هي كاتبة تنتمي إلى جيل الخمسينات في الكتابة العربية، تحولت بعض أعمالها الأدبية إلى أفلام ومسلسلات مثل روايتها «بيت الطالبات»، التي تحولت إلى فيلم من بطولة كمال الشناوي ونيللي وناهد شريف، وهي واحدة من رواد الصحافة النسائية في مصر، وكانت من الرعيل الأول الذي أسس مجلة «صباح الخير» مع الراحل أحمد بهاء الدين وصلاح جاهين، والتي صدر عددها الأول في يناير عام 1956.
تؤكد فوزية مهران أنها أحبت الكتابة منذ صغرها، فقد تعلقت بالفن والأدب منذ الطفولة، وكانت دائما ما تقرأ في مكتبة والدها مؤلفات كبار الكتاب في العالم مثل «تشيكوف» ومكسيم جوركي ووليم فوكنر وأرنست همينجواي ووالت ويتمان وغيرهم.
تقول: قد عشقت الصحافة منذ صغري من خلال الجرائد والمجلات التي كان يأتي بها أبي يوميا.. وكان عشقي للأدب الغربي وراء التحاقي بقسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب جامعة القاهرة، والتي تخرجت فيها عام 1956.
في تلك الفترة بدأت بوادر الكتابة الأدبية عندي، حيث بدأت بكتابة القصة القصيرة ثم بدأت في نشر بعضها، ولعل قصصي الأولى في «بيت الطالبات» هي التي أحدثت الفارق في حياتي، وقد صدرت في طبعتها الأولى عام 1961 وأنتجتها السينما في فيلم شهير عام 1967، أخرجه أحمد ضياء الدين.
وقد تضمنت المجموعة القصص الأولى في حياتي والتي تسلمتها حين مجيئي من إحدى المدن الريفية إلى القاهرة للدراسة الجامعية، حيث أقمت في «بيت الطالبات»، وحاولت من خلالها أن أقدم أدباً ملتزماً يتضمن قيما إنسانية ووطنية واجتماعية، فمن وجهة نظري فإن الأدب لا يتحرك في فراغ، إنما هو ابن مجتمعه واللحظة التي يعيش فيها، يعبر عن الانكسارات والهزائم والمشاكل والقضايا الملحة، مثلما يعبر عن الأفراح والمسرات ومناطق البهجة.
*التجريب
الأديب هو مرآة حقيقية للواقع بعيدا عن الغموض الذي يسيطر على بعض الكتابات، وأنا مع التجريب في الكتابة بشرط ألا تتخلى عن دورها الاجتماعي وأن تكون صوت من لا صوت لهم، وان تشير إلى المستقبل، وأن ترى الغد بعين عقلانية، وأن تتجاوز المطروح، وأن تتخطى بتمردها التقليد، الكتابة في حد ذاتها بهجة ومتعة لا تقارن شرط أن يدرك الأديب أين يقف على الأرض، وأن يحدد ماذا يريد، وما يهدف إليه من وراء الكتابة، وعليه أن يطرح أفقا آخر للمستقبل وأن يطرح أسئلة ورصدا وتجاوزا وتمردا، عبر صيغة جمالية، وحبكة درامية تزداد كل يوم بالخبرة والممارسة.
وتضيف مهران: لقد مارست الكتابة طوال حياتي ولما يقرب من سبعين عاما، سواء في الصحافة أو الكتابة القصصية والروائية، فقد كنت من المؤسسين لمجلة «صباح الخير»، مع الراحل أحمد بهاء الدين أول رئيس تحرير لها وأحمد عباس صالح وآخرين.
واستفدت من التجربة كثيرا، لأنها منحتني ثقة في قدراتي الإبداعية، وأعطتني مساحة من الحرية في الكتابة، خاصة أن أجواء العمل في مؤسسة «روز اليوسف» وقتها، كان حميما ويساعد على إبراز المواهب فقد كان هناك جيل كامل من المبدعين في الصحافة والفن والشعر من أمثال صلاح جاهين وفؤاد قاعود وحسن حاكم وزهدي العدوي وعبد السميع وحسن فؤاد ومفيد فوزي ولويس جريس وغيرهم من المبدعين في مجالات مختلفة، وقد انصب اهتمامي في الكتابة الصحافية على الجانب الثقافي والأدبي من خلال باب «عصير الكتب»، الذي أشرف عليه بعد ذلك الروائي الصديق الراحل علاء الديب، وكنت أعرض في هذا الباب أهم الإصدارات الفكرية والإبداعية التي تصدر في مصر والعالم العربي.
وقد شجعني في بداياتي الراحل أحمد بهاء الدين، الذي ذهبت إليه بعد تخرجي وطلبت أن أعمل معه فجاء قراره بانضمامي إلى فريق العمل في المجلة، ومن هنا جاءت فرحتي الأولى في الحياة، وقررت من بعدها أن تكون الكتابة هي كل حياتي.
وفي تلك الفترة أيضا بدأت بترجمة بعض الكتب الأجنبية، ومنها رواية «ابتسامة ما» لفرانسوا ساجان، وكتاب عن «المرأة في أدب برنارد شو»، وغيرها، وقد نشرت هذه الترجمات مسلسلة في مجلة «صباح الخير» في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، وتؤكد فوزي أن الكتابة الصحفية لم تأخذها من الأدب، بل أمدتها بطاقة إبداعية مضاعفة وبخبرات إنسانية وتجارب أفادتها في كتابة الرواية والقصة.
