صممت #187;معابد فيلة#171; الكائنة في مدينة أسوان جنوب مصر على مدار قرون من الزمان، قبل أن ترفع في ستينات القرن الماضي الراية البيضاء، في مواجهة عنفوان نهر النيل، لتغادر مكانها الذي أقيمت عليه قبل قرون بعيدة، إلى مكان آخر في أول عملية من نوعها تتم تحت إشراف هيئة اليونسكو العالمية، بعد إنشاء السد العالي .
يرجع تاريخ إنشاء معابد #187;فيلة#171; إلى القرن الرابع قبل الميلاد، حيث أنشئ هذا المعبد العتيق في بادئ الأمر، لعبادة #187;إيزيس#171;، وهو ما أكسب الجزيرة التي أقيم عليها المعبد مكانة خاصة على مر الزمان، حيث ظل المصريون القدماء ينظرون إلى الجزيرة التي تروي العديد من البرديات القديمة، أن #187;إيزيس#171; وجدت قلب زوجها أوزوريس على ترابها، بعد رحلة شاقة جمعت خلالها أشلاءه، باعتبارها جزيرة مقدسة .
وتكتسب جزيرة #187;فيلة#171; أهمية تاريخية كبرى، ليس فقط بما كانت تضمه من آثار ومعابد تجسد مختلف العصور التاريخية، وإنما لموقعها الاستراتيجي الكبير، حيث كانت هذه الجزيرة هي البوابة الرئيسية لمصر من ناحية الجنوب، وهو ما يبدو واضحاً من التسمية المصرية القديمة لها #187;بيلاخ#171;، وهي تعني بالفرعونية القديمة #187;الحد#171; أو #187;النهاية#171;، وقد ظلت #187;معابد فيلة#171; قابعة في سطح تلك الجزيرة لقرون، قبل أن تمتد إليها مياه النهر بعد إنشاء سد أسوان القديم في العام ،1902 وكان بناء هذا السد سبباً في أن غمرت مياه النهر الجزيرة بكاملها، لمدة كانت تصل إلى نحو ستة أشهر في كل عام، لكن الأمور سرعان ما تدهورت بشدة في أعقاب بناء السد العالي، إذ تسبب السد في ارتفاع كبير لمنسوب المياه في بحيرة ناصر، ما جعل الجزيرة وما عليها من آثار مهددة بالغرق .
طرحت الحكومة المصرية في الستينات مشكلة جزيرة #187;فيلة#171; باعتبارها مشكلة ملُحة، وقدمت إلى هيئة اليونسكو خطة محكمة لنقل آثار الجزيرة كاملة إلى جزيرة #187;أجيليكا#171; القريبة، وهي واحدة من الجزر النيلية القريبة من جزيرة #187;فيلة#171;، حيث لا تبعد عنها إلا بمسافة خمسمئة متر تقريباً، وفي العام 1962 بدأت بالفعل عملية إنقاذ معابد #187;فيلة#171;، ونجحت فرق متخصصة في تثبيت أول لوح فولاذي من بين ثلاثة آلاف لوح في قاع النيل، بهدف تكوين سد مؤقت لحجز المياه حول الجزيرة، وقد استغرق الأمر عامين أحيطت خلالهما جزيرة #187;فيلة#171; بصفين من الأوتاد المتشابكة، بطول 12 متراً، حيث تم صب خليط من الماء والرمل المغسول في تلك الفراغات، وسمح للماء بالتسرب تاركاً الرمل ليدعم الفولاذ ضد ضغط البحيرة، وهكذا اكتمل حزام النجاة حول هذه الجزيرة .
كانت جزيرة #187;فيلة#171; تضم إلى جانب معبد #187;إيزيس#171;، مجموعة من المعابد الصغيرة الأخرى التي يرجع تاريخ بعضها إلى العصور البطلمية والرومانية، ويعد #187;مضجع فرعون#171; أو #187;كشك تراجان#171; من أهم الآثار الرومانية التي كانت قائمة على الجزيرة، ويقول الآثاريون: إن هذا الأثر يرجع تاريخ بنائه إلى عصر الملك #187;تراجان#171; الحاكم الروماني لمصر خلال تلك الفترة، وإلى جانب معبد #187;إيزيس#171; أقيمت معابد أخرى فوق الجزيرة من أهمها تلك المعابد التي يرجع تاريخها إلى عهد الملك تحتمس الثالث، إلى جانب المعبد الذي شيده #187;بطليموس فيلادلف#171; في القرن الثالث قبل الميلاد .
وينتصب معبد #187;فيلة#171; حالياً على جزيرة #187;أجيليكا#171; وهو عبارة عن فناء خارجي تحده صفوف من الأعمدة على الجانبين، ويفضي هذا الفناء إلى مدخل المعبد، حيث أبراج الصرح الأول، ويضم الفناء المركزي لمعبد #187;إيزيس#171; مبنى #187;الماميزي#171; أو ما يطلق عليه الآثاريون #187;بيت الولادة#171;، وهو المكان الذي كانت تُجرى فيه قديماً طقوس الاحتفال بميلاد الآلهة، وكان الملوك يحرصون على الاشتراك في هذه الطقوس تأكيداً لانتمائهم لسلالة هذا الآلهة، وتدعيماً لقبضتهم على البلاد .
ويقود الصرح الثاني للمعبد إلى دهليز يفضي إلى الحرم الداخلي المقدس ل#187;إيزيس#171;، ويفضي هذا الحرم إلى سلم في الناحية الغربية، ينتهي إلى حجرات #187;أوزوريس#171;، وهي مجموعة من الغرف الصغيرة المزينة بمشاهد تجسد النادبين على مقتل الإلهة، ونقوش ل#187;إيزيس#171; وزوجها وابنهما وآلهة أخرى .
ويعد معبد #187;إيزيس#171; واحداً من أضخم وأهم الآثار ضمن مجموعة المعابد التي شيدت فوق جزيرة فيله المقدسة، ويشغل المعبد حالياً ربع مساحة جزيرة #187;أجيليكا#171;، وتجاوره على بعد أمتار مقصورة #187;نختنبو الأول#171; واثنان من صفوف الأعمدة التي يرجع تاريخ إنشائها إلى العصر الروماني .
وتضم الجزيرة مجموعة صغيرة من المعابد اليونانية والرومانية، فضلاً عن معبد #187;إمحوتب#171; الذي يرجع تاريخه إلى العصر البطلمي إلى جانب معبد #187;حتحور#171; ومقصورة #187;تراجان#171;، وهو ذلك المبنى الذي أقامه الإمبراطور #187;تراجان#171; ليكون معبد #187;إيزيس#171; .
ويتكون مبنى تراجان من غرفة مستطيلة، يحيط بها أربعة عشر من الأعمدة ذات التيجان المزخرفة بنقوش من الزهور والنباتات، فيما تتخذ تيجان هذه الأعمدة شكل رأس حتحور، وتمتلئ جدران الغرفة بالعديد من النقوش، يظهر فيها الإمبراطور وهو يحرق البخور ل #187;إيزيس#171;، ويقدم النبيذ للإله حتحور، وللمبنى بابان أحدهما في الناحية الغربية والآخر في الناحية الشرقية، فضلاً عن باب صغير في الشمال .