كتب: أمير السني

الصداقة الحقيقية باعثها خلق رفيع يلمسه الشخص في نفس صاحبه، فيعجبه ويقع في نفسه حبه ويتخذه صديقاً يدله على كل خير وينأى به عن كل شر.. ينصحه فيؤثر فيه ويتأثر به فيغدو شخصاً مختلفاً عما كانت عليه طباعه السابقة، وهي الفضيلة الكبرى التي ينشدها الإنسان في كل زمان ومكان، وسمات الصداقة مشاعر إنسانية رفيعة هي أطهر من أن تكون لها شروط وقيود تدل عليها حتى إنه إذا ما فقد بعضها سقطت واسطة العقد، إنها فضيلة الصدق الحقيقي النابع من صدق القلب واللسان والمشاعر والمواقف، وصدق الإخاء الذي به يحفظ المرء ود صديقه في حضوره وغيبته، وهذه تضحية فالصديق الحقيقي لا يبخل على صديقه بالتضحية من أجله ولا يبالي بما قد يجد لأن الصداقة في معناها النفسي العميق هي التوحد الذي يجعل الصديقين يبدوان وكأنهما شخص واحد، كما أنها علاقة حب واحترام متبادلين؛ فالحب والاحترام قرينان إن فقد أحدها فقد الآخر رونقه وقيمته، والصديق الحقيقي مرآة لصاحبه يرى فيها نفسه، ومن خلالها يبصر عيوبه ويقومها بما ينبغي أن تكون عليه.. يسدد خطاه ويدله على كل خير وينهاه ويبعده عن كل سوء.. كذلك هي الصداقة فهي النصيحة وهي الموعظة وهي النقد البناء، لا تلك التي تقوم على قشور العلاقة فلا تجني ثمراً ولا تنبت زرعاً.
بهذه القيم نشأت صداقة بين عاملين آسيويين أحدهما يعمل فنياً والآخر عامل بناء التقيا في مسكن جماعي وتطورت العلاقة بينهما وأصبح كل شخص يبوح للآخر بأسراره وحكاياته، واستمرت العلاقة بينهما أكثر من عامين وهما يخرجان معاً ويقضيان أوقات الإجازة في النزهة وتبادل الأحاديث والضحكات، ولم يفترقا يوماً واحداً، وإذا مرض أحدهما تولاه زميله بالعناية والرعاية ومتابعة علاجاته والذهاب معه إلى المستشفى ومساعدته في حال نقص المال لشراء حاجة يريدها، واستمرت العلاقة هكذا بلا توتر.
وفي يوم من الأيام تحدث الفني مع صديقه عن موقف حدث له أثناء العمل مع رئيسه، فبدأ صديقه في نصحه وقال له: لقد أخطأت في الحديث بهذه الطريقة مع رئيسك ويجب عليك أن تعتذر له، لكن الفني اعتبر نصيحة صديقه الذي يحبه ويخاف عليه إهانة له وبدت على وجهه علامات الغضب وقال له: كان عليك أن تساندني بدلاً من أن تخطِّئني، وبدأ صياحه يعلو في المسكن حتى إن صديقه دهش من ردة فعله الغاضبة وقال له: نصيحتي قلتها لك لأنني حرصت على ألا تفقد وظيفتك، ولم أتوقع منك كل هذا الغضب، وهكذا تخاصم الصديقان أياماً عدة، حيث كان كل منهما يفكر بطريقته، فقد اعتبر الفني نصيحة صديقه إهانة له بينما ظل صديقه العامل يفكر مراراً وتكراراً حتى وصل إلى نتيجة وهي أن صديقه الفني شخص أحمق على الرغم من أن هذه السمة لم تظهر طوال فترة صداقتهما.
تصالح الصديقان وبالرغم من عودة المياه إلى مجاريها بينهما كشف الموقف الأخير بينهما حقيقة الفني الذي صار لا يتقبل الحقيقة ولا يعترف بالخطأ، واستمرت الصداقة عادية بينهما يخرجان ويعودان ويأكلان ويشربان معاً، لكن المواقف تكررت بينهما فالعامل يصحح الفني إذا أخطأ والفني لا يقبل ذلك وتبدأ المشاحنة بينهما ثم يعودان إلى طبيعتهما إلا أن الفني يظل الغضب على وجهه ولا يغلق الباب في وجه الشيطان، وتراوده الوساوس بأن صديقه انتصر عليه في النقاش وأصبحت هذه الحالة النفسية نقطة ضعف الفني فهو لا يستطيع أن يتمالك أعصابه ويتحول صديقه بين عشية وضحاها إلى عدوه اللدود بمجرد أن يوجه إليه نصيحة.
وفي يوم من الأيام ذهب الصديقان برفقة زملائهما في المسكن ليتناولوا العشاء، وحدثت مشادة كلامية بين الفني وصاحب المطعم انتهت بطرد الجميع من المطعم، وبدأ صديقه يلومه على فعلته التي حرمتهم من العشاء، فاستشاط الفني غضباً وتعارك مع صديقه حتى طرحه أرضاً وحاول بقية زملائه منعه وتهدئته ولم يستطيعوا سوى إبعاده عنه لكنه توعد صديقه العامل بأنه سيقتله لأنه - كما يرى - دائماً يلومه ولا يقف بجانبه، ولم تمر تلك الليلة بسلام، فقد تملك الفني الغضب من صديقه العامل، وظل الشيطان يوسوس له بأن صديقه لابد من أن يموت حتى يرتاح باله، وبات يفكر طوال الليل كيف ينتقم من صديقه.
في صباح اليوم التالي جلس عامل البناء مع شخص آخر أمام البناية التي يسكنان فيها ورأى صديقه الفني ذلك المنظر، واعتبرها فرصة للانتقام فصعد إلى سطح البناية وأخد حجر طابوق كبير الحجم ورماه على صديقه الذي لم يتحمل قوة الرمية وثقل الطابوق وتوفي في الحال قبل أن يتم نقله إلى المستشفى، وألقي القبض على الفني، وأصدرت المحكمة بحقه حكماً بالسجن المؤبد وإبعاده من البلاد بعد قضاء العقوبة.