شرع الله عز وجل الزواج وجعله سكناً وأمناً لكل من الزوجين لكن ظهرت في الآونة الأخيرة فوضى في الزواج والطلاق والخلع فأصبحنا نسمع العديد من المسميات التي تطلق على أنواع مختلفة من الزواج مثل المسيار والفريند والعرفي والكاسيت والدم والإيثار والمتعة وغيرها، كذلك الحال بالنسبة للطلاق حيث لعبت الأجهزة التكنولوجية دوراً في القيام بهذه المهمة سواء عن طريق الشات أو البريد الالكتروني أو التليفون المحمول، ونفس الفوضى تنطبق على الخلع فنجد كثيرا من السيدات يطلبنه لأتفه الأسباب.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا كيف واجه الإسلام فوضى الزواج والطلاق والخلع؟

الدكتور عبدالصبور شاهين الأستاذ في كلية دار العلوم في جامعة القاهرة أكد أن الإسلام جاء ليُنظم فوضى الزواج التي كانت منتشرة في المجتمعات الجاهلية ومنح المرأة حقوقها ورفع الظلم عنها ونظم تعدد الزوجات الذي كان منتشراً بلا تحديد.

أما أنواع الزيجات التي ظهرت في العصر الحديث فمن الخطأ أن نطبقها على الشيوع أن لكل منها ظروفها الخاصة ولا يجب التعميم أو التهويل وعلينا أن ننظر لكل نوع نظرة متعمقة شرعية واجتماعية أما خلط الأمور فهذا هو العبث بعينه والإسلام بريء من هذا العبث سواء أكان من الرجل أو من المرأة.

كذلك الحال بالنسبة لأنواع الطلاق المستحدثة حيث أصبحنا نجد استخدام البعض للتكنولوجيا كوسيلة للإعلان عن الطلاق فمثلا طلاق المحمول أو الإنترنت لا يمكن إباحة هذا النوع من الطلاق فالرجل الذي يريد أن ينفصل عن امرأته عليه أن يفعل ذلك علناً لا سراً وأن يبرئ ذمتها ويحفظ عرضها فيكون الانفصال واضحا كحد السيف، أما أن تكون رسالة قصيرة فهذا هزل من الرجل بهذا الميثاق الغليظ.

وأضاف د. عبدالصبور أن البعض قد يفتقد للعلم الشرعي فيقع في الأخطاء، ونقول لهؤلاء إن أهل العلم موجودون وفي كل مكان وأبوابهم مفتوحة والمراجع الشرعية موجودة وعلى المسلم أن يسأل ويكون صادقاً ويتحرى الصدق ولا يضع نفسه موضع الشبهات قال تعالى فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون.

ويطالب د.عبدالصبور بأن تكون هناك وقفة من المراكز البحثية لدراسة تلك الظواهر التي تدق ناقوس الخطر وتهدد مجتمعاتنا العربية ويجب أن يفيق الكل من نومه سواء المؤسسات الدينية أو الإعلامية في توعية الشعوب بخطورة تلك الآفة التي تمثل خطراً على استقرار الأسر المسلمة.

ستار شرعي

يتساءل د.محمد أبو ليلة أستاذ الدراسات الإسلامية بكلية اللغات والترجمة جامعة الأزهر: وهل تحول الزواج السكن الآمن والمستقر والنواة الأساسية لبناء المجتمع إلى نزوة كل يريد إشباعها بأي طريقة تحت ستار شرعي أو في مظلة فتوى؟ وهل انحصرت العلاقة العاطفية في العلاقة عن طريق المسيار أو العرفي أو الفرند أو بنية الطلاق؟ أم هو العبث الاجتماعي وتحكم الشهوة الذي يجعل كل شخص يبتغي مأربه في فتوى لتحل له ما يريد؟

الحديث نفسه كما يقول د.أبو ليلة ينطبق على الطلاق فنجد أنواعا مستحدثة من الطلاق مثل تلك التي تكون عبر رسائل المحمول أو البريد الإلكتروني وغيرها والتي قد يدخلها كثير من الغش والخداع والمكائد فهذا النوع من الطلاق قد لا يكون من الزوج مباشرة بل من خلال أحد أصدقائه مثلاً أو من باب المزاح السخيف مما يضع الزوجات في مأزق صعب من دون أن يعلموا مدى حقيقته وهذا امتهان لأبغض الحلال عند الله.

