فخري لبيب كاتب ومترجم مصري من مواليد العام 1928 حصل على الدكتوراه في الجيولوجيا العام 1987 وبدأ العمل في الترجمة منذ العام ،1958 حيث تنوعت ترجماته بين الكتب الأدبية والفكرية والسياسية، ومن أهم أعماله المترجمة رباعية الإسكندرية، لواريل، وعريان بين الذئاب، والمسلم الصالح والمسلم الطالح، ومن أعماله الإبداعية رواية الجبل وأنا، ومن مجموعته القصصية: الأيدي الخضراء، وكنز الدخان.

كتب لبيب سيرته الذاتية مؤخرا بعنوان المشوار وكان لنا معه الحوار التالي:

طفولتك، هل كان لها أثر في تكوينك الثقافي والأدبي؟

- الطفولة تشكل جزءاً أساسياً من هذا الماضي وتؤثر تأثيراً كبيراً في تكوين السمات الخاصة لكل كاتب أو فنان، فمن هذا الماضي الموغل في الذاكرة الواعية وغير الواعية تنهض عدة عناصر مهمة لتفرض حضورها الكيفي على عمل الكاتب بحيث تتجلى لديه على نحو أو آخر لا يمكن التنبؤ به قبلاً، وتظهر الطفولة أحياناً على شكل استرجاعات يمنح منها الكاتب شخصياته بوعي فني ليصوغها وفقاً لإدراكاته المستجدة موظفاً إياها لتخدم نظرته الحالية بما يتلاءم والنص الإبداعي الذي يصوغه.

احتلت مرحلة الطفولة مساحة كبيرة في سيرتك الذاتية التي صدرت مؤخرا بعنوان المشوار فما الذي تراه في الطفولة؟

- نشأت في أقصى صعيد مصر (سوهاج) وكان والدي معاون محطة قطار الصعيد، وانتقلنا إلى محافظتي أسيوط والفيوم وتنقلت بين بيئات مختلفة وليست متماثلة، وكان والدي يصطحبني في عمله واكتشفت على محطة القطار عوالم لم تكن متاحة لآخرين من جيلي، فرأيت جميع طبقات المجتمع المصري بكل فئاته والجنود الإنجليز الذين كانوا يمرون في المحطة، وعلية القوم الذين كان يستضيفهم والدي في مكتبه، ورأيت موجات الهجرة المستمرة من الإسكندرية والقاهرة إلى الأقاليم هروباً من الغارات الجوية في الحرب العالمية الثانية وأحيانا يكتشفون أن أهاليهم قد رحلوا أو أنهم يفتقدون الأهل فنشأت عشوائيات حول المحطة واطلعت على أحوالهم وطعامهم وثقافتهم، ما أمدني بذخيرة من الأفكار للكتابة.

هل هناك شيء أخفيته في سيرتك الذاتية؟

- نعم لم أذكر أن جدي كان يعمل خراطاً في السكة الحديد حتى لا تغضب العائلة.

هل صحيح أن المذكرات التي لا تدين صاحبها لا يعول عليها؟

- أنا لم أخطئ حتى أدعي بطولة زائفة ومن ثم أدين نفسي، كنت مستقيماً في تعاملاتي مع أهلي وأصدقائي وكنت مخلصاً لأفكاري واتجاهاتي السياسية فلم أهزم ولم أتراجع ولم أخضع.

ما سر انتمائك للفكر الاشتراكي؟

- في العام 1943 اجتاح مرض الملاريا مديرية أسوان وكان هناك ضحايا كثيرون وقد عومل المصريون بازدراء وإهانة بالغة، وخاصة طبقة الفلاحين الفقراء حيث سرق المشرفون على توزيع الأغذية والأمصال حصص الفلاحين من الغذاء والكساء والدواء فهلك الكثيرون وعندئذ أدركت أن هناك مصريين يفتقدون إلى الوطنية بدليل أنهم يقتلون أبناء جلدتهم فتحولت إلى الفكر الاشتراكي.

لك مساهمات كثيرة في حقل الترجمة الأدبية هل يؤثر ذلك في نصوصك بوصفه وعياً مكتسبا؟

- بالتأكيد علمتني الترجمة درساً كبيراً في عملية القراءة وأهمية الإصغاء الكلي للآخر حتى آخر كلمة وهذا درس إضافي في الاحترام، فالمطلوب فهم أسلوب الآخر كي يعبر عن هذا الرأي.

إن الدخول في عملية الترجمة والانغماس الكامل في السطور بكلماتها المتضمنة لأكثر من بديل لها بالعربية، يحملك بوعي كبير جداً، فالتدقيق طويلا في كل فقرة تكتبها مطلوب، حتى تشكل من خلالها نصك الخاص.

ترجمت مؤخرا كتاب المسلم الصالح والمسلم الطالح لماذا هذه الثنائية؟

- الكتاب صرخة في وجه الهيمنة الأمريكية وتصنيفها الدائم للشعوب وفق مصالح القوة الأمريكية الطاغية ونفوذها، ففي فترة الحرب الباردة استعملت الخطاب الأيديولوجي لينقسم الناس عندها إلى معسكر الشر، من نوعية الاتحاد السوفييتي والدول المتهمة باليسارية في إفريقيا وأمريكا اللاتينية، ومعسكر الخير والذي يضم الموالين الذين عاونوها في معاركها، وفي فترة تالية تنقلب على هؤلاء لتضعهم في معسكر الشر.

هل تعتقد أننا في وضعية تسمح بالحوار مع الآخر؟

- محاورة الآخر تعني الاعتراف به لأنه لا يوجد الآخر في مخيلة الذين يفرضون الوصاية على الآخرين والذي يضع الآخر في ذهنه يؤمن بالحوار الذي يفتح آفاقا واسعة للتطور وفرص التعامل بين البشر، والاعتراف بالآخر يعد ركنا جوهريا من أركان الديمقراطية وعدم الاعتراف بالآخر يخلق بيئة مواتية للإرهاب لأن فرض الرأي بالقوة على الآخر، يدمر المجتمعات والبشر.

ما سبب ندرة فن السيرة الذاتية في الأدب العربي؟

- لأنه سباحة ضد التيار، فالواقع العربي مليء بالمحاذير وهذا الفن يحتاج إلى نوع من الصدق مع النفس حتى نستطيع الكتابة عنها وهذا غير موجود في الثقافة العربية.

تم اعتقالك أكثر من مرة، ماذا تعلمت من تجربة السجن؟

- علمني السجن عدم الخوف والشجاعة في مواجهة الموت والأمل والثقة في المستقبل، وأمدتني تلك التجربة بالصلابة في مواجهة عقبات الحياة، وقد تم اضطهادي في الكثير من الوظائف التي توليتها ورغم ذلك استطعت الانتصار على أعدائي.

ترجمت رباعية الإسكندرية رغم أنها تسيء إلى مصر لماذا؟

- أنا مولع بترجمة كل ما يكتب عن مصر خاصة إذا كان من عيون الأدب العالمي ومن حق المصريين أن يطلعوا على ما يكتب عن وطنهم، وداريل كاتب عنصري يكره المصريين، فالمصري عنده إما أسود أو أعور أو أعرج أو طباخ أو خدام أو بواب لكنه أديب صاحب قلم كبير، وقد وصف الإسكندرية التي تعد امتدادا لأوروبا ويسكنها اليونانيون والإيطاليون والإنجليز ولكن عندما يتطرق في وصفه إلى الأحياء الشعبية تظهر عنصريته الفجة.