(1)
لا تعرف الثقافة العربية الأدب البوليسي أو الرواية البوليسية بالمعنى الاصطلاحي لهذه الكتابة التي وجدت لها سوقاً رائجة في الغرب، حيث فعل القراءة هناك هو نوع من أنواع التسلية أو الترفيه إلى جانب بالطبع القيمة الثقافية والمعرفية العميقة للقراءة في مجتمعات تعتبر الكتابة من الأولويات اليومية في الحياة العامة . ولذلك فالغربي يقرأ لكي يوسع من أفق وعيه، ويقرأ ليتثقف، ويقرأ لأنه لا بد أن يقرأ، ثم يقرأ لأنه تدرب أو تربى على فعل القراءة في العائلة وفي المدرسة وفي الجامعة، وربما، أخيراً يقرأ الغربي لكي يتسلى، وفي الرواية البوليسية على وجه الخصوص يلجأ كتّاب هذا النوع من الروايات إلى إشاعة جو من الإثارة والغموض والتلغيز ثم فك هذا الغموض في نهاية الأمر، وهناك في أغلب الأحيان جريمة وقاتل ومحقق . . هناك أيضاً جو من الجاسوسية التي هي في مثل هذه الكتابة وجه آخر للبوليسية، أي أن كاتب الرواية البوليسية هو في الواقع سينمائي شبه احترافي، فهو يضع أكثر من سيناريو، أو يضع السيناريوهات الأكثر تشويقاً للقارئ الذي يجد نفسه مشدوداً إلى الكتاب من أوله إلى آخره وكأنه يتابع فيلماً سينمائياً يقوم هو في أثناء القراءة باختراع أشكال وهيئات وصور أبطال الرواية البوليسية التي تعبر في الكثير من الأحيان عن بيئتها الاجتماعية والثقافية في أوروبا والغرب الذي يبحث دائماً عن وسائل أدبية وإعلامية وإعلانية أحياناً ليعمل على إخراج هؤلاء القراء من الملل، ونقلهم من حياة عملية مادية صناعية إلى نوع من الخيال الذي يعمل على إعطاء هذا القارى شيئاً من الاسترخاء بعد الشد والتوتر واللهاث اليومي في مطحنة الإنتاج والاستهلاك، وبكلمة ثانية تبدو قراءة الرواية البوليسية في الغرب أقرب إلى استهلاك مادي آخر، ولكن عبر القراءة .
لكن . . هل حقاً أن الرواية البوليسية تنحصر فقط في هذه الوظيفة الترفيهية، أي إن قراءتها هي قراءة الفائض عن الحاجة المعرفية الأصلية . .؟ السؤال يحتاج إلى إجابة موسعة، ولكن تحت هذا التساؤل هناك عمق آخر لهذا النوع من الروايات وهو في جانب منه التأكيد على السوبرمانية الغربية وطمأنة المجتمع الغربي إلى هذه القوة الراكزة في ثقافته، وإذا أردنا أن نستخدم خيالاً أوسع في هذه الفكرة بالذات، فإن الأدب البوليسي الغربي قد تكون واحدة من وظائفه توجيه رسائل غير مباشرة إلى القارئ العربي أيضاً الذي يقرأ هذا الأدب بولع لا يقل عن ولع الغربيين به، أما الرسائل غير المباشرة هذه فهي قد تكون تمريرية في طابعها العام، بمعنى، تمرير فكرة التفوق والسوبرمانية الغربية إلى العقل العربي المسكون أصلاً بثقافة الخوف وثقافة البوليس نفسه في بعض البلدان الشمولية أو ما تسمى الديكتاتورية، وبكلمة ثانية، سيجد بعض القراء العرب أنفسهم أسرى الانبهار الكلي بالنموذج البوليسي الغربي بل والخوف الكلي أيضاً من هذا النموذج .
طبعاً، هذه فرضية قد تكون ليست صحيحة، ولكن إذا كانت ليست صحيحة، فلماذا كل هذا السيل من الأدب البوليسي الغربي الذي وصل إلى العرب مترجماً بلغة ميسرة شبه صحفية في مباشريتها ووضوحها الذي يستقطب قارئاً لا يحب القراءة أصلاً، ومرة ثانية يجد القارئ العربي للرواية البوليسية الغربية أنه مرة ثانية كالغربي مشدوداً إلى سينما الجريمة ولكن في كتب أو في روايات .