فقد استلهمت بعض قصصها من نماذج قابلتها أثناء عملها الصحفي، وتضيف: أثناء عملي الطويل في الصحافة كان الإبداع جزءاً أساسياً من تجربتي، فقدمت أعمالا كثيرة منها «نجمة مساء» و«مها فوق الماء» و«أغنية للبحر» و«فنار الأخوين» و«جياد البحر»، و«حجز الأمواج» و«السفينة» و«ثلاثية الهزيمة» وغيرها، كما قدمت مجموعة من الدراسات النقدية، ومنها «أوراق لطيفة الزيات الشرسة والجميلة» و«مواقف معاصرة»، «واجعل لي آية» و«آية وبشرى» وغيرها، وجهة نظري أن الأديب لا بد أن يكون مثقفاً وقارئاً جيداً لكل ما أنجزته الإنسانية من إبداع، وأن يكون متذوقاً للفنون بكل أنواعها، حتى يستطيع أن تكون لديه ذائقة مختلفة يرى من خلالها الأشياء. وعن علاقتها بالبحر تقول فوزية مهران: «عملي اكتشاف الكلمات، وإحياء معانيها ونورها، وخوض بحور الشعر والإبحار في جوف الكتب، الكتابة مهمة صعبة تحيط بها نذر العاصفة، وكان البحر دائما حاضرا فيها، لأنني أعشق البحر كثيرا، وأستمد منه طاقات إيجابية لا حدود لها، أجلس أمامه لفترات طويلة أتأمله وأحكي له عن أوجاعي وهمومي، وكذلك أحلامي وأمنياتي للمستقبل، ودائما ما يلهمني البحر أسئلة تجدد الكتابة عندي، مثلما تجدد الحياة أيضاً.
وأنا أمام البحر أعيد اكتشاف ذاتي، وعلاقاتي بالآخرين والأشياء، أراجع نفسي كثيرا أمامه وأعاتبها وأضعها في أماكن الأسئلة، البحر بالنسبة لي علاج لكل ما يعتريني من أحزان وأوجاع، كتبت عنه «أغنية للبحر» وكذلك «جياد البحر« ورواية «السفينة»، وغيرها من الأعمال التي شكلت جزءا مهما من تجربتي الإبداعية على مدار خمسين عاما من الكتابة.
ورواية «جياد البحر»، تدور أحداثها ومشاعر أبطالها في الساعات ما قبل هزيمة يونيو 1967، تلك الأيام التي تسبق الذكريات الأليمة، وجوهر الرواية يرمي إلى معانقة الوجود الذي لا بد أن تستمر رحلته مهما تلاطمت الأمواج واشتدت الأحداث، كنت أريد أن أؤكد أنه لا يمكن أن نعرض وجودنا للعطب، وأن ننظر للحياة نظرة واقعية وأن نستمد من البحر فكرة الاستمرارية، وهذا أيضا ما ألمحت إليه في رواية «حاجز الأمواج»، والتي جسدت فيها عنصر المقاومة بعد هزيمة 1967، وأثناء حرب الاستنزاف».
من البحر تعلمت المواجهة واكتشاف الذات، وكيف أراجع مواقفي، وهذا أيضا ما حاولت أن أكتبه في رواية «السفينة».
وحول رؤيتها للأدب النسوي ووصف بعض النقاد لتجربتها بأن فيها انحيازا لقضايا المرأة تقول فوزية مهران: أرفض مصطلح الأدب النسوي، وأنا طوال تجربتي لم أقصد أن أواجه كتاباتي في ناحية معينة ولا إلى قضية المرأة، بقدر ما هي موجودة داخل نصوص، إنما كنت أهدف إلى التعبير عن الحالات الإنسانية كلها سواء كان ما أكتب عنه امرأة أم رجلا، فالاثنان يتساويان في القهر، وإن كان ما يقع على المرأة أكثر نسبياً.
حاولت أن أعبر عن الإنسان في ظروفه المختلفة، ومن عشقه للحرية والانطلاق حاولت أن اقترب من الواقع أكثر وألمس قضاياه الاجتماعية، خاصة في ظل انكسارات وهزائم متتالية يعانيها الوجود الإنساني بشكل عام، وكما قال أحد النقاد عن تجربتي، فإن كتاباتي تتداخل فيها الروحانيات والجماليات الفنية هي كتابة تنهى عن ضعف القلوب وترجو رهافها من خلال مخاطبة الواقع من خلال التضفير ما بين اللغة الواقعية والصور الشعرية في العبارة السردية، وأعتقد أن مصطلح الأدب النسوي هو مصطلح عنصري، فالرجل ممكن أن يكتب عن المرأة بصدق والعكس بالنسبة للمرأة.
وترى فوزية مهران أن نشأتها في مدينة الإسكندرية وفي بيت أبيها الذي تعلم في الأزهر قد أمدتها بقيم أصيلة، حاولت طوال الوقت أن تدافع عنها من خلال رؤيتها الجمالية في الكتابة، وأنها تربت على حب المعرفة والتزود من العلم، ومع تراكم الخبرات أدركت أن النشأة كان لها عامل كبير ومؤثر في تجربتها الإبداعية.