لابد أن الفنان التشكيلي الشاب فاروق حسني الذي كان على قمة الهرم الإداري في قصر ثقافة الأنفوشي في الإسكندرية، كان لديه آنذاك طموح كبير، سعى إلى تحقيقه بكل ما أوتي من السبل، فكانت خطوته التالية ملحقا في السفارة المصرية في باريس، ثم مديرا لأكاديمية الفنون المصرية في روما في إيطاليا، وفي كل الحالات كان يمارس أدوارا سياسية، ربما تبدو لكثيرين لا علاقة لها بالثقافة، التي كلفه بحقيبتها د.عاطف صدقي رئيس وراء مصر الأسبق منذ 21 عاما.
يكفي أن نذكر واقعة رواها د. يحيى الجمل في مذكراته حول الشاب فاروق حسني (ف. ح) الذي دخل عليه في مكتبه عندما كان ملحقا ثقافيا في السفارة المصرية بباريس، وذكر له أنه تلقى دورة تدريبية في المخابرات المصرية، لمراقبة نشاط الطلاب العرب في باريس، يومها التقطت إحدى المجلات الأسبوعية المذكرات وفكت شفرة الحرفين الأولين من الاسم، وعقدت ندوة موسعة كان طرفاها د. يحيى الجمل وفاروق حسني أو ف. ح كما جاء في المذكرات.
وكانت الرسالة المراد توصيلها من خلال الندوة أن فاروق حسني كان يسعى لحماية الطلاب العرب من الوقوع في براثن الموساد الإسرائيلي، وهناك دور كبير آخر قام به حسني عندما كان مديرا لأكاديمية الفنون في روما، عندما أخفى في الأكاديمية مجموعة من الفلسطينيين، اختطفوا السفينة أكيلي لاورو، وتدخلت مصر لإنهاء الأزمة، وكان الاتفاق أن يطير الخاطفون إلى إيطاليا، وتمت عملية تمويه كبيرة كان طرفها فاروق حسني حين دهمت القوات الإيطالية أكاديمية الفنون المصرية في روما، وفوّت عليهم حسني أو على الأمريكيين فرصة العثور على الصيد الثمين.
هنا تتشابك الخيوط لتكشف عن أي نوع من الرجال كان فاروق حسني الذي جاء من الأكاديمية المصرية في روما إلى 2 شارع شجرة الدر في الزمالك، حيث مبنى وزارة الثقافة، ووسط هذه الغابة المتشابكة كان المثقفون الذين اعترضوا على مجيء حسني إلى الوزارة، لا يعرفون لماذا جاء حسني إلى الوزارة؟ ولا يعرفون أن من قابلوه بمقالات غاضبة سيستمر على كرسيه أكثر من 20 عاما، من دون أن تزحزحه العواصف وما كان أكثرها عن موقعه. فاروق حسني الآن مرشح لأن يكون وزير ثقافة العالم إذا قدر له أن يتبوأ منصب مدير عام منظمة اليونسكو، في معركة يواجه فيها عربيا عزيزة بناني المغربية، وتلعب الأصابع الإسرائيلية ضده بشكل علني تحت ذريعة رفضه التطبيع الثقافي على مدى سنوات احتل فيها موقع الوزير الأول للثقافة في مصر.
21 عاما هو عمر وزارة فاروق حسني، فماذا قدم خلالها من إنجازات وما الذي أخفق فيه؟! هنا الإجابات تتباين فإلى التفاصيل..
يقول المترجم والناقد د. محمد عناني: أعتقد أن فاروق حسني ظاهرة جديرة بالتحية نتيجة لعدة أسباب أولها لأنه تولى الوزارة في ظروف انتقالية، أي في فترة التحول من النظام الشمولي إلى نظام السوق الحرة، ومعنى هذا أن ترفع الدولة يدها ولو جزئيا عن الأنشطة الثقافية وأن تتركها للقطاع الخاص، لكن فاروق حسني الفنان الذي يعرف أهمية دعم الدولة في مرحلة النمو والنضج للمثقفين والفنانين أصر على الحفاظ على دور الدولة وكافح كفاحا مريرا في سبيل هذه القضية، وذلك هو ما نتوقعه في دولة يتمثل جانب كبير من رأسمالها في تاريخها الفني والثقافي، فاستطاع أن يحقق المعادلة الصعبة كما يقولون أو الموازنة الدقيقة بين ما تتولاه الدولة وما يترك للقطاع الخاص، فمثلا لم تشهد مصر ازدهارا في نشر الكتب، مؤلفة كانت أو مترجمة، مثلما شهدت في عهد فاروق حسني.. إذ ان دخول الدولة بثقلها حلبة التأليف والنشر جعلها منافسا يضبط السوق ويحافظ على تدفق الثقافة الحقيقية، بل يدفع القطاع الخاص إلى مضاعفة جهوده لمنافسة ما تنتجه مؤسسات وزارة الثقافة، وأنا استخدم الجمع لأن لدينا أكثر من مؤسسة واحدة للنشر، هيئة الكتاب هي المؤسسة الأولى، وإلى جانبها هيئة قصور الثقافة وأكاديمية الفنون والمجلس الأعلى للثقافة وغيرها، أي أن دور الدولة لم يقتصر بل نما واشتد ساعده.