أما لماذا العرب لا يكتبون رواية بوليسية بالحضور الذي هي عليه في الغرب، فقد يعود ذلك أولاً، وكما يقال دائماً، أن العرب شعب شعر في الأساس، وليسوا شعب روايات، حتى إن فن الرواية بشكله المعاصر هناك من يعتبره فناً من الفنون الجديدة على العرب، هذه نقطة . . أما النقطة الثانية، فهي ربما أن العرب لا يكتبون الروايات البوليسية لأن التاريخ في حد ذاته هو أقرب إلى المزاج الروائي العربي، ومن هذه النقطة فقد نفسر ولعنا بقراءة كاتب مثل جورجي زيدان قبل أكثر من خمسين عاماً، لكن الغريب حقاً في نموذج هذا الكاتب الروائي التاريخي أن جزءاً ما من نسيج روايات زيدان يقوم على جانب بوليسي . . الجريمة أيضاً موجودة في الكثير من الروايات التاريخية العربية، وجو التلغيز والغموض أيضاً موجود هو الآخر في بعض هذه الروايات، ولكن تبقى كل هذه الإشارات في صميم العمل الروائي التاريخي العربي مفاصل عابرة في الرواية على أهمية هذه المفاصل التي تعطي الرواية شيئاً من التشويق، أو مرة أخرى شيئاً من روح السينما التي تقوم على أبطال سوبرمانين حتى لو جاءوا من منطقة التاريخ، وليس من منطقة البوليس .
نقطة ثالثة، وهي أن العربي بطبعه حالم ورومانسي وفي أعماقه ينفر من الجريمة ومن ثقافتها السوداء، ثم إن العربي هو ابن بيئة صحراوية زراعية حضرية أو ريفية، وليس ابن بيئة صناعية كما هو حادث في الغرب، ومن المعروف أن الأدب البوليسي من حيث نشأته هو أدب الغرب الصناعي المادي في مفرداته وفي مباشريته أو في وظيفته، وهكذا، من أين للكاتب العربي مثل هذه الظروف ليكتب من مناخاتها، والأهم من ذلك، من أين للكاتب العربي أن يتحصل على قارئ متخصص . . يقرأ في مطبخ بيته وعلى سرير نومه وفي الحافلة وعلى شاطئ البحر لكي تصبح الكتابة البوليسية ظاهرة أدبية كما هو حاصل في الغرب؟
نقطة أخيرة، يعتقد بعض القراء العرب أن الرواية البوليسية محكومة إلى المبالغة أحياناً، ويرى هؤلاء القراء أن وقائعها متخيلة وليست حقيقية، وبالتالي، هو يريد مادة أكثر إقناعاً بالنسبة إليه، وأعتقد أن الشعر الذي هو ديوان العرب هو المادة الأكثر أو الأسرع توجهاً إلى قلب القارئ العربي ووجدانه، وكأنه في هذا الشعر يمتلك طمأنينة جمالية ومعرفية أيضاً تغنيه كلياً عن النموذج الروائي البوليسي القادم من الغرب، والغرب كما نعرف هو بالنسبة لنا آخر وليس كل ما يأتي من هذا الآخر يبعث على الطمأنينة .
(2)
الناقد الأدبي المتخصص ، والذي قرأ النتاج الشعري الإماراتي خصوصاً في الأعوام العشرين الأخيرة لا بدّ أنه سينصف هذا النتاج إذا وضعه في سياقاته الفنية والاسلوبية والفكرية ليقول لنا هذا الناقد - على سبيل المثال- إن العقدين الأخيرين في الإمارات كرّسا حساسية شعرية جديدة بمعنى الكلمة، وإن هذه الحساسية الشعرية - والعبارة هنا أقرب إلى مصطلح أطلقه شعراء مصر السبعينيون - تختلف في بنائها العام عن حساسيات شعرية عربية ظهرت في لبنان والعراق ومصر وسوريا على سبيل المثال، ومن الطبيعي أن تختلف هذه الحساسيات الشعرية تبعاً لبيئة النص الشعري الذي يتم إنجازه في منطقة هنا وفي منطقة هناك، وفي منطقة الخليج العربي، نقول بثقة إن هناك قوساً من الكتابة الشعرية فعلاً لها مذاقها الخاص .
