى موسى عليه السلام لقومه أمر أن يضرب عند استسقائه بعصاه حجراً قيل مربعاً طورياً من الطور على قدر رأس الشاة ويرحل به، فإذا نزلوا وضع في وسط محلتهم، وذكر أنهم لم يكونوا يحملون الحجر لكنهم كانوا يجدونه في كل مرحلة في منزلته من المرحلة الأولى، وهذا أعظم في الآية والإعجاز، وقيل: إنه أطلق له اسم الحجر ليضرب موسى أي حجر شاء وهذا أبلغ في الإعجاز، وقيل: إن الله تعالى أمره أن يضرب حجراً بعينه بينه لموسى عليه السلام ولذلك ذكر بلفظ التعريف، قال سعيد بن جبير: هو الحجر الذي وضع عليه موسى ثوبه لما اغتسل وفر بثوبه حتى برأه الله مما رماه به قومه، وقال ابن عطية: ولا خلاف أنه كان حجراً منفصلاً مربعاً تطرد من كل جهة ثلاث عيون إذا ضربه موسى وإذا استغنوا عن الماء ورحلوا جفت العيون .
شهرة تاريخية
وقد ذاعت شهرة عيون موسى التاريخية منذ العصور القديمة، إذ كانت في العصور الوسطى منطقة للحجر الصحي للحجاج القادمين من الأراضي الحجازية قبل الدخول إلى السويس والقاهرة، وتضم المنطقة آثاراً نادرة ترجع إلى عصور مختلفة، والحفريات التي جرت بها أخيراً كشفت عن 6 آبار أثرية ترجع إلى العصر الروماني، إضافة إلى قنوات للري تم تشييدها من الأواني الفخارية، وأفران مشيدة بالطوب الأحمر تعود إلى العصر نفسه، وعيون موسى تتميز مياهها العذبة بتوافر بعض الأملاح المعدنية التي لها صفات علاجية خاصة، كأملاح الصوديوم والماغنسيوم التي تلعب دوراً كبيراً في علاج أمراض الكلى والجهاز البولي، وذكر ابن خلدون في كتابه "العبر وديوان المبتدأ والخبر" أن موسى عليه السلام كان يقرع لهم أقرب حجر فتنفجر منه عيون، فتهامسوا بينهم قائلين إن فقد موسى عصاه متنا عطشاً، فأوحى الله إليه بأن يكلم الحجارة فتعطيه، فقالوا: كيف بنا إذا رحلنا إلى أرض ليس فيها حجارة؟ فأمر الله موسى أن يحمل معه حجراً فحيثما نزل ألقاه! إلخ . . وهذا من الخرافات التي ليس لها أصل عند اليهود ولا عند المسلمين واستدل بذلك على أن بني إسرائيل كانوا ألوفاً فكيف يشرب مئات الألوف من حجر صغير يحمل؟! والله أعلم .