ثانيا: أحس فاروق حسني منذ توليه الوزارة بأنه يواجه مهمة تنويرية فعمد فيها منذ البداية إلى تنمية موارد ثقافة التنوير لمكافحة خفافيش الظلام فكان بمساعدة أعضائه خير خلف لخير سلف في هذا المجال ألا وهو ثروت عكاشة، إذ ركز الجهود في تطوير أكاديمية الفنون فأصبحت لها استوديوهاتها الخاصة، ومعاهدها الكبيرة الراقية وأصبحت تفتح أبوابها لكل المواهب إيمانا منها بضرورة الفن ودوره الحيوي في التنوير.
ثانياً: أحس فاروق حسني منذ البداية بأن مصر في حاجة إلى تدعيم الجسور مع العالم الخارجي فاهتدت قريحته إلى إقامة مهرجان دولي سنوي في القاهرة للمسرح التجريبي تؤمه الفرق العالمية وتتنافس على حضوره ويتميز بمصاحبة الندوات والكتب العلمية المترجمة لنشاط العروض المسرحية حتى أصبح المهرجان علما بين المهرجانات المماثلة في العالم، وبعد ذلك أيضا أتت قريحته بمهرجان للموسيقا العربية وأخيرا بمهرجان قومي للمسرح ومهرجان لفرق الهواة، فبث الروح في هذا النشاط الحيوي الذي ينقذ الشباب من الوقوع في هوة التطرف.
رابعا: بفضل جهود أعضاء المجلس الأعلى للثقافة استطاع إنشاء المركز القومي للترجمة وتدعيم المركز القومي للمسرح والسنيما.. إلى آخره، بحيث يعيد إلى القاهرة ريادة ثقافية كدنا نفتقدها، ولم ينس تجديد دار الكتب العريقة في باب الخلق، وعهد إلى الدكتور ناصر الأنصاري بتجديد دار الكتب والوثائق القومية في رملة بولاق على شاطئ النيل فأبدع الأنصاري وحولها إلى مكتبة عالمية يفخر كل زائر بها ويستمتع بما يراه، بل إنني رأيت السياح يؤمونها للاطلاع على بعض الكتب ويبدون الدهشة من مستوى فن إدارة المكتبات الذي تحقق، وواصل المسيرة سمير غريب، وأخيرا د.محمد صابر عرب الذي أضاف بعض الأنشطة لهذه الدار العريقة.
ويواصل د.عناني: كنت أتمنى أن يستكمل فاروق حسني كفاحه في سبيل إنصاف المترجمين، لقد نجح على مستوى الوزارة في رفع أجر المترجم وقدم اقتراحا في عام 1990 بتعديل مكافآت الترجمة ولكن غزو العراق والكويت عطل المشروع فتاه في دهاليز وزارة المالية ولم ير النور ونحن إلى الآن نتعرض لسيف معلق على رقابنا ألا وهو القرار الجمهوري لعام 1978 الذي تصر بعض الهيئات الحكومية على تطبيقه، ويحاسب المترجم على أساس أن الكلمة المترجمة بستة قروش، وحد أقصى للكتاب ألف جنيه طال أم قصر.
مراكز القوى
ويعتبر محمد أبو الغار أن الوزير فاروق حسني جاء في ظروف سيئة وأبرز إنجازاته في مجال المتاحف وتطويرها ولكن أبرز سلبياته هو تكوين بعض مراكز القوى من رجاله كنتيجة طبيعية لطول فترة بقائه في الوزارة، لكن يحسب له أنه شخصية مثقفة ومنفتحة على العالم وعلاقته وثيقة بالسلطة السياسية.
أما الشاعر عبد المنعم رمضان: فيرى أن مجرد البقاء في وظيفة سيادية مثل وزارة الثقافة هذه الفترة الطويلة هو امارة على سكون لا يمكن احتماله لأنه بالتأكيد خلال أقل من هذه الفترة سيكون قد استنفد أفكاره وقدراته، فإنجازاته خلال هذه الفترة تحسب إلى طول الفترة لا إلى مهارة الوزير، أما خطيئته الكبرى التي تمسح كل ما فعل فهي أنه حوّل الثقافة من ثقافة فعل إلى ثقافة فرجة، فميزانيات وزارة الثقافة طوال عهده استخدمت فقط في صناعة المهرجانات، والتي تتناسب مع الاستعراض والإعلانات ولم تستخدم في سبيل بناء بنية تحتية للثقافة.
