ترى بعض الشخصيات التربوية أن تغيب الآباء عن منازلهم أياً كانت أسبابه، يؤدي إلى مشكلات قد لا نستطيع السيطرة عليها بعد فوات الأوان، لأن لذلك الغياب تأثيراً سلبياً في تربية الأبناء، وبخاصة الذين يُتركون لخدم المنازل والمربيات، وقد لا يدرك الآباء خطورة تغيبهم . إن الاستثمار الحقيقي يكون في تريبة الأبناء تربية صالحة، وقد يتجاهل بعض منهم أن الأموال الطائلة التي يجنونها من تغيبهم قد لا تغطي عيوباً يمكن أن تنشأ بسبب غيابهم عن منازلهم بشكل دائم وإهمالهم تربية الأبناء والاهتمام بأمورهم .
وتساءل التربويون حول الموانع التي تحول دون أن يرتب الآباء أولوياتهم، مشيرين إلى الإحصاءات التي نشرت في كثير من الدراسات التي تؤكد أن معظم الظواهر غير الحميدة التي ترافق سلوكيات الأبناء سببها الرئيس عدم اهتمام الآباء بهم، حيث إن مراكز الأحداث في كثير من الدول تعج بنماذج حية تؤكد آثار ذلك الغياب إذا ما قورنت بالنجاحات التي تحققها الأسر الناجحة والحريصة على إعطاء الأبناء مساحة من الوقت للحوار معهم والتعرف إلى متطلباتهم وتطلعاتهم، واستغلال ذلك الوقت لنصحهم وإرشادهم .
يقول حسن موسى، موجه الخدمة الاجتماعية بمنطقة أبوظبي للتعليم، إن بعضاً من الآباء لا يبذلون جهوداً كافية للتعرف إلى صفات أبنائهم، ففي حالات كثيرة يكون الأب أقدر على معرفة صفات السائق أو الموظف الذي يعمل في شركته أو زميله في العمل أكثر من صفات ابنه .
واستعرض موسى معاناة إحدى الأمهات التي قالت إن زوجها يذهب إلى عمله مبكراً، لذلك يتعذر عليه اصطحاب الأطفال إلى المدرسة ويعود إلى المنزل متأخراً ولا وقت لديه للجلوس معهم لمتابعة التحصيل الدراسي، وتمر الأيام وحياة الأسرة على هذه الوتيرة، الأمر الذي تتحمل معه المسؤولية وحدها، وتواجه إشكاليات تمرد الأبناء عليها بين الحين والآخر بشيء من الصبر، وتداري أحزانها إلى حين الفرج من الله عز وجل، ولا تحاول مكاشفة زوجها بمعاناتها من هذه الوضعية خشية أن يشعر بأنها لا تقدر ظروف عمله، رغم إدراكها أن بإمكانه، لو أراد، أن يخصص ساعة في اليوم للجلوس مع أبنائهما .
وقال إن بعض الآباء لا يعطون المساحة الكافية للاهتمام بالأبناء وتربيتهم، مشيراً إلى أنها مسؤولية وأمانة كبريين، حيث إن بعضهم يعتقدون أن توفير الطعام والملبس وأدوات الترفيه هي التربية بعينها، مشيراً إلى أن هناك نماذج عن إهمال التربية منذ الصغر تتمثل في عدم احترام الولد أو البنت لأمهما أو أبيهما أو كليهما من جراء ما اكتسبتاه من قيم وأخلاقيات خلال فترة الإهمال وعدم المتابعة .
تقول الدكتورة هاجر الحوسني، مديرة الإدارة المركزية لرعاية الأمومة والطفولة في وزارة الصحة، هناك جانب آخر من المشكلة، وهي أن الاعتماد على الخدم في تربية الأبناء يشكل خطورة، والأمثلة حية، مشيرة إلى أنه بيدنا إيجاد المخارج العملية للحد منها، وعلى الجهات المعنية أن تخصص، على الأقل، مكاناً في كل مؤسسة تعمل فيها نساء متزوجات وأمهات كحضانة مصغرة وبرسوم رمزية، على أن ينتهي دوام الحضانة مع ساعات عمل الأمهات الموظفات خاصة اللواتي يعملن حتى الرابعة عصراً بحيث يتيح ذلك للأم اصطحاب طفلها معها وإيداعه في حضانة المؤسسة ليكون بين أيد أمينة وعلى مقربة منها، وتم بالفعل إنشاء مثل هذه الحضانات في عدد قليل جداً من المؤسسات والمطلوب تعميم التجربة .
