تعد المركبة الفضائية فوياجير - 1 واحدة من أفضل وأهم البعثات والمشاريع الفضائية على مدار تاريخ البشرية . وهي الآن أبعد جسم صنعه الإنسان عن كوكب الأرض، لأنها عبرت ما يسمى غشاء الهليوبوز (آخر حدود المجموعة الشمسية) الواقع على مسافة 18 مليار كيلومتر . وبعد هذه المسافة الكبيرة خرجت فوياجير - 1 من نظامنا الشمسي لتكمل رحلتها في الفضاء الخارجي إلى حيث يشاء الله .
قال الباحثون في الاتحاد الجيوفيزيائي الأمريكي إن فوياجير - 1 دخلت في منطقة جديدة من الفضاء الكوني، وهي منطقة تهدأ فيها تأثيرات الرياح الشمسية وكذلك المجال المغناطيسي الذي يرسل بجسيماته ذات الطاقة العالية نحو الفضاء بين النجمين، هذه الكتلة الحديدية البالغ وزنها 800 كجم وتبلغ من العمر نحو 35 سنة ونحتاج إلى هوائيات طولها 100 متر لنلتقط إشاراتها، فتحت فصلاً جديداً في تاريخ البشرية، إذ يقول الباحث إيريك كريستيان أحد أعضاء بعثة فوياجير - 1: قبل أكثر من خمسين سنة ألقينا نظرة بسيطة خارج مجال الغلاف الجوي للأرض، واليوم نحن في طريقنا إلى الخروج منه عن طريق فوياجير - 1 التي ستصبح أول مركبة فضائية تصل إلى عالم ما بين النجوم . إنه أمر مثير بالفعل .
من جهته يعلق آلان لوكاشو على ذلك بالقول: الأمر ميثر حقاً، فلقد كنت واحداً من الفريق العلمي الذي كان يتابع عن كثب كل المعطيات لانطلاق المركبة إلى الفضاء من مرصد باريس ميدون وكان الأمر لي مهماً جداً من الناحية العلمية لأننا كباحثين نضع أجهزة استشعار في وسط لم توضع فيه من قبل مثل هذه الأجهزة بشكل مباشر، بمعنى أن القياسات الفيزيائية كانت تتم داخل المركبة ثم إلينا عبر المجموعات اللاسلكية من بعيد، وكأن فوياجير - 1 كانت تعمل كما لو أنها بؤبؤ أعيننا .
ومنذ سنتين، أطلق الباحث ستاماتيوس كريميجيس جرس الإنذار مثله مثل عشرات المتخصصين في علم الفيزياء الفلكية، فهذا الباحث في جامعة جون هوبكنز الأمريكية كان يقيس من خلال فوياجير - 1 نبض الرياح الشمسية (فيض من الجسيمات المشحونة عالية الطاقة التي تقذفها الشمس في الطبقات العليا من غلافها الجوي) . فمنذ أن انطلقت في 5 سبتمبر ،1977 لاحظ أن سرعة هذه الرياح تحولت إلى الصغر بعد أن بلغت 250 ألف كلم في الساعة خلال 3 سنوات . ويشير الباحث إلى أنه لاحظ منذ إبريل/ نيسان 2010 أن سرعة الرياح الشمسية باتت معدومة حسب أجهزة قياس فوياجير - 1 وأخضع المركبة لاختبار مهم في الصيف الماضي حين طلب تغيير زاوية توجهها نحو 70 درجة ليتأكد من الأمر . وبالفعل تبين له أن المكان الذي وصلت إليه المركبة بات بعيداً جداً عن تأثير الرياح الشمسية المتدفقة وكأنها تكبح بشكل مفاجئ، بل إنها ترتد إلى الخلف وكأنها تواجه جداراً مانعاً فولاذياً .
وتعلق الباحثة روزين لالمون على ذلك بالقول: الأمر بالنسبة لنا نحن الباحثين واضح، فالشمس والكواكب والغبار والغاز وكل النظام الشمسي في حركة دائبة . وتشير لالمون إلى أن ثمة فقاعة مغناطيسية في منطقة الهيليوسفير (منطقة نظامنا الشمسي تفصلنا وتحمينا من الرياح الشمسية القادمة من الفضاء الخارجي) تتحرك بسرعة تبلغ 90 ألف كلم في الساعة في الوسط المجري وتتصادم مع الغازات الواقعة ما بين المجرات التي بدورها تبقى ساكنة في هذا الوسط . وعند حدود المنطقتين تتداخل الجسيمات بشكل يجعلها تقف ولا تدخل إلى النظام الشمسي ولا تصل إلى الأرض وإن وصلت لقوتها الشديدة أحياناً فيكون تأثيرها بسيطاً .
هذا ما تعمل المركبة فوياجير - 1 على رصده في الوقت الراهن، فالأجهزة المثبتة عليها لا تقيس فقط تلك الرياح الشمسية القادمة من الشمس والتي أصبحت عند هذا البعد متلاشية ولكنها أصبحت أيضاً تقيس جسيمات أخرى قادمة من مجرتنا درب التبانة، ما يعني بالفعل أن فوياجير - 1 غدت خارج النظام الشمسي .
وعندما عبر مدير البعثات العلمية الفضائية إيد ستون عن نجاح مهمة فوياجير - 1 حتى الآن كان تعليقه مقتضباً، إذ قال: الأمر مثير بالفعل، لأن باحثاً مثله يسعى إلى ما هو أكبر من ذلك، أي يسعى والفريق العامل في وكالة ناسا الفضائية إلى دخول فوياجير - 1 إلى الوسط المجري لأن المركبة بعد خروجها من الهيليوسفير لم تدخل بعد إلى هذا الوسط، والذي يدل على ذلك هو المجال المغناطيسي .
