نيل استحسان الآخرين وتقديرهم غاية النفوس البشرية بطبيعتها، والأغلبية يسعون لتحقيقها بشتى الطرق كتقديم يد المساعدة أو لمسة من المجاملة، ولكن أن تتحول الرغبة في إرضاء الآخرين إلى متلازمة وهاجس يشغل صاحبه طوال الوقت، بل إنها تصبح الميزان الذي يقيم به نفسه ومدى رضاه عنها، فهذا ثمن باهظ يدفعه ليس فقط من جهده، ولكن أيضاً من احترامه لنفسه وسعادته وراحته الشخصية . وهذا يؤثر سلباً ليس فقط في صحته النفسية بل والجسدية أيضاً، فأحياناً يتحول هذا النوع من الرغبة في إرضاء الآخرين في حياة البعض إلى الصمام المتحكم في كل علاقاتهم، سواء بأهلهم أو أصدقائهم أو حتى زملائهم ويحكم سلوكهم وردود أفعالهم تجاههم .

يقول حسام الدين عبادي، مهندس بشركة تراتيل للصناعات الورقية، عن مدى حرصه على إرضاء وكسب استحسان من حوله: إرضاء الآخرين شيء نسعى إليه وجميعنا يحب أن نكون محبوبين بين الناس خاصة المقربين منا، وكأي شخص طبيعي، يهمني أن أكون موضع تقدير ممن حولي، وهذا بطبيعة الحال يستلزم مني شيئاً من مراعاتهم ومجاملتهم ومحاولة نيل رضاهم بالقول أو بالفعل، وإنما هذا له حدود وبدرجات متفاوته أيضاً، فالزميل غير الصديق، والزوجة والأبناء غير الأهل، كل له مكانة تحدد إلى أي مدى يهمني إرضاؤه، ففي حياتي أشخاص أحرص على رضاهم ولو على حساب نفسي كأولادي وأبي وأمي مثلاً، أما الزملاء فحرصي له حدود وفي كل الأحوال لا تصل الرغبة في إرضاء الآخرين إلى أن أتحمل أعباء تفوق طاقتي سواء نفسية أو مادية .

وتؤكد كلامه زوجته هدى الشايب، مهندسة، قائلة: كلنا لدينا هذا الدافع وهو ما يحدد حرصنا على رضا شخص معين فزوجي مثلاً لأنني أحبه أحياناً أتحامل على نفسي لإرضائه، وأحياناً أحاول إرضاء من حولي لأنني أحب نفسي فأنا أحب أن يصفني المحيطون بي بصفات حسنة، ولكن أنا أيضاً أرى أن للأمر حدوداً .

يتحدث أكمل صافي، مراجع مالي بشركة العواش للصناعة، مشيراً إلى نوعية صادفها في حياته ممن تحول هذا الأمر لديهم إلى حالة مرضية كما يصفها قائلاً: صادفت في مجال العمل هذه العينة ممن نصفهم بأنهم مبالغون إلى حد ما في مجاملاتهم للآخرين رغبة في إرضاء الجميع كل الوقت، فيحاولون أن يكونوا مبتسمين دائماً على غير رغبتهم ويوزعون الكلمات التي فيها مجاملة باستمرار وبشكل ملحوظ، ويعرضون خدماتهم أحياناً، وهذا مبالغة . صحيح المجاملة مطلوبة ومساعدة الآخرين شيء جيد ويحث عليه الدين، ولكن كل شيء زاد عن حده ينقلب إلى ضده .

وتقول إسراء شافعي، اختصاصية اجتماعية بمدرسة السجايا القويمة بالشارقة، إرضاء الآخرين: مسألة بالتأكيد لها تكاليفها سواء داخل البيت أو خارجه، فأنا عندما أستقبل ضيوفاً ببيتي مثلاً أحياناً أكلف نفسي أكثر من اللازم حتى أظهر بصورة جيدة أمامهم وحتى في الخارج أحياناً أكون مع صديقاتي في مطعم مثلاً وأدفع الحساب ونحن نسميها مجاملة أو كرماً، ولكنها في بعض الحالات يكون الهدف منها أن أرى نظرة الرضا في أعينهن وأشعر باستحسانهن، فهو شعور مرض لي ولكني متوازنة في هذا الأمر، فإرضاء الآخرين في رأيي له حدود حتى لا يصبح عبئاً نفسياً أو مادياً .