ويتساءل الكاتب والسيناريست أسامة أنور عكاشة: لماذا نبحث عن الداء ونترك سببه؟ ومن الذي أبقاه طوال هذه الفترة؟ هل تتوافر في الوزير مزايا تؤهله للبقاء طوال هذه الفترة أم أنها طبيعة المناخ العام في البلاد المتخلفة التي لا تسمح باستقالة الوزير وإنما تجبره على الاستقالة؟ ولماذا لا يحال الوزير إلى التقاعد فور وصوله إلى سن الستين؟
فاروق حسني ليس الحالة الوحيدة التي تجاوزت إطارها الزمني فقد سبقه وزراء آخرون شغلوا نفس الفترة الزمنية تقريبا.
ويشير عكاشة إلى أن أكبر سقطات فاروق حسني إهماله المتعمد للمسرح معتبرا أن المسرح مشكلة صناعه، ناهيك عن الثقافة الجماهيرية التي تعامل معاملة ابنة البطة السوداء برغم أهميتها في توصيل المد الثقافي لكل فئات مصر الاجتماعية، وقد تراجعت الثقافة الجماهيرية منذ رحيل الرئيس جمال عبد الناصر والتي تولاها بالرعاية الدكتور ثروت عكاشة باعتبارها من دعائم البنية الثقافية الأساسية.
العزلة الثقافية
ويؤكد الكاتب الصحافي صلاح عيسى رئيس تحرير جريدة القاهرة أن طول هذه الفترة الزمنية حدثت إنجازات كبيرة منها إعادة المثقفين المصريين الذين هاجروا خارج مصر إلى الوطن بفضل جهود فاروق حسني التي تتماشى مع السياسة العامة للدولة، كما أنه نأى بالوزارة عن أن تكون وزارة حزبية لا تتعامل مع المعارضين لنظام الحكم ولا تنشر أعمالهم في إصدارتها، وتحرمهم من المشاركة في أنشطة الوزارة الثقافية كما حدث في الفترة السابقة عليه، ووضع قاعدة أن الوزارة لا تتعامل على أساس حزبي مع المبدعين والموهوبين والمثقفين، ولذلك حصل كثير من المثقفين في عهده على جوائز الدولة بفضل ترشيح إحدى هيئات وزارة الثقافة لهم وهي أكاديمية الفنون التي لها حق الترشيح لجوائز الدولة، ومن أبرز هذه الأسماء: لويس عوض، ويوسف إدريس، وعبد الرحمن الشرقاوي، وآخرون، وهناك المشروع القومي للترجمة الذي ترجم أمهات الكتب في الثقافات الإنسانية خلال عشر سنوات، وأخيرا استقل عن المجلس الأعلى للثقافة، تحت مسمى المركز القومي للترجمة.
كما أنه في عهد فاروق حسني يقول صلاح عيسى تم كسر العزلة الثقافية لمصر من جانب الأشقاء العرب وأصبحت تقام مهرجانات ومؤتمرات يشارك فيها المثقفون العرب، في حين أنه في عهد السادات تخلت الدولة عن الثقافة مثل السينما تحت ذريعة أن الدولة لديها مشاكل اقتصادية ومالية ولا تستطيع معها الإنفاق على الثقافة، وعلى الثقافة أن تبحث عن موارد بديلة.
ومن أبرز أعمال فاروق حسني الضخمة جهوده في إعادة ترميم الآثار الفرعونية والقبطية والإسلامية التي كانت تعرضت للتصدع عقب زلزال أكتوبر/ تشرين أول 1992 وتم ترميم الكثير منها، ويدخل في هذا السياق الكلام لصلاح عيسى مشروع القاهرة التاريخية وإحياء معالم القاهرة الإسلامية والحفاظ على شارع المعز لدين الله، ومعظم هذه الآثار قد تصدع وتحول عدد كبير منها إلى مساكن عشوائية ومحلات تجارية وهذا تطلب تهيئة مساكن بديلة للسكان واستطاع فاروق حسني توفير ذلك.
أما أنه رسخ فكرة القيمة الاستعمالية للآثار بمعنى أنه لا يكتفي بترميم الأثر لكي يكون مزارا سياحيا، وإنما لكي يكون مركزا لنشاط ثقافي كبير مثلما حدث في بيت الأمة سعد زغلول، وبيت طه حسين، وقصر الأمير طاز، وقصر محمد علي، وغير ذلك من الأماكن التي تحولت إلى مؤسسات ثقافية فضلا عن قيمتها التاريخية لكي تكون مراكز إشعاع ثقافي بدلا من أن تكون مخصصة للفرجة من قبل السياح.