فضلا عن ذلك يرى أن الطلاق لا بد من أن يتم تدريجياً كما ذكر القرآن الكريم: فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها، ويفضل أن تكون هناك مواجهة بين الزوج والزوجة مباشرة من أجل الاعتراف به شرعا فهل الزوج الذي يطلّق زوجته عبر وسائل التكنولوجيا الحديثة يكون قد أعطى الفرصة للحكام بالتدخّل للإصلاح بين الزوجين؟ أم أن الزوج استخف بهذه العلاقة التي سماها الله عز وجل ميثاقاً غليظا.

عطاء مستمر

ينصح د.أبو ليلة الأزواج بأن يتقوا الله في الحياة الزوجية وألا يتخذوا آيات الله هزوا حتى لا تتشرد أسر ويضيع أطفال لا ذنب لهم لأن الزواج رابطة مقدسة وميثاق غليظ يلزم احترامه وتقديسه وبذل الجهد للاستمرار فقد قال تعالى: وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون.

ويجب أن تقدم وسائل الإعلام برامج تحقق الإرشاد للزوجين بصورة مبسطة باستخدام جميع الوسائل المتاحة لأنها تخاطب شرائح متباينة من المجتمع، وعلى الشباب المقبل على الزواج أن يحاول كل من الشريكين أن يتنازل عن عيوب الطرف الآخر، فقد أتى كل منهما من أسرتين متباينتين لكل واحدة منهما أسلوب تربية وتفكير مختلف حتماً ينبغي احترامه كأمر طبيعي، ويجب ألا ينسى الطرفان أن العلاقة الزوجية عطاء مستمر وتضحية من الزوجين بحيث يجب أن ينسى كل منهما عيوب الآخر ويركز على الجوانب الإيجابية في الطرف الآخر.

مسميات كثيرة

يقول الدكتور صبري عبدالرؤوف أستاذ الفقه المقارن في جامعة الأزهر إن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق ما دامت الحياة الزوجية قد استحال دوامها لسوء العشرة أو للنفور بين الزوجين، وأنه عندما تتأزم الأمور وتكثر الخلافات ويصعب حل المشاكل هنا لا يوجد سبيل سوى الطلاق، ولا خلاف بين الفقهاء في ذلك لأن الأمر يثبت بالإقرار والإقرار سيد الأدلة فالإسلام شرع الطلاق لإنهاء حياة زوجية لا خير يرتجى منها قطعاً للنزاع وإنهاء للمشاكل لعل الإنسان يكون مستقراً بعد عناء شديد من حياة زوجية عكرت صفوه جعلته شارد الذهن مشتت الفكر غير واع لما حوله من شدة ما يعانيه من مشاكل لا فرق في ذلك بين رجال ونساء، ولكن ما يؤسف له أن البعض استغل ما شرعه الإسلام لأهوائهم وشياطينهم فنرى بعض الأزواج مثلاً يطلق زوجته لأتفه الأسباب فالزوجة التي تتأخر عن تقديم الطعام لزوجها يثور الزوج ويغضب ويطلقها والإنسان لكي يرضي أمه يطلق زوجته وآخر يريد أن يرضي عشيقته فيطلق زوجته وربما وجدنا إنساناً طلق زوجته لما هو أتفه من ذلك ونسمع ونرى كل يوم ما يندى له الجبين.

على الجانب الآخر وجدنا الزوجة تثير غضب زوجها وتقول له إن كنت رجلاً طلقني فيثبت الرجل رجولته بكلمة الطلاق فتتألم الزوجة وتحزن بعد ذلك بينما هي المحرضة لزوجها على طلاقها.

هدم سقف الأسرة

يقول د.طه حبيشي رئيس قسم العقيدة والفلسفة في كلية أصول الدين جامعة الأزهر إن التفريق بين الزوجين له أحكام وضوابط أودعها العلماء بطون الكتب المعنية بالفقه خاصة في ما يتعلق بالأحوال الشخصية لكن الأمر الذي ينبغي أن نلفت النظر إليه هو أن الشريعة الإسلامية لم تأت إلى الناس لتحملهم على العبث في التصرفات واللهو بالعلاقات إذ من كان عابثا بالشريعة ومستغلا لأحكامها يلهو بها بعد أن يحتال عليها فإنه يعرض نفسه على قول الله تعالى الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا وما كانوا بآياتنا يجحدون (الأعراف: 51).

أضاف د.حبيشي أن ما سمعناه ورأيناه بعد إتاحة حق الخلع للمرأة وهو حق ممنوح من الشريعة من أن المرأة متمثلة في بعض النماذج من النساء قد استغلت الخلع استغلالا غير مشروع لحل عقدة النكاح بقصد تحقيق بعض الرغبات الشخصية، وهي كثيرة لا نطيل بذكرها من نحو أن تكون دخلت في علاقة عاطفية جديدة لا يمكنها تلبيتها إلا عن طريق الخلع فتفتعل للخلع أسبابه ولا يعنيها بعد ذلك أن ينهدم سقف الأسرة على رأس من فيه.

