إذا كان أحمد بن طولون هو أول من وضع التصميم الأساسي لمدينة القاهرة في الفسطاط ورفع عمائرها ووضع سككها وبسط ساحاتها وبنى جامعها المشهور باسمه واستقل بها عن العباسيين، فإن الإخشيديين أيضاً، كانوا قد اقتفوا أثر الدولة الطولونية، وأقاموا حكومة مستقلة عن بغداد، وذلك قبل مجيء العبيديين من المغرب إلى مصر . ويقول الرحالة المسعودي الذي زار مصر في تلك الحقبة التاريخية، ووقف على مدنها ووصف آثارها وتحدث عن مجتمعها واقتصادها: كان يحمل إلى مصر من جميع الممالك المحيطة بهذين البحرين (بحر الروم وبحر الصين)، من أنواع الأمتعة والطرائف والتحف، من الطيب والأفاويه والعقاقير والجوهر والرقيق، وغير ذلك من صنوف المآكل والمشارب والملابس . فجميع البلدان تحمل إليها وتفرغ فيها (التنبيه والإشراف: 19) .
ويذكر الرحالة المسعودي أن الأمراء الإخشيديين، كانوا قد اشتهروا بالاحتفاء بالحياة الأدبية والشعرية واللغوية، إلى جانب اهتمامهم بالإدارة والعمارة . وقد عرف عنهم استقطاب واستدعاء الشعراء من الأمصار والأقطار . وخير مثالٍ على ذلك أنهم شجعوا موهبة المتنبي، وهو من عمالقة الشعر العربي، حيث كان شعره يتميز بنفحات ملحمية . وإليه يرجع بعض الفضل في تخليد دولة الإخشيديين وأمرائهم حتى يومنا هذا بشيء من الإجلال .
تسامح عظيم
وكانت الدولتان الطولونية والإخشيدية من بعدها، من الدول العربية الإسلامية، التي أظهرت تسامحاً عظيماً تجاه الأقليات في مصر وسائر أرض الكنانة . وليس أدل على ذلك، من ما ذكره في أحوال الدولة والمجتمع والناس، في مصر، أثناء زيارة المسعودي لها، حيث يقول: ولقد حضرت سنة ثلاثين وثلاثمئة (ه) ليلة الغطاس بمصر، والإخشيد محمد بن طغج في داره المعروفة بالمختارة في الجزيرة (الروضة) . وقد أمر فأسرج من جانب الجزيرة وجانب الفسطاط ألف مشعل، غير ما أسرج أهل مصر من المشاعل والشمع .
وفي وصف آخر لمجتمع المدينة في الفسطاط/ القاهرة، يقول المسعودي أيضاً: وقد حضر النيل في تلك الليلة آلاف من الناس، من المسلمين والنصارى، منهم في الزوارق، ومنهم في الدور الدانية من النيل، ومنهم على الشطوط، لا يتناكرون الحضور . ويحضرون كل ما يمكنهم إظهاره من المآكل والمشارب والملابس وآلات الذهب والفضة والجوهر والملاهي والعزف والقصف، وهي أحسن ليلة تكون بمصر، وأشملها سروراً، ولا تغلق فيها الدروب . ويغطس أكثرهم في النيل، ويزعمون أن ذلك أمان من المرض ومبرئ للداء (مروج الذهب 1/343) .
ولعل النظام السياسي الإسلامي الذي كان سائداً في مصر في زمن الدولتين: الطولونية والإخشيدية، كان قد جعل المدينة تنفتح على جميع الثقافات والديانات والمذاهب وجميع التيارات الفكرية والفلسفية التي كانت سائدة آنذاك . ويمكن لنا أن نقول، إن النجاح الذي كانت تلاقيه العاصمة، كان قد صبغ البلاد بالصبغتين الإسلامية والعربية، وذلك بناءً لتوجيهات الخلافة الإسلامية . وهذا ما حدا بالمستشرق وليام مارسيه إلى القول وهو يعرض موقف المسلمين الأولين من مشكلات التعليم: إن أهداف التعليم في المجتمع الإسلامي، تهتم، أو لعلها تختلط، بالرغبة في تمكين كل شخص، من أن يؤدي واجباته الدينية، وتدعيم عقيدة المؤمنين، ونشر الإسلام بين الناس . ويعتبر من واجبات الحكام الأساسية، العمل بين رعاياهم على نشر المعرفة النافعة، بين كل من يعتنق الإسلام .
تعريب مصر
والواقع أن انتشار الإسلام بين المصريين، كان سريعاً للغاية . فبعد مضي مئتي عام على أعمال الفتوح، كان قد تم تعريب مصر بالكامل، حتى كادت العربية أن تحل محل اللغات الأخرى مثل القبطية واليونانية . ويتحدث ساويروس الأشموني في مقدمة كتابه تاريخ بطاركة الإسكندرية عن مدينة الفسطاط في نهاية القرن العاشر الميلادي، فيقول: فاستعنت بمن أعلم استحقاقهم من الأخوة المسيحيين، وسألتهم مساعدتي على نقل ما وجدناه منها بالقلم القبطي واليوناني إلى القلم العربي، الذي هو اليوم معروف عند أهل هذا الزمان بإقليم ديار مصر، لعدم اللسان القبطي واليوناني من أكثرهم . وهذا النص يعد بمثابة وثيقة بالغة الدلالة على تقدم العربية في الفسطاط في زمن الإخشيديين .
وكان المسجد الجامع في الفسطاط، خصوصاً في العصرين: الطولوني والإخشيدي مركزاً للتعليم، إما من ناحية علوم القرآن والحديث والفقه والشريعة، أو من ناحية اللغة والآداب وعلوم الشعر وعلوم الطبيعة والحياة . ولأن الغاية من التعليم، هي إعداد متخصصين في القرآن والحديث والحفظة . كان الطلاب يحفظون النصوص الدينية عن ظهر قلب . وقد وجد الرحالة أنهم يتصفون بالجد والعزيمة . وأن العالم بالدراسات القرآنية، كان لا غنى عنه في جميع مساجد الفسطاط . وإلى ذلك يشير ابن جبير في رحلته إلى الديار المصرية: وتعليم الصبيان للقرآن بهذه البلاد المشرقية كلها، إنما هو تلقين . ويعلمون الخط في الأشعار وغيرها، تنزيهاً لكتاب اللّه عز وجل عن ابتذال الصبيان له بالإثبات والمحو .
وكان الطولونيون وبعدهم الإخشيديون يخصصون مالاً عظيماً لتعليم القرآن في المساجد، ويدفعون مكافأة لكل شخص يحاضر في الحلقات المسجدية .