فارس الخوري، سياسي شكل أربع حكومات في سوريا، وترأس المجلس النيابي لسنوات طويلة، هو الرجل الذي انتدبته سوريا لتمثيلها في هيئة الأمم المتحدة لسنوات، فرأس مجلس الأمن الدولي مرتين .
هو الرجل الذي هز العالم بخطاب في المجلس، أدى إلى تسريع خروج فرنسا من سوريا، ورد على ادعاء فرنسا بأنها تحمي المسيحيين في سوريا بأن صلّى الجمعة في الجامع الأموي ونطق الشهادتين هناك على مرأى ومسمع كل الحاضرين . هو السوري المسيحي الذي تلا المسلمون القرآن الكريم على روحه بعد وفاته، لأسبوع كامل، وفق وصية كتبها بقلمه قبل وفاته .
أبصر فارس الخوري بن يعقوب جبور النور في 1877 في بلدة كفير حاصبيا اللبنانية، يوم كانت تلك البلدة تابعة لولاية سوريا إبان الحكم العثماني، وهو من أسرة أرثوذكسية، غير أن فارس، مع أحد إخوته الأربعة، تبع الجد جبور الذي اعتنق المذهب البروتستانتي .
درس الابتدائية في مدرسة صيدا الداخلية الأمريكية، والثانوية في الجامعة الأمريكية ببيروت، وتخرج في العام 1897 حاملاً شهادة تعادل اليوم إجازة الثقافة في العلوم والآداب .
ذهب إلى دمشق في العام 1896 واستقر فيها وكلف بإدارة كلية الروم (الآسية اليوم)، وفي العام 1908 امتهن المحاماة بعد أن أتقن عن ظهر قلب الفرنسية والألمانية والتركية، ليتزوج من أسماء عيد وهي فلسطينية من عكا أنجبت له ولده الوحيد سهيل .
بدأت الحياة العملية لفارس الخوري في العام 1910 عندما انتخب عضواً في بلدية دمشق (المحافظة اليوم) . وبعد أربع سنوات، انتخب نائباً عن دمشق في مجلس المبعوثان في الآستانة عشية نشوب الحرب العالمية الأولى .
اتهمه الأتراك في العام 1916 بالاشتراك بالثورة العربية الكبرى، فاعتقل وحوكم عرفياً لينفى إلى الآستانة العام ،1917 لكنه عاد بعد عام ليشارك في رفع العلم العربي في دمشق، ثم اختير عضواً في أول حكومة عربية بعد جلاء العثمانيين .
وكان من أبرز مؤسسي مجلس الشورى في سوريا في العام 1918 وكان عضواً فيه، وبعد ذلك بعام واحد انتخب عضواً عاملاً في المجمع العلمي، وناضل كثيراً حتى تأسس معهد الحقوق بدمشق في 1919 وكان أستاذاً فيه حتى 1940 .
منذ العام ،1920 اقتحم فارس الخوري السياسة من أوسع أبوابها، إذ اختير وزيراً للمالية في الوزارات الثلاث التي تأسست في العهد الفيصلي، وكان من بين أعظم إنجازاته الاستراتيجية، تقديمه في العام 1922 مشروعاً لجر مياه عين الفيجة من الريف إلى دمشق، الأمر الذي تحقق لاحقاً فأصبحت العاصمة السورية مكتفية بالمياه . ونشط في المجال الاقتصادي، فكان من وضع نظاماً لشركة الإسمنت الوطنية في العام ،1929 وبعد ذلك نظام شركة الغزل والنسيج بدمشق أيضاً .
ونفي أثناء الثورة السورية التي اندلعت ضد الفرنسيين، من دمشق إلى جزيرة أرواد في طرطوس لمدة 76 يوماً، لكنه، وبعودته، عين وزيراً للمعارف في حكومة الداماد أحمد نامي .
بدأ نجم فارس الخوري يلمع في الخارج منذ العام 1936 عندما انتخب عضواً في الوفد السوري الذي ذهب إلى باريس لمناقشة المعاهدة الشهيرة مع فرنسا، وكان له تأثير واضح على قابلية وجهة نظر السوريين للتحقق، ليفوز العام التالي بانتخابات نيابية جرت في أجواء عاصفة انتهت بانتخابه رئيساً للمجلس النيابي حتى العام 1939 عندما حل المجلس .
وكرر فعله ثانية في العام 1943 عندما فاز عبر كتلته المسماة الكتلة الوطنية بالانتخابات، ومن ثم برئاسة المجلس النيابي .
وفي العام 1944 شكل الحكومة السورية التي استمرت لستة أشهر كان فيها أيضاً وزيراً للمعارف والداخلية معاً .
