بعد ان استولى على كل ما نملك ولم يترك لنا سوى الفتات، وفيما روح والدي رحمه الله ما زالت ترفرف حولنا ولم تكن تربته قد جفت بعد عندما حاول عمي ان يرمينا خارج المنزل لكنه تفاجأ بأن والدي كان قد كتب المنزل باسم والدتي قبل وفاته بيوم واحد فصدم بعدما برزت له صك الملكية، لا يزال صوت أمي يرن في أذني وهي تصرخ في وجهه وتقول: حرام عليك، انس كرهك لي وحقدك علي لكن هذا اليتيم هو ولد أخوك وعرش الرحمن سوف يهتز من فعلتك، حسبي الله ونعم الوكيل فيك لكنه دفعها جانبا وخرج غير مهتم ببكائها وصراخي، كان والدي يثق به ثقة عمياء ويخاف منه ومن جبروته بنفس الوقت، وكانت والدتي تلومه على تصرفه معه وارتباكه أمامه فكان يقول لها انه شقيقي وهو يريد مصلحتي فلا تتدخلي بيني وبينه، كان قد ذهب الى المحكمة قبل وفاته بأشهر وجهز له وكالة عامة شاملة مطلقة غير قابلة للعزل تبيح له التصرف بجميع أملاكه من دون العودة الى احد وأعطاها له كما طلب منه قبل سفره لتوقيع عقود بالخارج من اجل استيراد بضاعة لشركتنا وبيع عدة عقارات كان يملكها جدي في تلك الدولة العربية، وبعد عودته بعدة أيام كان يجلس معنا يحتسي كوبا من الشاي ولا يتكلم والحزن باد عليه، سألته والدتي عن سبب حزنه أجابها لا شيء فقط لدي مشكلة في الشركة، لكنني خائف عليك وعلى ابني في حال أصابني مكروه ماذا سيحل بكما.. قالت باسم الله عليك لماذا تقول هذا الكلام عسى عمرك طويل ان شاء الله، قمت انا وجلست في أحضانه وقبلته فشدني إليه وفجأة بدأ يشد علي أكثر وأكثر، شعرت بأنه سيعصرني بين يديه قلت أبي انت تؤلمني فنظر إلي نظرة لن أنساها بحياتي، كان وكأنه يطلب مني النجدة ثم صرخ صرخة مدوية سمعها كل من في المنزل والمنازل المجاورة لنا بعد ان أمسك رأسه وارتمى أرضاً وانا وقعت تحته، كان السائق قد دخل بسرعة فحمله بين يديه وتوجهنا إلى أقرب مستشفى، كانت والدتي تبكي وتطلب من السائق ان يسرع وأنا انظر إليه لأمسح دمعة معلقة على خده ثم أخذت أهزه وأقول له يبه رد علي كلمني افتح عيونك ووالدتي تزيد من بكائها وتطلب من الله ان يلطف به، لكن للأسف الشديد لم يستطع الأطباء إنقاذه فقد توفي بعد ساعات بسبب انفجار في الدماغ كما قالوا لنا، والدتي لم تصدق ولم تفهم قالت أي انفجار يا أخي لقد كنا في المنزل ولم ينفجر شيء.
بعد مرور أقل من عام على وفاته كانت والدتي قد باعت كل ما تملك من ذهب لديها لتصرف على المنزل لأن المبلغ الذي كان عمي يتكرم علينا به لا يكاد يسد رمقنا، فقد حول كل أملاكنا باسمه عندما سافر والدي رحمه الله وكان هذا ما قتله فهو لم يتوقع للحظة ان شقيقه الوحيد سوف يفعل به ما فعل، تدخل الكثيرون بيننا لكن ولا واحد منهم استطاع ان يؤثر بقراره، أخيرا وبعد ان تركنا السائق وتبعته الخادمة عرضت والدتي فيلتنا الجميلة للبيع فلم يتبق لنا غيرها، تركت غرفتي وألعابي وذكرياتي الجميلة مع والدي الحبيب ورحلنا لنسكن في شقة صغيرة نعيش من المبلغ الذي يعطونا إياه مشكورين الشؤون الاجتماعية، حاولت الوالدة إيجاد عمل لكنها لم توفق لعدة أسباب فهي أولا لم تكمل تعليمها لأنها تزوجت وهي صغيرة بالسن والسبب الأهم انها لم تكن عربية والذي تعلمته في مدرسة بلدها الأم كان بلغتهم لذا كان أقصى ما يمكن ان تفعله هو العودة للعمل كنادلة بأحد المقاهي حيث تعرف إليها والدي وأشفق عليها ثم أحبها وتزوجها وهذا الشيء كان أكثر ما يزعجني طبعا بعد كلام عمي عنها حيث كان يقول لوالدي يكفي انك تزوجت واحدة من الشارع لا نعرف أصلها ولا فصلها وفضلتها على ابنة عمك ابنة الحسب والنسب، وأنظر إلى النتيجة ولد يشبهها جدا بلونها وتقاسيم وجهها وعينيها من يقول انه مواطن؟ انا أخجل به، كان والدي يقول له انه ولدي ويجب ان تحبه لأجل هذا، وأنا لا أحب ان تتكلم عن زوجتي هكذا فقد أصبحت تحمل اسم العائلة، كان عمي يثور أكثر ويسب ويلعن، كنت أتساءل في صغري لماذا يكره والدتي وما هو المواطن ومن هو ولماذا لا أشبهه؟ إلى ان كبرت وفهمت معنى كلامه، حيث كان يتجنبني الجميع تقريبا ويسخرون مني عندما ارتدي الكندورة وأضع الغترة كانوا إذا أرادوا إحراجي يكلمونني بكلمات حفظوها من لغة أمي الأصلية، كان جيراننا يعتقدون أنها الخادمة عندما يأتون الى منزلنا فيسألوها أين المدام فترد أنا هي الواقفة أمامكم فقد كانت قوية الشخصية ولا تهتم بهم وبآرائهم بنظراتهم وسخريتهم منها خاصة عندما كانت تلبس العباءة والشيلة، أما انا فلم أكن مثلها كانت تؤلمني نظراتهم ويجرحني كلامهم، لم اعد ارتدي إلا البنطلون والتي شيرت، لا أستطيع ان أكون مع أولاد صديقاتها لأنني لا أفهم سوى القليل من كلامهم ولا أستطيع ان أكون مع من هم من بلدي لأنني مرفوض من قبلهم لكنني قررت وبعد ان وقفت والدتي بوجهي تؤنبني وتقويني، تدعمني وتعلمني المواجهة فقررت ألا أدعهم يؤثرون فيّ وبالتحديد في دراستي مع انني كنت مضطهداً حتى من بعض الأساتذة، فكنت إذا رفعت يدي ولو كنت الوحيد في الصف الذي يرفعها لا يعيرونني أي اهتمام كنت بالنسبة اليهم وكأنني لست موجود لكن المدير كان متعاطفاً معي وكان تقريبا الوحيد الذي أحبني وساعدني جزاه الله خيرا إلى ان تفوقت في المدرسة وقررت السفر إلى الخارج لإتمام دراستي الجامعية فذهبت إلى الدوائر المختصة للموافقة على طلبي وحيث ان الدولة هي الوحيدة التي تعترف بوجودي ولا تهتم بشكلي ولا لوني قد وافقت لأني بالنسبة لها احد أبنائها، لكنني وانا واقف أمام الموظف اللطيف الذي كان يقول لي عن الأوراق التي احتاجها سألت نفسي هل لو تقدمت لأطلب يد ابنته ستبقى الابتسامة الرقيقة الدافئة على وجهه أكيد لا، فهو سوف يرميني خارجاً بلحظة لأنني لا أملك شيء من صفات المواطنين من أترابي لا بالشكل ولا المال حتى ذقني كانت لا تنبت كانت تحوي على بضع شعيرات متفرقة هنا وهناك حيث كنت أحلقها مرتين أو ثلاثاً في اليوم على أمل ان تصبح كثيفة لكن دون فائدة. المهم ودعت والدتي المسكينة التي تعبت وكدت كثيرا حتى أصل لما وصلت إليه الآن شاب متفوق بدراسته واثق بنفسه وقدرته سافرت إلى الخارج لأتخصص بعدما قدمت أوراقي الى إحدى الجامعات في بريطانيا وتم قبولي، هناك شعرت للمرة الأولى بأنني إنسان، فكان الجميع لطفاء معي فهم لا يهتمون بشكل الإنسان ولا بلونه لم أكن منبوذاً كما كنت عند بعض الأشخاص في بلدي وبقدر ما ارتحت بقدر ما حزنت فأنا أنتمي لهذا البلد لكن لا شيء يشدني إليه فلا أصدقاء لدي ولا أصحاب حتى عماتي وعمي الظالم لم يسألوا عني طوال سنوات حيث عشنا والدتي وأنا من دون ان يطرق بابنا أحد لذلك عندما تخرجت بتقدير جيد جداً وكرمتني الجامعة عدت الى هنا طبيب جراح تخصص دماغ متفوق وعدة عقود بانتظاري في بلد الضباب والبرودة بالطقس فقط وليس بالبشر كما هو معروف عنهم بل العكس وجدت الدفء في بلدهم البارد وبلدنا الحار لطالما أشعرني بقشعريرة فقد ظلمني أهله الذين هم أهلي وأجدادي هم جذوري، لكن للأسف الشديد فأنا بالرغم من حبي الكبير وعشقي له لم يعد يربطني به سوى كنيتي، كنت وأنا هناك أتكلم عن بلدي بفخر واعتزاز كانت غرفتي ممتلئة بصور للصحراء والكثبان الشواطىء والمباني الشاهقة والقصور الفخمة كانوا ينظرون إليها بدهشة ويتمنون زيارتها، كانت الغصة في قلبي وانا اقول لهم عندما أعود سوف ادعوكم لزيارتي، كنت اعلم ضمنياً بأنني لن أبقى فيها، وهكذا فعلت، فقد عدت لأجهز أغراضي القليلة وأدور في شوارعها اجلس على شاطىء البحر الذي لن أراه لسنوات أداعب الرمال وأودعها فقد كانت تحتضنني وتتلقف دموعي عندما كنت مراهقاً أشكو لها ظلم البشر وأولهم عمي. كنت أتمنى أن يكون عندي أصدقاء أخرج معهم، كنت أحلم بهاتف نقال كالجميع وعندما ابتاعته لي والدتي عند تخرجي لم اسمع رنينه سوى عندما تتصل هي بي كان فارغا لا يحوي إلا أرقاماً قليلة، على كل حال من جهتي انا فقد سامحت جميع من أساء الي، أخذت والدتي وسافرنا برحلة سوف تطول، نظرت الى بلدي الحبيب أشيعه بنظرات غصة في قلبي ودمعة على خدي مسحتها لي والدتي الحنون قائلة ستعود يا ولدي انها الإمارات سوف تنسى وتعود صدقني، فهل أنسى فعلاً العلم عند الله، أما عن عمي وما حصل له فسأخبركم في العدد القادم بإذن الله.