د. عارف الشيخ

سنَّ الإسلام للمسلمين أن يستثمروا أموالهم لمصلحتهم حتى بعد موتهم، حيث ينقطعون عن العمل، ويرحلون إلى الدار الآخرة، وهي دار الجزاء، والوقف والوصية شُرعا لمثل هذا الموقف، لأنهما من أعمال البر التي لا تنقطع بالموت، ما داما صالحين للانتفاع بهما.
يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إن الله تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم زيادة لكم في أعمالكم»، (رواه ابن ماجه) ومن أجل ذلك، فإن الصحابة، رضوان الله عليهم، كانوا أول من استجابوا لدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم، وبادروا بأوقافهم في حياتهم ابتغاء مرضاة الله، عز وجل، ورغبة في استمرار برّهم وحسناتهم بعد موتهم.
والأجمل أنهم خصصوا لأوقافهم كرائم أموالهم، ولم يتصدقوا بما لا يحبون منها، بل بما تصدقوا يحبون تنفيذاً لقول الله تعالى: (لن تنالوا البرَّ حتى تنفقوا مما تحبون)، {آل عمران / 92}، وللحديث الوارد عن أبي طلحة الأنصاري، رضي الله عنه، أنه عند نزول هذه الآية جاء إلى الرسول، وقال: يا رسول الله إن أحب أموالي إليَّ بَيْرُحاء: وإنها صدقة لله، أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، فقال عليه الصلاة والسلام: بخ بخ ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، وقد سمعت ما قلت، وإني لأرى أن تجعلها في الأقربين، قال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه (رواه البخاري).
فما فعله أبو طلحة وقف، لأنه نفّده في حياته، وفي رأيي أن الوقف أفضل من الوصية، لأن الوقف مُنجز (أي ينفذه الإنسان في حياته)، فيطمئن أنه وصل إلى الموقوف عليهم، بخلاف الوصية، فإنها معلقة بالموت، وبعد موته لا يضمن أن ينفذ أولاده وصيته، فكثيراً من الوصيّات تعثرت بسبب الورثة الذين لا يخافون الله، ولا يراعون حق والدهم.
أقول: ويذكر الإمام أبو زهرة، رحمه الله، في كتابه «أحكام الوقف» أن الإمام الشافعي، رحمه الله، كان يسمي الأوقاف «الصدقات المحرّمات»، وذكر الشافعي أن ثمانين صحابيّاً من الأنصار تصدقوا بصدقات محرّمات (انظر كتاب الوقف لأبي زهرة ص 54).
ويقول الدكتور أحمد الحداد مدير إدارة الإفتاء بالشؤون الإسلامية في دبي: «الحاجة تدعو إلى الوقف لأن المسلم يريد أن ينفع نفسه بعد موته بجريان الثواب عليه، أو يحرص على أن ينفع ورثته بما كسبه من عقار ونحوه، بما يسمى الوقف الذُرّي أو الأهلي، خشية ألا يحسنوا التصرف بما يتركه لهم من عقار وغيره، ولا سيما إذا كان فيهم ضعيف النظر في العواقب والمآلات». (انظر كتاب من فقه الوقف ص 23-24).
نعم.. وإنني رأيت بعض الأبناء يتحايلون على آبائهم، فيأخذون منهم توكيلاً في إدارة الأموال، وبعد فترة يتمكنون من مال الوالد، فيحرمونه من التصرف في ماله، وبذلك يخرج من الدنيا من غير وقف ولا وصية.