ويقول ستون إنه لدى دخول المركبة إلى هذا الوسط سيزداد المجال المغناطيسي بشكل مفاجئ وحتى الآن تشير القياسات إلى أن هذا المجال يزداد بشكل تدريجي لكن مستوى هذا الارتياد لم يزل ثابتاً، لأن فوياجير - 1 توجد حالياً وسط منطقة يمكن تسميتها بالمنطقة الحرة بين حدودين، وهو أمر لم يكن متوقعاً من قبل، ولذا فإن الباحثين يعملون حالياً على نماذج رقمية جديدة وفق معطيات جديدة وغير متوقعة .
ويؤكد الباحث ستاماتيوس أن الباحثين حالياً لا يملكون فكرة واضحة عما يمكن أن يخفي لهم المستقبل مع فوياجير - 1 وكل ما يستطيعون فعله هو الانتظار ورؤية ما ستقدمه المعطيات الجديدة . ويضيف ستاماتيوس أن ثمة شيئاً مؤكداً في هذه المنطقة المضطربة هو أن الأمور فيها تسير بشكل متسارع جداً بمعنى أن المركبة فوياجير - 1 يمكنها الدخول في أي لحظة في الفضاء ما بين النجومي، وبالتالي فهي أول مركبة تستطيع الإفلات من قبضة الشمس .
الأختان
عندما انطلقت المركبة فوياجير - 1 وأختها فوياجير - 2 في سبعينات القرن الماضي لم يكن أحد من العلماء يتوقع أنهما ستسيران في الاتجاه المقرر بشكل دائم وكان من الممكن أن تتعرض الأجهزة المثبتة عليهما للقياسات المختلفة، إلى عطب مفاجئ علماً بأن المسار الذي لهما كان يعتمد على ظاهرة الاصطفاف النادر لكواكب المجموعة الشمسية مثل المشتري وزحل وأورانوس ونبتون بغية الاستفادة من جاذبيتها أو بالأحرى من جاذبية كل كوكب لتلقي دفعة قوية توصل المركبة من دون عناء إلى الكوكب التالي . وكان من الممكن أن تؤدي هذه القفزات الفضائية إلى توجيه المركبتين في عكس اتجاه حركة الشمس من الجانب الذي يمتد فيه الهيليوسفير آلاف المليارات من الكيلومترات وذلك يعني عدم الخروج من هذه المنطقة إلا بعد انقضاء المدة المحددة لعمل الأجهزة عليهما .
وتقول الباحثة روزين لالمون إنه خلال الفترة التي تم فيها تصميم المركبتين في سبعينات القرن الماضي ووضع البرنامج الذي ستسيران وفقه خلال السنوات التالية، لم يكن أحد يعلم شيئاً كثيراً عن منطقة الفقاعة الشمسية . وعندما اقترحت على العلماء وقتها إجراء تقييم لحجم الهيليوسفير، رحب الكثيرون بهذه الفكرة لأن المعطيات مكنتهم للمرة الأولى من البقاء على أمل مشاهدة المركبة وهي تخرج من النظام الشمسي وها نحن بالفعل نعيش هذه اللحظة كما توقعها الباحثون قبل عدة سنوات .
وترى لالمون أن هذا الروبوت الصغير غيّر نظرتنا للعالم من حولنا فبفضله اكتشفنا مئات الأقمار وعدداً من البراكين خارج الأرض أي الموجودة على كواكب وأقماراً تابعة لكواكب المجموعة الشمسية فضلاً عن كشفه عن حلقات جديدة لكوكبي زحل والمشتري ما أدى بالتالي إلى ظهور فرع جديد في علم الفلك والفضاء يسمى علم الخصائص الطبيعية للكواكب حيث قدم المسبار الفضائي للعلماء معطيات منتظمة لكل أجرام النظام الشمسي بطريقة مكنتهم من إجراء مقارنة فيما بينها، ويشير الباحث آلان لوكاشيو إلى أن كل هذه المعطيات كانت مخزنة على المسبار داخل ذاكرات مغناطيسية أصغر من ذاكرة ال (USB) التي أصبح كل منا يحملها في جيبه ويحفظ داخلها ملفاته الخاصة .
ويضيف لوكاشيو أن فوق كل ذلك قدمت فوياجير - 1 للباحثين خدمة كبيرة بمجرد خروجها من عتبات النظام الشمسي حيث التقطت هوائياتها الحساسة الإشعاعات القادمة من النجوم الشابة في مجرتنا درب التبانة والتي كانت حتى وقت قريب متوارية عن الأنظار بسبب ضوء الشمس القوي .
وأخيراً يقول اختصاصي علم الواكب في مرصد باريس بيير دروسار: لم نزل بعيدين عن إدراك المساهمة الحقيقية التي قدمتها لنا المركبة فوياجير - 1، إذ لم تزل هناك ملايين الصفحات التي يجب أن نطالعها . ويضيف دروسار قائلاً: في الوقت الذي يحتفل فيه العلماء بمرحلة مهمة في تاريخ البشرية، تستمر الآلة الأسطورية فوياجير - 1 في تقدمها داخل الفضاء المظلم وإذا استطاعت أن تنجو من الاصطدام بالنيازك التائهة في هذا الفضاء المجري وتمكنت من المقاومة لأربعين ألف سنة قادمة دون أن يصيبها عطب ما، فإنها ستستمر تتحرك في هذا الفضاء مستفيدة من جاذبية النجم الأحمر الصغير (AC+793888) إلى ما شاء الله وعندها يمكننا القول إن فوياجير - 1 هي المركبة الأولى التي تحمل بصمات كائن فضائي اسمه الإنسان .