وإذا سئل الفقهاء عن مثل حل عقدة النكاح بهذا الغرض أو ما يشابهه، فلا شك أنهم سيلجأون إلى خاصية من خواص الشريعة وهي العقود التي وضعت لتنظيم المعاملات بين الأفراد، والزواج والطلاق والخلع عقود تلاقت فيها إرادتا الزوج وزوجه ولابد من احترامها وما يترتب عليها من أحكام وإن اختلفت طبيعتها إلا أن قبول العقد وتنفيذ ما يترتب عليه من الأحكام أمور يجب العمل بها.

ومن هنا يجب أن يعلم المسلم المستظل بمظلة الشريعة الإسلامية أن العقود لها وجهان وجه اجتماعي ووجه ديني، فمن خلال الوجه الاجتماعي نجد الجماعة المسلمة قد أسند إليها التعامل مع الأفراد على أساس من هذه العقود التي تتلاقى الإرادات فيها.

كبائر وصغائر

يرى د. حبيشي أنه لتفادي حدوث الطلاق أو الخلع يجب حسن انتقاء الأسرة سواء الزوج أو الزوجة التي سيختار منها شريك المستقبل بحيث تتوافر فيه مجموعة من الخصائص التي تحقق الاستقرار والعمل بحديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم): إذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه؛ لذا فإن نقطة البداية لنجاح أي زواج هي الاختيار الصحيح كما يجب تفهم ظروف الطرفين سواء كانت مادية أم اقتصادية أم اجتماعية ومحاولة التكيف معها.

أضاف د. حبيشي أن الزواج في الإسلام ليس مجرد علاقة بين رجل وامرأة ولكنه أيضا ارتباط بين أسرتين مع إنجاب أطفال لهم كثير من الحقوق فإضاعة الأطفال وحرمانهم من الأمومة التي جعل الله الجنة تحت أقدامها والإقبال على فسخ العلاقة الزوجية لأجل شهوات تتراوح بين الكبائر والصغائر تحللا من الأخلاق التي أتى بها القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة مع تحطيم علاقات أسرية يترتب عليها خلافات لا حد لها في المجتمع، كما أن مسألة الخلع لا يجوز الاستمرار فيها إلا إذا خافت الزوجة ألا تقيم حدود الله على صدق وقناعة وليس للإفلات من واجباتها تجاه أسرتها ومجتمعها.

أسباب واهية

وأوضح الدكتور زكي عثمان الأستاذ في جامعة الأزهر أن حياتنا ترتبط بالدين ارتباطاً وثيقاً باعتباره منظما وضابطا اجتماعيا على قمة الضوابط والتنظيمات، ومن هذا المنطلق ينبغي أن ننظر إلى بيوتنا وما يحوطها من مشاكل إلا أن هناك عقولا لا تفكر، فبمجرد وجود المشكلة تحدث تفككات أسرية وانفجارات بيتية تؤدي إلى الطلاق السريع ولأسباب واهية من الممكن أن يتغاضى عنها أو أن تحل ولكن العقول هي العقول حينما نرى امرأة تطلب الطلاق لأسباب تافهة وكذلك الرجل ربما يطلق زوجته لأسباب تافهة لأنها مثلاً لأنها تود أن تزور أهلها وهو يرفض وهناك أسباب علينا أن نتخلص منها بقدر المستطاع حتى تكون بيوتنا مبنية على السكينة والمودة والرحمة والبر والتعاون.

أما الطلاق عبر الهاتف النقال أو الإنترنت فهو قمة الفوضى التي لا يسمح بها الدين الحنيف، لأنه يمكن أن تحدث خديعة إذا حدث الطلاق عن طريق رسائل النقال، فغير معروف من كتبها ولمن والكلام ينطبق أيضا على الطلاق عبر الإنترنت لأن الخط غير معروف والصوت أيضا غير واضح فتنتفي شروط الطلاق التي لم تتفق عليها المذاهب الأربعة.

وأكد الدكتور زكي أنه لابد أن ندرك أن الطلاق هو آخر المراحل الحياتية التي ينفض بها البيت وأنه أبغض الحلال عند الله الطلاق الذي يهتز له عرش الرحمن لأن عواقبه تكون وخيمة وعلى الإنسان أن يحكم عقله وعلى المرأة أن تتوازن في عاطفتها فالطلاق مصيبة وكارثة تدمر بيوتنا وتهدم أسرنا وتحل رباط المودة.