شريف محمد، محصل بشركة سمباتيك للملابس، يؤكد أن الحرج أحياناً يكون الدافع وراء محاولة إرضاء الآخرين قائلاً: أحياناً أقوم بمجاملة أنا غير راض عنها مع زميل أو صديق لمجرد أنني وضعت في موقف معين معه، وإذا لم أفعل هذا قد يقل قدر رضاه عني كصديق أو زميل . ويرهقني أحياناً أن إرضاء من حولي على حساب نفسي ولكني أعترف أني من الذين يهتمون لهذه الأمور، وأحب أن أشعر بأن المحيطين بي يستحسنون أفعالي وخدماتي لهم، ولا أتحمل أن يطلب مني أحداً خدمة ما ولا أؤديها له حتى لا يغضب .

هل السعي المستمر لإرضاء الآخرين يمكن أن يصبح واجباً في بعض الحالات؟ تجيب عن هذا التساؤل إيمان محمد، ربة بيت، قائلة: بالتأكيد بحكم طبيعة بعض العلاقات تفرض علينا المجاملة محاولة إرضاء الآخرين حتى ولو بشكل زائد، في حياتي الشخصية أهل زوجي مثلاً تعودت على الحرص على نيل رضاهم باستمرار خاصة حمايا وحماتي، وهذا الأمر أصبح شيئاً اعتدته كيفما كانت حالتي النفسية فأتحامل على نفسي لإرضائهم، ولكن فيما عدا هذه الحالة أنا طبيعية في هذا الجانب سواء مع أهلي أو شقيقاتي وأتصرف بشكل معقول حسب حالتي النفسية .

وعما إذا كان من يسعى لإرضاء الآخرين ويكون دائماً في خدمتهم هو شخص محبوب ومحل استحسان الجميع، يقول نادر بديع، محاسب بشركة السومارية للاستثمارات: هذه المسألة تفرق بين نوعين، طبعاً الخدوم المتعاون يكسب حبنا واستحساننا كزملاء، ولكن هناك فرقاً بين من يفعل هذا لأنه بطبيعته يحب تقديم يد العون بشكل متزن وصادق، وبين من يفعل هذا حتى نقول عنه إنه خدوم وطيب . وكل حالة تكون واضحة، لأن من يجامل ويحاول إرضاء الآخرين لنقص في شخصيته أو محاولة لتحسين فقط من دون مشاعر حقيقية لا يقابل هذا بالرضا منا، فما يأتي من القلب يصل للقلب والعكس صحيح .

ويتحدث د . كريم الشامي، اختصاصي الطب النفسي، مشيراً إلى الدوافع النفسية التي تؤدي إلى ما يسميه مرضاً أو متلازمة إرضاء الآخرين قائلاً: الرغبة في الفوز بحب الآخرين هي رغبة إنسانية طبيعية تماماً، ولكن إرضاء كل الناس غاية لا تدرك بل مستحيلة، ومحاولة إرضاء الآخرين المستمرة أمر غير طبيعي أو مقبول، ولكن المصابين بهذا الداء في رأيي يمارسونها بشكل طبيعي وكجزء من سلوكهم اليومي، وتتحول الرغبة في إرضاء الآخرين إلى شاغلهم الشاغل مع الوقت تحت مبررات كثيرة مثل الحب أو الزمالة أو الكرم، ولكن لكل شيء حدوداً حتى لا تخرج العلاقة عن مسارها الصحيح، مما يؤدي إلى مشكلة نفسية خطيرة أحياناً تصبح مثل الإدمان على نيل استحسان وقبول الآخرين، بل يعتمد في صنع وجودهم بين الناس على تقديم الخدمات لإرضاهم . وعما إذا كان هناك أشخاص بطبيعتهم أكثر عرضة من غيرهم للإصابة بهذا الداء، يقول: هذه الحالة لا ترتبط بأحد من الناس، سواء رجل أو إمراة، ولكنها تتوقف على طبيعة الشخصية، بغض النظر عن التعليم والسن .

وتشير د . إيناس خفاجي، طبيبة الأمراض النفسية والعصبية، إلى الآثار السلبية لهذا السلوك قائلة: المبالغة مرفوضة في كل الأمور ولها آثار سلبية، وإنشغال أي شخص بإرضاء من حوله وتحويله إلى غاية متواصلة حتى ولو على حساب نفسه هو استنزاف للطاقة، كما أنه يمكن أن يدفعه إلى تقديم تنازلات متواصلة وهذا يؤدي بالتأكيد إلى إضعاف احترامه لنفسه، وإرضاء المحيطين سلوكاً طيباً، ولكن ليس لدرجة الضغط على النفس ومحاولة أن نكون دمثين ومبتسمين طوال الوقت، لا تتوافق مع الطبيعة البشرية التي تتقلب . وليس صحياً أن أكتم انفعالاتي لأن هذا يؤدي إلى أمراض نفسية .