وأضافت أن بعض الأسر تعتمد على الخادمة في كل شيء في البيت، بدءاً من أعمال النظافة والطبخ، وانتهاء بتربية الأبناء، ولا تستطيع الاستغناء عن خدماتها، وخاصة الأسرة التي يرتبط فيها الوالدان بمهمات وظيفية تستدعي عدم وجودهما في المنزل أحياناً لفترتين صباحية ومسائية، ويزيد الطين بلة اتكالية الأم في كل شاردة وواردة على الخادمة، مشيرة إلى أن ذلك منطق غير سليم، ويشكل خطراً ينبغي التنبه له والسعي بجدية لإيجاد بدائل، وإلا ظلت معاناة الأمهات وأطفالهن مستمرة وتنعكس سلبياتها على المدى البعيد .
ولفتت رشا عبدالعزيز - معلمة - إلى أن الأم التي تعرف أن غياب زوجها مرتبط بعمل، عليها أن تتجلد وتصبر، وتخلص في الاهتمام بمنزلها وأولادها، إلا أن الواجب على الأب الالتفات إلى تربية الأولاد، مهما كانت مشاغله، فعدم إشرافه عليهم يؤدي إلى تدهور سلوكياتهم، لأن الكثير من الأمهات قد لا يستطعن السيطرة على الأبناء، وقد تضطر الأم إلى مهادنة بعض سلوكياتهم، ناهيك من أنها لا تستطيع الفصل بينهم في خلافاتهم ومشاجراتهم، مشيرة إلى أن بعض الأبناء لا يخافون الأم، وآخرين لا يلتفتون إلى المذاكرة إلا إذا دخل الأب المنزل، والكثير من المظاهر السلبية بين أوساط الشباب مردها انشغال الآباء عنهم .
مشكلات نفسية
ويقول الدكتور إبراهيم عبدالحميد، الاختصاصي الاجتماعي في مركز إرشاد، إن الخادمات في البيوت خطر مدمر إن لم نتنبّه له، وإن الأطفال بحاجة ماسة إلى تربية الآباء والأمهات واهتمامهم بهم بدلاً من تركهم للخدم، مشيراً إلى أن ظواهر العنف الجسدي التي يمارسها الخدم كثيرة ومتعددة وبأساليب متنوعة منها الضرب بدرجة رئيسة، وشتى أنواع العنف ضد الطفل التي يجرمها اختصاصيو التربية النفسية والاجتماعية .
وإلى جانب انعدام المواصفات والشروط التي ينبغي توافرها في المربية أو الخادمة، فإن بعضاً منهن تمارس الانتقام من الأسرة، إما لسوء المعاملة التي تلقاها أو رغبة منها في إنهاء خدماتها بالإقدام على عدد من السلوكيات الانتقامية تجاه الأبناء تصل إلى حد الكي بالنار وشتى صنوف سوء المعاملة والتفنن فيها، مشيراً إلى أن تربية الخدم تولد لدى الأطفال عيوباً في النطق وازدواجية في اللغة يكون لها تأثير سلبي في التحصيل الدراسي وفي نفسياتهم .
والعنف يجعل الطفل عند الكبر متقمصاً لدور العنف في تعامله مع محيطه، وأن الاضطرابات والأمراض النفسية التي تؤججها حالة بُعد المربيات عن أسرهن، هي أحد العوامل المؤثرة في تعاملهن مع الأطفال .
ويرى أنه إن كان لا بد من الاعتماد على الخدم في تربية الأبناء، فينبغي على الأسرة أن تُحسن الاختيار وكذلك المعاملة لهم، ولا تقدم على أفعال تؤجج لديهم الاضطرابات النفسية كالقسوة في التعامل، وعدم الاحترام، ومراعاة الجانب الإنساني وحفظ الكرامة، وانتظام صرف مستحقاتهم الشهرية ليتمكنوا من التواصل مع أسرهم في بلدانهم ويشعروا بالاطمئنان عنهم .
إهمال مؤذ
وتوضح الدكتورة كريمة العيداني - اختصاصية نفسية - أن أحد أسباب مرض التوحد بين الأطفال هو برود عاطفة بعض الأمهات تجاه أطفالهن بسبب اعتمادهن الكلي على المربية في تربية أبنائهن، فضلاً عن الدور المفقود للأب نتيجة غيابه عن البيت، وحتى إن حضر لا يكون له دور ملموس في تربية أبنائه، أو حتى مجرد الجلوس معهم .