فهذا هو المتنبي الغريب في تعاليه، والغريب في مراميه يقول:
أنا في أمّةٍ تداركها الله
غريبٌ كصالحٍ في ثمودِ
ما مقامي بأرضِ نخلةَ إلا
كمقامِ المسيحِ بين اليهودِ
كيف لا والقلق الروحي يلازمه منذ صباه:
فلا حاولتُ في أرضٍ مقاماً
ولا أزمعتُ عن أرضٍ زوالا
على قَلَقٍ كأن الريح تحتي
أوجّهها يميناً أو شِمالا
وإنْ كان هناك من يرويها: على قلِقٍ، أي على جوادٍ لا يهدأ، فذلك لا يغير شيئاً مما عنيناه بغربته .
أما غربة السجن فمَن لنا كالأمير الأسير أبي فراسٍ الحمدانيّ، ومن منا لا يعرف قصيدته الآسرة الموجعة:
أقول وقد ناحت بقربي حمامةٌ
أيا جارتا لو تعلمين بحالي
وهناك من هو في الغربة رهين سجنين لا سجن واحد، كأبي العلاء المعرّي، سيّد الغرباء، صاحب القول الشهير المختلف عليه: هذا جناه أبي عليّ، وما جنيت على أحد، رهين المحبسين، وهو من أطلق هذا الاسم على نفسه، وهما كما هو معروف: العمى، والدار التي اعتزل فيها الناس أربعين عاماً بعد وفاة والدته، ما تركها غير مرة واحدة، وقصيدته:
غيرُ مجدٍ في ملتي واعتقادي
نوحُ باكٍ ولا ترنّم شادي
وهي قصيدة تختصر قلق الأسئلةِ، أسئلةِ النفس والوجود، والموت والحياة .
وكلّ ما سبق ليس بغريب عن ذاكرة القارئ العربيّ، الغريب هو الشاعر العربي الجميل الرقيق الصّمّة بن عبد الله بن الطفيل القشيري، الذي وإنْ ذاعت له أبياتٌ شهيرةٌ، فلا يعرف معظم الناس أنه قائلها . وهو من شعراء العصر الأموي، ولد قرب الرياض، والرواية الشهيرة أنه أحب امرأة من قومه من بني عمه هي العامريّة بنت غطيف، فخطبها، فلم يزوجوه إيّاها لعجزه عن أداء مهرها كاملاً، ولتكلفهم في تعجيزه، ويذكرها في شعره بريّا، وطيّا كلّ حنين .
التحق بالجيش الإسلامي، وظل يحنّ للحمى، و ابنة عمومته التي منع عنها، حتى توفي في طبرستان حيث قادته الفتوحات، وذلك قبل مائة عام على الهجرة بسنوات قليلة، ومن ألطف الشعر العربي في البعد والوجد والحنين هذه الأبيات من قصيدة بديعة له:
حننتَ إلى ريّا ونفسك باعدَتْ
مزارَك من ريّا وشعباكما معا
فما حسنٌ أن تأتيَ الأمر طائعاً
وتجزع أنْ داعي الصّبابةِ أسمعا
بكتْ عينيَ اليمنى فلما عذلتها
عن الجهلِ بعد الحلم أسبلتا معا
وأذكرُ أيام الحمى ثم أنثني
على كبدي من خشيةٍ أنْ تصدّعا
فليستْ عشيّاتُ الحمى برواجع
عليك ولكن خلّ عينيك تدمعا
وقد التفت الرحابنة إليها مبكراً، فكسوها بصوت فيروز العذب بعداً يليقُ بالأذن العربية المرهفة، وجمالاً يجسدها، ولا يخلّ بفتنتها الأولى، أمّا تائيته العظيمة فجديرٌ بها أن تكون من المعلقات الراسخات، وهي بحق درة من درر الشعر العربي، ولا بد أن تُقرأ كاملة، لتكتمل المتعة، والمعنى، يقول في أبياتها الأولى:
ألا مَن لعينٍ لا ترى قللَ الحمى
ولا جبلَ الأوْشالِ إلاّ استهلّتِ
ولا النّير إلا أسبَلتْ وكأنها
على ربدٍ باتت عليه وظلتِ
لجوجٍ إذا لجّتْ بكي إذا بكت
بكَتْ فأدقّتْ في البكا وتجلّتِ
وكان الأديب الراحل، المغترب بيننا، أبو عبد الرحمن عبد الله نور رحمة الله عليه، إذا ما قرأها بصوته الجهوريّ، وأدائه العبقريّ، ردّدت من خلفه الجدران حتى النخل البعيد، وكنّا نتلقّاها عنه في بداياتنا الأولى، وكان يقرأها كاملةً عن ظهر غيب، كما يفعل مع لامية العرب للشنفرى، ويحب هذين البيتين تحديداً حبّاً جمّا:
وقلتُ لأصحابي غداةَ فراقِها
وددتُ البحورَ العامَ بالناسِ طمّتِ
فتنقطع الدنيا التي أصبحت بنا
كمثلِ مصاباتٍ على الناسِ عمّتِ
وقد جمع ديوان الصّمة وحققه الأستاذ الدكتور عبد العزيز محمد الفيصل، وصدر عن النادي الأدبي في الرياض عام 1401 ه، فيما قام علامة الجزيرة الشيخ حمد الجاسر بنشر مختارات من شعره في مجلة العرب، وإنه لمن المهم والجميل أن يُعاد طبع الديوان، وأن تُدوّن غربته لتؤنس غربتنا .