منذ نحو شهرين دأب الخليج الثقافي على تقديم رؤية نقدية في النتاج الشعري الإماراتي بكل تلويناته القائمة على ثلاثة أشكال معروفة جيداً في الإمارات، وهي: قصيدة العمود الخليلي، وقصيدة التفعيلة، وقصيدة النثر، وهي معاً شكّلت في السنوات الأخيرة ملامح هذه الحساسية التي يمكن أن يعاينها بسهولة قارئ محترف أو ناقد محترف، ولقد نهضت هذه الحساسية على نتاج شعراء وشاعرات عرف صوتهم الإبداعي خارج الإمارات، وتم نقل بعض نتاجهم الشعري إلى بعض اللغات الحية في العالم، ومن هؤلاء حبيب الصايغ، وظبية خميس، وأحمد راشد ثاني، وعارف الخاجة، وسالم الزمر، وعبدالله الهدية، وعبدالعزيز جاسم، وخلود المعلا، والهنوف محمد، وعادل خزام، وثاني السويدي، وأحمد العسم، وإبراهيم الملا . . على سبيل المثال لا الحصر . فهناك شعراء وشاعرات في الإمارات من جيلي الثمانينيات والتسعينيات، هم بالفعل أصحاب رؤى وأداء إبداعي يُنطبق عليه اصطلاح الحساسية الجديدة، ولكن مرة ثانية وثالثة ورابعة، نحن ننفخ في قربة مثقوبة عندما نقول إن النقد الأدبي غائب في الإمارات، وبما أنه غائب فلماذا لا تنظم المؤسسات الثقافية المحلية مؤتمرات أو ملتقيات نقدية دورية لا تهتم بالشعر فقط، بل وتضع هذه الملتقيات النصوص القصصية والروائية في مختبر الكتابة النقدية، وهذه ليست المرة الأولى التي يشير فيها كاتب هذه السطور إلى ضرورة فتح قنوات اتصال بين الابداع الإماراتي وبين النقد الأدبي العربي، وليكن، مرة ثانية وليتها الأخيرة، أن تقوم مؤسسة ثقافية معنية بالإبداع الإماراتي بحمل هذا الابداع إلى ورشات نقدية مجاورة في بلدين مهمّين على صعيد النقد الأدبي، وهما مملكة البحرين، والمملكة العربية السعودية . . في البحرين يلمع اسم الناقد الدكتور والشاعر علوي الهاشمي، وفي السعودية يلمع اسم د . عبدالله الغذامي، ومعجب الزهراني، وسعيد السريحي، هذا الثلاثي النقدي الذي صنع حراكاً غنياً باللغة النقدية والنقد الثقافي وهو المفهوم الذي يشدّد عليه د . الغذامي على وجه الخصوص .
في الإمارات نقّاد إماراتيون إلى جوار أقرانهم وأصدقائهم النقّاد العرب، ولكن مع التقدير الكبير فعلاً لجهد هؤلاء، فإن الإمارات لم تشهد حتى الآن فضاء نقدياً أدبياً يوازي حجم الإبداع الإماراتي الشعري تحديداً، هذا الإبداع الذي، كما اتفقنا يمتلك حساسية جديدة، وبعبارة ثانية، أين الحساسية النقدية الأدبية في الإمارات في مقابل الحساسية الشعرية الجديدة التي أرساها عدد كبير من الشعراء والشاعرات في الإمارات التي تشهد في السنوات الأخيرة نمواً ثقافياً واسعاً لا نجد مثيلاً له في بعض مراكز الثقافة العربية التي احتكر بعضها إطلاق نجوم الشعر بشكل خاص، وكما يقال إن شجرة واحدة يمكن أن تُخفي غابة، هناك أيضاً وبالمقياس نفسه نجم واحد يمكن أن يخفي مجرّة بأكملها . ولكن يحدث مثل هذا الغُبن عادة في حالة غياب النقد الأدبي الذي من شأنه أن يرسم ملامح الشجرة، كما يرسم ملامح الغابة، وأيضاً، يرسم ملامح النجم الشعري في مداره وفي مجرّته الإبداعية العامة التي يسبح فيها هذا النجم .
مرة أخرى، من السهل أن نفكر في آليات ثقافية عملية تقوم على ورشات نقدية تحملها ملتقيات أدبية يُدعى إليها عدد من رموز النقد الأدبي في الوطن العربي في إطار مهمة ثقافية واضحة الملامح وهي قراءة مجموعات شعرية إماراتية يتم ترشيحها لهذه الورشات ولهذه الملتقيات التي نأمل هنا أن تكون فعاليات سنوية دورية (أو حتى مرة كل عامين)، ذلك بأن النقد الأدبي يحتاج إلى مادة متراكمة لكي تكون القراءة النقدية متجهة إلى رصد ظواهر فنية وجمالية وغير ذلك من الظواهر التي يعرفها أهل الاختصاص في النقد الأدبي .