يصمت القصيد إذا حضر الماجدي بن ظاهر فهو سيد الشعر في زمنه وأستاذ الشعراء في أزمنة أخرى، يبدأ تاريخ القصيد عندنا بابن ظاهر، هكذا نكتب عندما نؤرخ للشعر في هذا الوطن، لا نعلم متى جاء، واختلفنا كم من السنين عاش وأين قبره، ونجهل من نقل لنا شعره، اتفقنا على أنه الأول وأنه الملهم علّمنا في شعره، حكمة الشعر كيف تكون الكبرياء والفضيلة وقيمة الكرم، خصال واجبة في معاني الإنسان وهويته، نصحنا كثيراً بالولاء والوفاء للأرض، بتقوى الله ومحبة الوطن، فكل قصائده هي نصائح وتجارب وصور شعرية غاية في البلاغة والإعجاز :
وان يتك عويا من سفيه فخلها
وان يت من غير السفيه فسال
ومن لا على الراحات يدد نعاله
وطأ الشوك والرمضاء بغير انعال
ومن لا تغاضا عن خطايا رجاله
شكا الضيم مهضوم بغير ارجال
الماجدي بن ظاهر رسم لنا في زمنه هوية الشاعر، كيف يكون مميزاً في شعره، فصنع ثيمه تعرّف بصاحب القصيدة، ينطق أول بيت في صدر قصائده يقول المايدي أو يقول الفهيم المايدي بن ظاهر فيعلم الناس أن الشاعر سيتحدث، عليهم أن يصمتوا:
أنادي بالأشعار وانقى لخيار
تنقيتها ما بغيت الهزيل
إلى خملوا بالوزون الخفاف
أخمل اقماشي بوزن ثجيل
نقا جوهر غالي في المسام
بالأثمان كما ظال منها ظويل
قماش أمنقا بقطن أموقّا
وشي تبقى جليل المثيل
وقوله:
لي ما بنا بيت التقى قبل الشقا
والا على الشطات ماواحالها
من حمّل البارات يوم اخواهر
يتعب نهار الخب في نيالها
وأول من حفظ لنا (خارطة) جغرافيا المناطق والواحات ودروبها في هذه الأرض، يبدو أنه بن ظاهر، فهذه القصيدة مثلاً مهمة لأنها حفظت المسميات التاريخية لمناطق الدولة، ولأنها أيضاً ترسم لنا ملامح رحلة سياحية رومانسية، من أين تبدأ وخط سير الرحلة وما هي المعالم التي ستمر عليها، وأيضاً وصف لحالة طقس رومانسي:
شعيل البرق من حدّ المغيب
وهب إلها سهيلي يماني
يظل السبع فيها ما يسير
ولا يسري إيلين الصبح باني
لفت والليل منتصف الوقوت
وساعة ما حلا نوم الهداني
ورويت الأرض من شرق أو غرب
وأسقت كلما حازت اعماني
من افيوي الينوب إلى الشمال
من الظفره إلى سيفه ادهاني
وروي الرمل مع سيح الغريف
ووادي المكن داناه المداني
على نزوه وما حاز الهباب
ووادي الجرن واسقانا زماني
على الصجعه وما حاز العشوش
على البطحاء وتمت روهجان
وأسقت من فلاح إلى العذيب
مجوج الماء ثمان في ثماني
على رمل الحويمي والغدير
وسيح اليلح مخضر المثاني
على تاهل وعثمر والغويل
على وادي سلام أو سيهجاني
إلى كفا وما حاز الخرير
مشرجة تباحيل الدباني
على المزرع وخطا والهزوع
مهايفة إلى مريال ثاني
على كلبا وما حاز الجبال
من البلدان من قاصي أو داني
وجاد الجود منها في الشمال
على البدوان ساحبة الجناني
وجاه السيل من روس الجبال
وجل اغفاه وامتلت والمغاني
وسوّت الارض عشب زين لون
يشوّج رايده لي ياه عاني
ويابوا حي شوقي من ابعيد
وبنّوا في مغانيها المباني
وطاب النوم من عقب الهموم
ويابوا صاحبي ملبعد داني
ماذا بقي من تلك المسميات اليوم، وهل هو الطريق كما كان في زمن بن ظاهر، علينا ان نعيد رسم ملامح تلك اللوحة الشعرية، لنتعرف أكثر إلى طبيعة المكان وحياة إنسان هذه الأرض في ذلك الزمان .
ماذا قدمنا لابن ظاهر الشاعر الرمز، والعلم الذي نكتبه ونرفعه عاليا في الشعر . مرة قرأت أننا سننتج فيلما يحكي سيرته، ومرة سنطلق موسوعة تحمل اسمه، لكن الثابت أن أجمل وأهم ما قدمناه لهذه الشخصية الخالدة هو الفصل الذي خصصه الشاعر الراحل حمد خليفة بوشهاب في مقدمة الجزء الأول من موسوعة تراثنا من الشعر الشعبي لأشعاره التي توافرت، وكذلك كتاب سيرة حياته وشعره الذي أعده حمد بوشهاب وإبراهيم بوملحة، والبحث التوثيقي في أشعاره وسيرته الشعبية الذي قدمه أحمد راشد ثاني، وكتاب أعده سلطان العميمي يتضمن سيرة الشاعر وقصائد لم تنشر له من قبل، وأظن أن ثمة مدرسة وشارعاً قديماً يحملان اسمه .
هذا كل شيء . . يرحمك الله يا بن ظاهر