حيث أوردت سورة القصص موضوع قارون لمعالجة مشكلة اقتصادية بأسلوب قصصي ترددت أصداؤه عبر التاريخ ومن خلال الأجيال للعظة والعبرة . وتصور لنا سورة القصص من الآية 76 حتى الآية 84 قصة ذلك الرجل الذي اتخذ المال معبوداً له وعده غاية الغايات، واستغله للتسلط على الناس والغطرسة والغرور والتكبر عليهم، فعاث في الأرض فساداً وشح بماله عن النفقة في سبيل الله، وبخل بكنوزه عن مساعدة الفقراء والمحتاجين فيقول سبحانه وتعالى: إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم، وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة .
كان قارون هذا من قوم سيدنا موسى عليه السلام، بل من أقاربه، ومع ذلك فقد وقف ضد رسالة موسى، إذ أخذ يؤلب الناس على موسى ويبعدهم عنه . والملاحظ أن القرابة الدعوية لم يكن لها أثر بين موسى وقارون، لأن الصراع العقدي فوق كل اعتبار، حيث لا اعتبار للقرابة ولا للصداقة إذا تعارضت مع العقيدة والإيمان .
ولنا من سيرة المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم مع أقربائه وذويه وعشيرته أوضح مثال على ذلك . مع الإشارة إلى أن قارون قد نجح في بادئ الأمر في ما يبغي إليه من مقاومة الدين الذي دعا إليه موسى عليه السلام، وذلك لكثرة أمواله التي سخرها للتسلط والغرور والتكبر على أقربائه .
وعلى الرغم من جبروت قارون وتسلطه، إلا أنه وجد من قومه من يجهر بالحق لإيقافه عند حده فيقول عز وجل إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين، وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة، ولا تنس نصيبك من الدنيا، وأحسن كما أحسن الله إليك، ولا تبغ الفساد في الأرض، إن الله لا يحب المفسدين . وهاتان الآيتان الكريمتان تضمنتا ثلاثة أفعال تدل على النهي: (لا تفرح، لا تنس، لا تبغ) كما تضمنتا فعلين يدلان على الأمر وهما (ابتغ، أحسن) فقد حاول المصلحون أن يقوموا من اعوجاج قارون بمحاسبته وردعه عن القيام بالمنكرات، وطالبوه بالابتعاد عن الغي والغرور والبطر، وأخذوا يذكرونه بأن الله سبحانه وتعالى لا يرضى عن تصرفاته الشائنة، ويكره الفرح المؤدي للبطر، وهذا واضح في قوله (ان الله لا يحب الفرحين) .
والمقصود هنا الفرح للدنيا بذاتها، فهذا الفرح يوقع صاحبه في البطر والغطرسة . وقد رسم الله عز وجل لقارون خاصة وللناس عامة طريقاً ثابتاً في مجال الحياة الدنيا بأن يوفق الإنسان بين الأمور الأخروية والأمور الدنيوية: فعليه أن يحرص على ثواب الدار الآخرة حينما يرزقه الله ملكاً ومالاً، وفي الوقت نفسه لا يجوز له أن يهمل نصيبه من الدنيا، بل عليه أن ينمي ثروته وأمواله بالطرق المشروعة وأن يحمد الله على نعمائه . وينبغي عليه أيضاً أن يحسن في معاملته للآخرين، وأن يساعد من يحتاج إلى المساعدة كما أحسن الله إليه . وقد حذر الله سبحانه وتعالى قارون من أن يلجأ إلى الفساد بين أقاربه أو أن يوقع الظلم عليهم كما كان يعمل في السابق، لأن الله رب العالمين يبغض المفسدين ولا يحبهم، فالفساد أشد من القتل . وهذه الآيات الكريمة نزلت، في حادثة خاصة تتعلق بقارون، إلا أن معناها عام شامل للمسلمين أيضاً في كل زمان ومكان .
غير أن قارون تمادى في ظلمه وعناده ولم يأبه للتحذيرات، فما كان منه إلا ان أجاب قومه بكلام قاس جارح يظهر فيه الغرور، فقد أعمت الأموال والكنوز بصيرته وأبعدته عن جادة الحقيقة والصواب . فيقول سبحانه وتعالى على لسان قارون: قال: إنما أوتيته على علم عندي، أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعاً، ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون . حيث يدعي انه استحق هذا المال الوفير عن طريق علمه بالكيمياء، كأنه تجاهل قدرة الله رب العالمين عليه وعلى أمثاله ممن سبقوه من الطغاة، ولم يشكر الله على نعمائه . فكان جواب الله العلي القدير عليه بأن الله قد أهلك قبله من هو أشد من قارون قوة، وأكثر مدداً وعدداً . فالله سبحانه وتعالى يهزأ ويسخر من المغرورين المتغطرسين، ويخبرهم بأن عقابهم وهلاكهم سهل جداً على الله، وهو أهون عليه من سؤالهم عن ذنوبهم .