حوار: زكية كردي

«حرية المرأة لا تتجسد في التخلص من قيودها الظاهرية، إنما حريتها أن تشعر بأنها من الداخل حرة لديها القدرة على الكلام والتعبير عن ذاتها، ولهذا أحطت صورتي بكلمات تعبر عني كالشغف، والقناعة، والرضا، والسعادة، وعزة النفس، والحرية».. بتلك الكلمات تعبر الإعلامية فاديا الطويل عن نفسها، كامرأة تمردت على المرض، وعلى كل ما يحتجزها عن حياة لم تكن تشعر بأنها خلقت لها لتلاحق الأحلام، وتساند الآخرين في كل حلم.
فاديا الطويل تلك التي تشعر كلما قابلتها بأنك تقرأ وتلمس فلسفة الحياة في وجه امرأة تحتفظ مراراً باللحظة التي انتصرت فيها على فكرة الموت وكأنها عادت منه للتو لتعيش لحظتها حد الامتلاء. نتعرف أكثر إليها وإلى تفاصيل تجربتها خلال الحوار التالي..

} التميز برأيك قرار أم مصادفة؟

-التميز بالنسبة لي لم يكن مصادفة أبداً، فمنذ صغري كنت أشعر بأني دائماً يجب أن أحرص على أن أكون أكثر اجتهاداً وتميزاً من باقي زملائي، حتى في ملابسي كنت أرفض أن تكون عادية، وأحب أن تفوح منها الروائح الزكية، وعندما أجيب على المعلمة في الصف يجب أن تكون ردة فعلها قوية فلا أقبل بالأجوبة والمشاركات المقبولة، يجب أن أدهشها، لهذا أعتبر أن التميز قرار ينبع من الداخل بأن أكون مختلفة عن أي أحد.

} لماذا اخترتِ العمل الإعلامي، وكيف كانت البداية؟

-اختياري لهذه المهنة حين كنت في الرابعة والعشرين من العمر، وقتها لم أكن مصابة بالسرطان بعد، وطرحت الفكرة على أهلي متقمصة شخصية صديقة لي تنوي العمل في المجال الإعلامي لأجس نبض العائلة، فكانت ردة فعلهم غير مشجعة البتة، لهذا قررت الانسحاب والتزمت الصمت متناسية الأمر، لكن بعد أن أصبت بالمرض وأنا في عمر 32 سنة كانت العائلة تحرص على أن تحقيق أمنياتي في الحياة وفعل كل ما يبهجني، وقتها طلبت أمي من أختي أن تسألني إن كنت أرغب بالعمل في مجال الإعلام لكونها شعرت برغبتي، وأجبتها بأنني كنت أسألهم عني لا عن صديقتي، ربما أمي كانت تدرك بأنهم لن يوافقوا علي إن ذهبت، إذ وصل وزني حينها إلى 106 كيلوغرامات تحت تأثير الأدوية، ولكني ذهبت إلى الشخص الذي عرض علي العمل قبل سنوات، استغربوا الأمر في البداية لكنهم وافقوا أن يجروا لي اختبار الكاميرا، وبدأت الحديث وقتها عن السمنة. طبعاً لم يكن هناك أوتوكيو في التلفزيون السعودي حينها، وكنت أبتكر الحديث بنفسي، ولم أتوقع أن يوافقوا علي، لكن القرار كان سريعاً وخلال دقائق عرفت أني قبلت وعلي الاستعداد للمرحلة الجديدة في حياتي، ومن دون أي تدريب وجدت نفسي بعد أسبوع في برنامج على الهواء مباشرة كان اسمه «المملكة هذا الصباح».

