العلم من أجل نعم الله على عباده، مدحه الله، وكرم أهله، وأجزل لهم العطاء، ورفع لهم الدرجات، يقول الله عز وجل في سورة المجادلة: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير)، ويقول تعالى: (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب)، وفي السنة أحاديث كثيرة يبين فيها رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم فضل العلم ومكانة العلماء، وروى البخاري ومسلم عن أبي موسى رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء وأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس، فشربوا منها وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة أخرى منها إنما هي قيعان لا تمسك ماء، ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله تعالى ونفعه ما بعثني الله به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به .

ومن يسر الله له طريق العلم فقد أراد به خيراً كما في الحديث الذي يرويه الشيخان في صحيحيهما عن معاوية رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، ورواه الطبراني في الكبير ولفظه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يا أيها الناس إنما العلم بالتعلم والفقه بالتفقه ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، وإنما يخشى الله من عباده العلماء، وروى الطبراني في الأوسط عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فضل العلم خير من فضل العبادة وخير دينكم الورع .

الطريق إلى الجنة

وروى مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا حفتهم الملائكة، ونزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه .

وروى ابن حبان في صحيحه عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض، حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد، كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر .

وانظر إليه صلى الله عليه وسلم يرحب بطالب العلم ويبشره، كما ورد في مسند أحمد وصحيح ابن حبان عن صفوان بن عسال المرادي رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد متكئ على برد له أحمر، فقلت له: يا رسول الله، إني جئت أطلب العلم، فقال صلى الله عليه وسلم: مرحبا بطالب العلم، إن طالب العلم تحفه الملائكة بأجنحتها، ثم يركب بعضهم بعضاً حتى يبلغوا السماء الدنيا من محبتهم لما يطلب .

وروى الطبراني في الكبير بإسناد لا بأس به عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من غدا إلى المسجد لا يريد إلا أن يتعلم خيرا أو يعلمه كان له كأجر حاج تاما حجته، وروى ابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من جاء مسجدي هذا لم يأته إلا لخير يتعلمه أو يعلمه فهو بمنزلة المجاهدين في سبيل الله ومن جاء بغير ذلك فهو بمنزلة الرجل ينظر إلى متاع غيره، وروى الترمذي عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع .

أجر العالم

وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له، وقد صح عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: سبع يجرى للعبد أجرهن وهو في قبره بعد موته من علم علما أو كرى نهرا أو حفر بئرا أو غرس نخلا أو بنى مسجدا أو ورث مصحفا أو ترك ولدا يستغفر له بعد موته .

والعالم العامل مغبون على علمه، كما جاء في البخاري ومسلم عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها، وروى ابن ماجة عن سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من علم علماً فله أجر من عمل به لا ينقص من أجر العامل شيء .

والعلم ميراث الأنبياء، والعلماء هم ورثتهم، وانظر إلى فعل أبي هريرة رضي الله عنه حين مر بسوق المدينة فوقف عليها فقال: يا أهل السوق ما أعجزكم؟، قالوا: وما ذاك يا أبا هريرة؟، قال: ذاك ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم وأنتم ها هنا، ألا تذهبون فتأخذون نصيبكم منه، قالوا: وأين هو؟، قال: في المسجد، فخرجوا سراعاً، ووقف أبوهريرة لهم حتى رجعوا فقال لهم: ما لكم؟، فقالوا: يا أبا هريرة قد أتينا المسجد فدخلنا فيه، فلم نر فيه شيئاً يقسم، فقال لهم أبوهريرة: وما رأيتم في المسجد أحداً؟، قالوا: بلى رأينا قوماً يصلون، وقوماً يقرؤون القرآن، وقوما يتذاكرون الحلال والحرام، فقال لهم أبوهريرة: ويحكم فذاك ميراث محمد صلى الله عليه وسلم .