من الداخل السوري إلى المحيط العربي، وصل الخوري إلى اليوم الذي أصبح فيه شخصية عالمية مشهوداً لها بالوطنية، وكان ذلك في العام 1945 عندما ترأس الوفد السوري الذي ذهب إلى سان فرانسيسكو لحضور مؤتمر عالمي عقد فيها، وهناك ألقى خطبة شهيرة أحدثت ضجة عالمية أثار بها الرأي العام الدولي، فكان لها أكبر الأثر في إسراع مجلس الأمن الدولي بإصدار قرار يلزم فرنسا بالخروج من سوريا .
وبعد صدور قرار دولي بخروج فرنسا من سوريا ولبنان منتصف الأربعينات من القرن الماضي، حاول الفرنسيون استمالة المسيحيين السوريين، وراحوا يروجون لأفكار تفيد بأن فرنسا تحتل سوريا لحماية المسيحيين فيها، الأمر الذي استفز الرجل المسيحي الوطني، فما كان منه إلا أن نزل مع المسلمين لصلاة الجمعة في موقف تاريخي خلّده له السوريون جميعاً، إذ قال قبل الصلاة وبصوت مرتفع أعلى مما كان عليه في مجلس الأمن: من هنا، من الجامع الأموي الكبير أقول . . فرنسا تدّعي أنها هنا لحماية المسيحيين، وأنا أقول لفرنسا: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، ولتخرج فرنسا .
وكانت فلسطين في قلبه، وفي مجلس الأمن الدولي كان له موقف آخر وصراخ تعالى من حنجرته هناك في العام 1948 عندما أحرج العالم وناقش عظماءه وجادلهم وأسمعهم جميعهم الرأي العربي بعروبة فلسطين، وكان في تلك الأثناء رئيساً لمجلس الأمن مرتين في أغسطس/ آب 1947 و يونيو/ حزيران 1948 .
بعد ذلك مثل الخوري سوريا في هيئة الأمم المتحدة حتى العام ،1952 ليدعى في العام 1954 لتشكيل حكومة رابعة له .
وظل الخوري يذهب كل عام إلى جنيف لحضور جلسات لجنة القانون الدولي لغاية 1960 العام الذي أصيب فيه بكسر في عنق فخذه اليسرى واضطر إثر ذلك إلى ملازمة الفراش طوال ما تبقى من حياته .
رحل فارس الخوري عن الحياة في يناير/ كانون الثاني 1962 عن 85 عاماً قضاها في النضال وخدمة وطنه في الداخل والخارج، وكان من أهم وصاياه التي تركها في ورقة، أن تتلى على روحه آيات من القرآن الكريم، وكان ذلك بعد تشييعه، وكبّرت المآذن وأذاعت نبأ وفاته، ثم أقيمت مجالس عزاء إسلامية ومسيحية في وقت واحد وأماكن متعددة، وقرئ القرآن على روحه لأسبوع كامل .
ما لا يعرفه كثيرون
لأن السياسة طغت على حياة فارس الخوري، فقد غاب عن كتابات الكثيرين ممن خلدوه على الورق أنه كان العالم والأديب والشاعر .
الخوري انصرف منذ شبابه الأول إلى كتابة الشعر، وكان مولعاً به، والدليل على ذلك ما جاء في كتاب حديث العبقريات لعبد الغني العطري بأن الخوري في العام 1905 نظم قصيدة طويلة تستحق أن توصف بالملحمة تبلغ أبياتها المئات وصفحاتها ال ،68 وكان فيها وصف للحرب الضارية التي نشبت بين اليابان والروس وانتصر فيها اليابانيون انتصاراً ساحقاً .
نظم الخوري قصيدة وصف فيها وقائع الحرب بدقة وأرخّها تأريخاً عادلاً ومنصفاً، واهتم بشكلها، إذ قسمها إلى أربع قصائد طويلة، وطبعت هذه الملحمة في كتيب صغير طبعه صديقه حسين حيدر في مصر على نفقته . وترك فارس الخوري بعد وفاته ستة مؤلفات غاية في الأهمية، إضافة إلى حفيدة قل نظيرها بين النساء العربيات اليوم .
أما المؤلفات فهي (موجز في علم المالية) العام 1924 وطبع ثانية العام ،1937 و(أصول المحاكمات الحقوقية) ،1936 وهو كتاب مفقود لا أثر له إطلاقاً، لكنه صدر في الثلاثينات، (وقائع الحرب اليابانية الروسية) ،1906 و(ديوان فارس الخوري) وهو مخطوط لم يطبع، وهو لمجموعة قصائد جمعها ابن شقيقه نسيم شفيق الخوري وقدم لها بدراسة لتكون أطروحة، (أوراق فارس الخوري) وهي مذكرات كتبها الخوري بقلمه مع رسائل وأوراق أعدتها وحققتها حفيدته الأديبة، كوليت الخوري، التي أجيز إضافتها، كحفيدة، إلى الآثار التي تركها، وتلك الرسائل والأوراق تقع في خمسة أجزاء صدر منها ثلاثة وبانتظار البقية.