} ألم يكن صعباً الوقوف على الكاميرا مباشرة أمام الجمهور دون التسلح بخبرات سابقة؟

-هذا هو التحدي بالنسبة لي، ولست أنكر أني كنت خائفة من الفشل قليلاً، لكني بنفس الوقت قررت أن أتجاهل هذا الخوف وأرميه خلف ظهري لأنطلق، وأذكر يومها أن أخي أرسل لي على فاكس البرنامج في عام 2003، وقتها كتب لي: «إنتِ قمرهم كلهم» ما أعطاني دافعا كبيرا، وشعرت بدعمه الكبير، وبعدها بالتدريج بدأت أثق بقدراتي أكثر فأكثر، وشعرت بأني قادرة على استلام برنامج على الهواء ل 24 ساعة متواصلة، ونجحت كإعلامية، فحصلت على لقب أفضل مذيعة حوارية عام 2009، وغيرها الكثير من الألقاب، كالمرأة الأكثر جرأة على التلفزيون، فلم تكن الكاميرا تربكني يوماً، أتصرف على طبيعتي تماماً من دون تفكير في وجودها، لدرجة أذكر ذات مرة أني خلعت حذائي ومشيت حافية في الاستديو لأن المذيعة التي كانت معي كانت قصيرة، ولم أكن أرغب بأن يبدو الفرق بالطول بيننا كبيراً، لم يكن لدي أي مشكلة مع الكاميرا، وكنت أشعر بأني في كل بيت يشاهدني أهله، وكنت أضع نفسي مكان كل مشاهد، فعندما أستضيف طبيباً كنت أفكر بالأسئلة التي تدور في ذهن كل من يشاهدنا ليوجهوها له.

} تعاطيتِ مع المرض بطريقة مختلفة، لماذا؟

- كل منا يأتي إلى الحياة ليجد أمامه الكثير من الخيارات التي ترافقه في كل خطوة، وفي كل مرحلة، وأنا اخترت أن أواجه المرض، وأذكر أنني عندما عرفت بأمر المرض للمرة الأولى بقيت في حالة سكون وصدمة لمدة 24 ساعة كاملة، لم أنطق بشيء، لكن بعدها قررت أن أنطلق وألا أكترث له، وها أنا حتى يومنا هذا أعيش على هذا المبدأ، لا أهتم بالمرض ولا أذكره إلا عندما يكون لدي مقابلة مع الطبيب، أو عندما أتناول الدواء، فما زلت حتى اليوم آخذ الأدوية الوقائية.

} لكن المرض ترك أثراً على حياتك بلا شك، هل نتحدث عن هذا الجانب؟

-المرض رفعني وجعلني أقوى، وعلمني معنى وقيمة الحياة، وجعلني أحرص على الاستمتاع بكل لحظة وكل ثانية فيها، علمني فلسفة الألم، فاكتشفت أن الألم النفسي أصعب بكثير من الألم الجسدي، وجربت هذا بنفسي عندما أصابني السرطان في عظام القفص الصدري، فاكتشفت أنني عندما أكون بحالة نفسية جيدة لم أكن أشعر بالألم، لكن عندما تكون حالتي النفسية سيئة كان الألم ينال مني، لهذا بدأت أدرك أن الحياة كلها تتمحور حول الحالة النفسية.

} كيف تعتنين اليوم بحالتك النفسية؟

-بالناس الذين يحيطون بي، وبالنجاح الذي أشعر بالسعادة حين أحققه، بمشروعي الصغير الذي افتتحته مؤخراً وسعدت به، وبابنتي الصغيرة التي أفرح بكل ساعة أقضيها معها، أحاول أن أستمتع بكل شيء حتى قطعة الحلوى، وأكره نفسي حين أشعر بالعصبية بسبب الأدوية التي أتعاطاها، لكنني أراجع نفسي دوماً.

} كيف تخلقين هذه الحالة من الراحة النفسية في وجه الواقع؟

-لتخلقي هذه الحالة عليك أن تتمردي أولاً، كنت في حياتي السابقة معتمدة كلياً على أهلي، والآن لا. ولا أنكر أيضاً أن الاستقلال المادي مهم جداً بالنسبة للمرأة لترتاح نفسياً إلا إذا كان لديها زوج جيد ويصرف عليها، لكن إذا كان زوجها سيئاً ولديها القدرة المادية لأن تعيش وحدها فعليها أن تفعل هذا وتدافع عن نفسيتها.