ويواصل صلاح عيسى: ناهيك عن مشروع المتاحف الضخمة والاستفادة من مخزون المتاحف لإنشاء متاحف نوعية مثل متاحف التحنيط ومتاحف الخزف، كما قام فاروق حسني بإعادة صياغة متحف الفن الإسلامي بدلا من أن يكون مخزنا للأبواب والنوافذ الخشبية الإسلامية.
كما أنشأ متاحف لشخصيات ثقافية معاصرة مثل متحف أم كلثوم ومتحف الموسيقا العربية محمد عبد الوهاب.
ميراث فرعوني
ويرى د.عاصم الدسوقي أستاذ التاريخ الحديث في جامعة حلوان أن فاروق حسني يعد أصلح وزير للثقافة في مصر.. مستدركا: ليست لي مصالح معه لأنه فنان والفنان عادة يحتاج إلى الحرية في الإبداع دون قيود لهذا هو لم يأخذ موقفا ضد كل ألوان الثقافة وترك المثقفين يبدعون كما يشاؤون دون أن يقف ضدهم لأنه فنان ويقدر قيمة الحرية وهذا في نظري أحد أسباب استمراره.
يقول الدسوقي: لكي تتضح الصورة علينا تأمل تجربة الوزراء الذين سبقوه وكانوا يؤثرون على المناخ الثقافي بطبيعة تخصصهم، فعندما تولى الدكتور أحمد هيكل، أستاذ الأدب العربي في كلية دار العلوم، حقيبة الثقافة غلب على سياسية الوزارة الطابع السلفي، في حين كان الدكتور محمود الشنيطي خير من أدار هيئة الكتاب ودار الكتب لأنه أستاذ مكتبات ولم يكن لديه موقف تجاه إدارات دار الكتب وأنشطتها المختلفة وكافة إصداراتها، وعندما تولاها الدكتور عز الدين إسماعيل أعطى الاهتمام الأكبر للثقافة اللغوية والعلوم العربية، وعندما تولاها صلاح عبد الصبور انحاز إلى جانب الشعر، وعندما تولاها سمير سرحان اهتم أكثر بالترجمة بحكم طبيعة تخصصه، وكان من الممكن أن ينحاز فاروق حسني إلى الفن التشكيلي باعتباره فنانا تشكيليا ولكنه لم يفعل وترك المجال لكل التيارات، لكي يبرز من يبرز ويسقط من يسقط من تلقاء نفسه، ودون محاربة من الوزارة.
ويؤكد د.عمار علي حسن أنه من الطبيعي أن يبقى فاروق حسني في منصبه أكثر من اللازم، طبقا لمعايير التعديلات الوزارية في بلادنا، بالرغم من تورطه في قضايا مشهورة نظرت أمام المحاكم وأدين فيها مثل حريق مسرح قصر ثقافة بني سويف، وزلة لسانه حول الحجاب، وقضية منع الروايات الثلاث بهيئة قصور الثقافة، وأخيرا التطبيع مع إسرائيل من أجل الفوز بمنصب اليونسكو وواقعة واحدة من هذه الوقائع كانت كفيلة بالإطاحة به كما حدث مع وزراء آخرين في مجالات أخرى، وبالرغم من ذلك استمر فاروق حسني في موقعه، فهل كان استمراره لأنه قدم إنجازات غير مسبوقة أم أن هناك أسبابا أخرى؟
ومثلما تراجع الدور السياسي لمصر يقول د.عمار منذ توقيع اتفاقية كامب ديفيد تراجع أيضا الدور الثقافي لمصر باعتبارها الدولة الأقدم في المنطقة نتيجة لعدم وجود خطة شاملة للنهوض بالثقافة المصرية.
أما الناقد السينمائي محمود قاسم فيؤكد أن وزارة الثقافة تحولت في عهد فاروق حسني إلى وزارة المهرجانات بامتياز ولا يوجد مشروع ثقافي حقيقة، وذهبت جوائز الدولة إلى من لا يستحق وانهارت السينما رغم المهرجانات السينمائية الكبيرة وانهار المسرح رغم مهرجانات المسرح المتعددة.
وفشل مشروع مكتبة الأسرة لأنه لم ينتج كتبا تصلح للقراءة وتحول المجلس الأعلى للثقافة إلى مجلس عائلي يتم التعيين فيه طبقا لدرجة القرابة ومستوى الترجمة سيئ للغاية، ناهيك عن الأسماء القيادية التي تحتفظ بمناصبها حتى الموت فضلاً عن الأموال المهدرة في مشاريع مثل مشروع جهاز التنسيق الحضاري للحفاظ على الطابع الجمالي للمدن لكن للأسف تزداد القاهرة قبحا يوما بعد يوم.