من المؤسف أن كثيرا من الأحاديث المتعلقة بآخر الزمان أو ما يسمى أحاديث الفتن وأشراط الساعة يفهمها بعض الناس فهما يوحي باليأس من كل عمل للإصلاح والتغيير.
ولا يتصور أن يدعو الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الأمة إلى اليأس والقنوط، وترك الفساد يستشري في الناس، والمنكرات تنخر في عظام المجتمع، دون أن يصنع الناس شيئا، يقوم ما اعوج، أو يصلح ما فسد.
وكيف يتصور ذلك وهو صلى الله عليه وسلم يأمر بالعمل لعمارة الأرض، إلى أن تلفظ الحياة آخر أنفاسها، كما يتضح ذلك من الحديث الشريف: إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا تقوم أي الساعة حتى يغرسها، فليغرسها.
ومعنى هذا أنه لن يأكل من ثمر هذا الغرس ولا أحد من بعده، مادامت الساعة قد قامت أو توشك أن تقوم.
فإذا كان هذا مطلوبا في أمر الدنيا، فأمر الدين أعظم وأجل، ولابد من العمل من أجله إلى آخر رمق في هذه الحياة.
أما معنى كلمة غريبا فالمتبادر أنها من الغربة لا من الغرابة بدليل آخر الحديث فطوبى للغرباء فالغرباء هنا جمع غريب والمراد به المتصف بالغربة لا الغرابة.
وإنما كانت غربتهم من غربة الإسلام الذي يؤمنون به ويدعون إليه، وهذا هو المعنى المفهوم من كلمة غريب في أكثر من حديث مثل كن في الدنيا كأنك غريب.
كما جاءت جملة أحاديث وروايات فيها زيادات في هذا الحديث، في وصف الغرباء مما يؤكد أن المقصود هو الغربة لا الغرابة.
هذا إلى أن الواقع اليوم وفي عصور خلت، يدل على غربة الإسلام في دياره ذاتها، وبين أهله أنفسهم، حتى أن من يدعو إلى الإسلام الحق يعاني الاضطهاد والتنكيل، أو الشنق أو الاغتيال.
ولكن هل هذه الغربة عامة وشاملة ودائمة أم هي غربة جزئية ومؤقتة؟ فقد تكون في بلد دون آخر وفي زمن دون آخر، وبين قوم دون غيرهم؟
والذي أراه أن الحديث يتحدث عن دورات أو موجات تأتي وتذهب، وأن الإسلام يعرض له ما يعرض لكل الدعوات والرسالات من القوة والضعف، والامتداد والانكماش، والازدهار والذبول، وفق سنن الله التي لا تتبدل. فهو كغيره خاضع لهذه السنن الإلهية، التي لا تعامل الناس بوجهين، ولا تكيل لهم بمكيالين، فما يجري على الأديان والمذاهب يجري على الإسلام، وما يجري على سائر الأمم يجري على أمة الإسلام.
فالحديث ينبئ عن ضعف الإسلام في فترة من الفترات، ودورة من الدورات ولكنه سرعان ما ينهض من عثرته، ويقوم من كبوته ويخرج من غربته، كما فعل حين بدأ.
فقد بدأ غريبا، ولكنه لم يستمر غريبا، لقد كان ضعيفا ثم قويا، مستخفيا ثم ظهر، محدودا ثم انتشر، مضطهدا ثم انتصر.
وسيعود غريبا كما بدأ، ضعيفا ليقوى ثم يقوى، مطاردا ليظهر ثم يظهر على الدين كله، ملاحقا مضطهدا لينتشر وينتشر ثم ينتصر وينتصر.
فلا دلالة في الحديث على اليأس من المستقبل إن أحسنا فهمه. ومما يدل على أن الحديث لا يعني الاستسلام أو اليأس، ولا يدعو إليه بحال، ما جاء في بعض الروايات من وصف لهؤلاء الغرباء من أنهم الذين يصلحون ما أفسد الناس من السنة، ويحيون ما أماته الناس منها.
فهم قوم إيجابيون بناؤون مصلحون، وليسوا من السلبيين أو الانعزاليين أو الاتكاليين، الذين يدعون الأقدار تجري في أعنتها، ولا يحركون ساكنا، أو ينبهون غافلا.
وفي حديث آخر بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء قيل: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: الذين يحيون سنتي، ويعلمونها الناس.
فهؤلاء هم الغرباء الممدوحون المغبوطون، ولقلتهم في الناس جدا: سموا غرباء فإن أكثر الناس على غير هذه الصفات، فأهل الإسلام في الناس غرباء، والمؤمنون في أهل الإسلام غرباء، وأهل العلم في المؤمنين غرباء، وأهل السنة الذين يميزونها من الأهواء والبدع فيهم غرباء، والداعون إليها الصابرون على أذى المخالفين: هم أشد هؤلاء غربة. ولكن هؤلاء هم أهل الله حقا، فلا غربة عليهم، وإنما غربتهم بين الأكثرين، والذين قال الله عز وجل فيهم: وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله، فأولئك هم الغرباء من الله ورسوله ودينه، وغربتهم هي الغربة الموحشة.
وهذه الغربة قد تكون في مكان دون مكان، ووقت دون وقت، وبين قوم دون قوم، ولكن أهل هذه الغربة هم أهل الله حقا.