} هناك الكثير من قصص النجاح لأشخاص استطاعوا التغلب على المرض، لكن ما يميزكِ أنك لم تتوقفي عند هذه المرحلة بل قررتِ مد يد العون للآخرين، هل نسلط الضوء على هذا الجانب؟

-السعادة جزء مهم جداً من شروط تحقيق الراحة النفسية، وسعادتي تكتمل في العطاء، ولهذا أستمتع وأنا أتلقى الاتصالات من أناس لا أعرفهم وأشرح لهم كيف يتعاملون مع المرض سواء كانوا أهلاً لأطفال مرضى، أو كانوا هم المرضى، فأستعيد معهم ذاكرة مواجهتي للمرض وطريقتي في إبعاد ما يزعجني لأني كنت أدرك أن حالتي النفسية هي الحصن الذي أحتمي به في مواجهة الألم، لهذا أشعر بأني أنانية جداً حين أمتنع عن مساعدة الآخرين أو تقديم النصيحة، ومنهم من صار مقرباً مني جداً مثل صديقتي «رند» التي تلازمني منذ عامين، وأشعر بالسعادة لأنها لم تعد تكترث للمرض كما كانت، بل صارت تتحدث عنه بطرافة وهذا جعلها تتحسن.

} مسيرة حافلة بالتكريمات والمساهمات الاجتماعية والإنسانية، ما أهم الإنجازات التي حققتها بنظرك؟

-هناك الكثير من الإنجازات ربما، كمشاركتي قبل فترة في إطلاق مبادرة «دار فاديا لمساندة مرضى السرطان»، أو مشاركتي مع «جمعية زهرة» والأميرة ريما بنت بندر بن سلطان بتشكيل أطول شريط بشري على مستوى العالم لمكافحة سرطان الثدي بهدف دخول موسوعة غينيس العالمية وتوعية العالم حول هذا المرض الفتاك، وآخر إنجازاتي التي أعيشها في الفترة الراهنة هي هذه الشركة الصغيرة التي أسستها بمجهودي الشخصي، واعتمدت على نفسي فيها بنسبة 100%.

} ما الصعوبات التي واجهتكِ في تأسيس عملكِ الخاص؟

-الغيرة التي يحاربني بها البعض هي الأصعب، ولا أعتقد أنه كره بي بل حب للمال أو كره للنجاح ذاته، فالصعوبات على صعيد العمل لا تذكر.

} في وجه الغيرة هل يمكننا التحدث عن الأحلام؟

-حلمي أن أؤسس إمبراطورية فاديا، فأسمي كل الإنجازات التي أريد القيام بها باسمي، أؤسس جمعية لمحاربة السرطان وأطلق عليها اسم (دار فاديا)، لكن الهدف للآخرين وليس لي.

} يتهم عادة الأشخاص الذين يكرسون أسماءهم بالنرجسية، ألا تخشينها؟

- أنا أحب نفسي فالإنسان الذي ينكر ذاته ولا يحب نفسه لا يمكنه أن يحب الآخرين، ولأكون أكثر صراحة أنا أحب اسمي أيضاً رغم أني كنت أكرهه في الماضي، لكنني أحببته حين تعلمت كيف أحب نفسي، ولهذا صار مرتبطاً اليوم بأحلامي، أحلم بأن أكون قادرة على مساعدة أي أحد يطلب مني المساعدة أو أعرف أنه بحاجة لها.

} متى نما لديكِ هذا الحلم؟

-مذ أصابتني الحاجة للمال وللصحة وللمساندة وللعائلة، إذ مررت بظروف مادية صعبة، وكان علي أن أعيش بها دون أن أمد يدي لأحد واستطعت النجاح بهذا الاختبار، مررت بظروف فقدان الصحة وكنت بحاجة لمن يساندني، وبأوقات كنت فيها مدمرة نفسياً وليس ثمة من يسمعني، فالحاجة ليست مادية فقط.