قال علماء أمريكيون إنهم اكتشفوا السبب الذي يجعل حواس الانسان الاخرى تزداد قوة إذا فقد البصر. وأوضح هؤلاء أن الدراسة، التي أجروها على عدد من المتطوعين، أظهرت أن فقدان البصر الفجائي والتام يؤدي إلى تغيرات سريعة في جزء من القشرة الخارجية للدماغ (visual cortex).
أجرى الدكتور ألفارو باسكوال ليون، الذي أعدّ الدراسة من مركز بيرنسون ألن وكلية الطب في جامعة هارفارد تجربة على 47 شخصاً حيث قام بتعصيب عيني نصف هؤلاء لمدة 24 ساعة يومياً لفترة خمسة أيام كانوا خلالها يخضعون لمراقبة دائمة من قبل موظفين طبيين. ثم قام بتعصيب عيني النصف الآخر من المجموعة خلال فترة الفحص فقط.
وقد طلب من أفراد المجموعتين تنفيذ مهمات محددة باستخدام طريقة بريل للكتابة والقراءة عند المكفوفين لمدة 6 ساعات يومياً.
وتبين من الدراسة التي نشرت في مجلةPLOS One أن الاشخاص الذين تم تعصيب أعينهم بشكل كامل لفترة خمسة أيام كانوا أسرع في تعلم القراءة والكتابة حسب طريقة بريل من نظرائهم الذين عصبت أعينهم خلال فترة الفحص فقط وذلك بعد أخذ صور لهم بالرنين المغناطيسي وإجراء مسح دماغي لهم. كما تبين أن القشرة الخارجية للدماغ كانت نشطة جداً خلال هذه التجارب.
ولا يعتبر تعويض الحواس أمرا جديدا، فحاسة اللمس تعوض عن حاسة البصر بالنسبة للعميان عبر نظام بريل للقراءة. وعن طريق دق عصا على الأرض يستطيع الأعمى أن يتصور درجة للسلالم، أو بركة ماء.
وقبل أكثر من ثلاثين عاما قام الدكتور بول باخي ريتا عالم الأعصاب في جامعة ويسكونسن بتطوير أول جهاز لتبديل حاسة مكان أخرى من خلال تحويل الصور المرئية التي تلتقطها كاميرا موضوعة فوق الرأس، نحو شريط مثبت على جلد ظهر المريض. وكان بإمكان المرضى أن يروا أجساما كبرى وشموعا مترجرجة من خلال ظهورهم. واتضح أن اللسان المتميز بحساسيته العالية وسهولة الوصول إليه هو أفضل مكان لوضع حواس بديلة.
ويعتمد تعويض حاسة بأخرى على مبدأ أن جميع المعلومات الحسية التي تدخل إلى الدماغ تحمل أنماطا تحملها ألياف عصبية. وفي عملية الإبصار تمر صور العالم من خلال الشبكية ثم يتم تحويلها إلى نبضات تنتقل إلى العصب البصري الموصول بالدماغ. وفي حالة السمع تنتقل الأصوات عبر الأذن ثم يتم تحويلها إلى أنماط تحمل بواسطة عصب سمعي لإيصالها إلى الدماغ. أما في حالة اللمس فإن نهايات الأعصاب الموجودة فوق الجلد تحول الأحاسيس اللمسية إلى أنماط يتم نقلها إلى الدماغ.
وهذه الأنماط تنقل إلى مناطق حسية محددة في الدماغ حيث يتم ترجمتها وتحليلها إلى سمع وبصر ولمس. وهي متراكبة بعضها ببعض بشكل دقيق بحيث أن المرء يستطيع أن يرى ويسمع ويلمس في آن واحد.
ويقول باخي ريتا نحن نرى بأدمغتنا لا بأعيننا... يمكنك أن تفقد شبكية عينيك لكنك لا تفقد القدرة على الرؤية طالما أن دماغك لم يلحقه أي ضرر. والأكثر اهمية أن الدماغ لا يبدو مباليا إذا كانت الأنماط تصل إليه عبر العين أو الأذن أو الجلد، فمع توفر السياق المناسب سيكون بإمكانه أن يترجم ويفهم هذه الإشارات.
وقال اريك واينماير الذي فقد بصره منذ سن الثالثة عشرة بالنسبة لي، حدث لي ذلك بشكل أتوماتيكي، خلال عدة دقائق.
لكن واينماير، 35 سنة، يتمتع بروح مغامرة عالية فهو تمكن من تسلق قمة جبل إفرست قبل عامين، وفي الفترة الأخيرة حاول استخدام نسخة أخرى من الجهاز الذي ابتكره ريتا ويدعى بْرَين بورت، حيث زرعت كاميرا فيديو صغيرة في قبعته الصلبة وبفضلها يمكن نقل معلومات بصرية من الكاميرا ثم يتم تحويلها إلى نبضات تصل إلى لسانه.
ويستطيع واينماير الآن فتح الأبواب ومسك الكرات المرمية صوبه، ومع ابنته الصغيرة يلعب لعبة الورق والحجر والمقص، وهذه هي المرة الأولى التي يقوم فيها بذلك منذ أكثر من عشرين عاماً.
وقال واينماير إن الحاسة البديلة تصبح أفضل كلما تم استخدامها كأن الدماغ يقوم بربطه إليه. وتستخدم عالمة الأعصاب الدكتورة إليانا باتيو من المعهد الوطني للفنون والمهن في باريس جهاز بْرَين بورت لدراسة درجة طواعية الدماغ. وقالت شيلتز التي تضرر جهازها المجازي بعد تناولها المضاد الحيوي جنتيماسين إنها شعرت بنبضات صغيرة على لسانها بعد وضعها للجهاز لكنها ظلت غير قادرة على تحقيق التوازن في حركتها. ولكن ذات يوم وبعد جلسة استمرت 20 دقيقة مع الجهاز فتحت عينيها وشعرت أن شيئا مختلفا قد حدث لها. أمالت رأسها إلى الخلف ولم يؤد ذلك إلى تحرك الغرفة أمام عينيها. وقالت ذهبت راكضة خارج الباب... ثم رقصت في الحديقة كثيرا. لقد كنت طبيعية تماما طيلة ساعة كاملة، الا ان المشكلة عادت من جديد.
وبعد أن أخذت جلسات أخرى بدأ توازنها يعود إليها لمدة ثلاث ساعات ثم لمدة نصف نهار وهي الآن تعمل مع فريق جهاز برين بورت في جامعة ويسكونسن، وترتدي الجهاز كل صباح، ويبدو أن مشاكل التوازن بالنسبة إليها قد انتهت طالما تظل تستخدم هذا الجهاز. ويجري حاليا بحث عن تطوير الجهاز كي يكون تأثيره متواصلا ودائماً.
ويقول باخي ريتا إنه في حالة تعطل الجهاز المجازي فإن استخدام جهاز بْرين بورت قد يؤدي إلى إحياء الخلايا الحية المتبقية في الجهاز المجازي بفضل هذه الآلة الجديدة. ولم يتلمس العميان الذين استخدموا هذا الجهاز نتائج دائمة لكنهم كانوا مندهشين لما كان بإمكانهم أن يشاهدوه.
وقال وينماير إن الجهاز في البداية جعله يشعر وكأن مادة حلوة على لسانه، لكن هذا الإحساس سرعان ما اختفى لتحل محله إدراكات تتعلق بحجم الأشياء وحركتها والقدرة على التعرف إليها.