الحرية موجودة حيث تمارس، هي دائماً بداية أولى تخطو بالإنسان خطوات في طريق طويل لا ينتهي إلا بتحقيق إنسانيته، تلك الإنسانية التي لا تتحقق إلا بتحقيق العهد الموثق مع الله: أن اعبدوني هذا صراطي مستقيماً، وألا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين، ذلك العهد الذي سبق الوجود في الحياة الدنيا: وإذ أخذنا ميثاقكم، وذلك الميثاق الذي وثقه الله علينا بإرساله الرسل مبشرين ومنذرين، مبشرين أولئك الذين أوفوا بالعهد وحفظوا الميثاق، ومنذرين أولئك الذين خانوا أمانتهم وضيعوا المواثيق .
إن أهم ما أردنا إثباته أو التوصل إليه، هو أن مطلق الحرية هو نفسه مطلق العبودية، ولكنها عبودية تحقق إنسانية الإنسان، ولا عبودية تحقق إنسانية الإنسان إلا العبودية الحقة لله، فذل العبودية لله هو نفسه عز الحرية للإنسان .
وكما أن الحرية هي مناط التكليف، وكما أنها هي أساس المسؤولية، ذلك التكليف الذي قبله الإنسان، وتلك المسؤولية التي ترتبت على ذلك، فإن الحرية إلى جانب ذلك هي هدف الإنسان، حيث كانت هدفه منذ اختار الأمانة وحملها، وتحمل ما فيها من أجلها، وهي هدفه وهو يسعى في الحياة على أساس من هدي الله وشرائعه من أجل أن يتحرر من كل شيء، ومن كل كراهية، ومن كل رغبة، يتحرر بالجملة من عبودية الهوى والغريزة والجهل .
إن الإنسان الذي نفخ فيه الله من روحه، هو الكائن الذي قبل أن يسعى حثيثاً ومكابدةً من أجل أن يمسك حريته بيده .
الإنسان هو الكائن الذي تتحقق حريته بقدر ما يسمو بنفسه فوق الأهواء والشهوات وعبادة ما لا يستحق العبادة .
ما الحرية إذن؟ يقولون: أنت حر ما لم تكن عبداً أو أسيراً، والعبودية لها أكثر من شكل، وأكثر من مدلول، والأسر له العديد من الأشكال والمدلولات . .
عبيد الشهوة سقطوا في ذل عبودية تفوق عبودية القهر ذلا وانكسارا . . وعبيد المال سقطوا في أسر قيم مرذولة، ليس أبشعها الشح والتقتير على النفس والأهل والمحيطين بالإنسان . . وعبيد الشهرة ينتهي بهم الحال والأمثلة كثيرة وصارخة وتغني عن الذكر إلى الاستذلال للجمهور، والتكيف حسب الطلب، ويربطون أنفسهم حيث يريد لهم الناس أن يربطوا .
صنوان لا يفترقان
كانت الحرية هي أول نعم الله سبحانه وتعالى على الإنسان، وهو سبحانه الذي وهبه المقدرة على العقل، وعلى الامتناع عن الفعل، ولعلنا لاحظنا من كل ما سبق أن أول معنى للإنسان هو حريته، وقدرته على الاختيار، كانت حريته في (عَرَضْنا) وكانت قدرته على الاختيار في (وحملها الإنسان) .
وإذا كانت الحرية كما تقول الفلسفة هي اختيار الفعل عن رؤية مع استطاعة عدم اختياره، أو استطاعة اختيار ضده، فأول ما نتفق فيه مع هذه المقولة أن الحرية تبدأ من الاختيار، وأنه لا حرية بلا حق الاختيار، بلا إمكانية الاختيار، بلا مقدرة على الاختيار .
وتماماً كما أنه لا مسؤولية من دون سلطة، كما يقول علم الإدارة، فلا حساب ولا عقاب، ولا ثواب إلا بحق الاختيار المكفول للمكلف شرعاً .
وفي الدين أن الذاهب عقله، لا مسؤولية عليه، ولا سلطة له، ولا حساب ولا عقاب، ذلك أنه فقد القدرة على التمييز، لأنه فقد أداة التمييز، التي تعطيه المقدرة على الاختيار، وفاقد القدرة على الاختيار ليس مكلفاً، ولا هو محاسب .
والمضطر يسقط عنه التكليف، ليس لأن الضرورات تبيح المحظورات، كما قد يفهم البعض، فالمحظورات هي التكاليف المكلف بها الإنسان شرعاً، والضرورات هي الظروف التي تحول دون قدرة الإنسان على القيام بما هو مكلف به، فيسقط التكليف إذا ما صادف ظرفاً يمنع حرية الإنسان، ويحول دون قدرته على أن يختار، وكل ما سيق في باب الضرورة يدور حول معنى واحد، هو أن الإنسان المكلف حيل بينه وبين القيام بما كلف به، بمعنى أنه فقد قدرته على الاختيار بين أن يقوم بما هو مكلف به، وبين أن يمتنع عن القيام بذلك .
وعلى هذا، فالحرية والتكليف صنوان لا يفترقان إلا على حساب واحد منهما، وقد ارتفع بلال بن رباح من ذل عبوديته للإنسان إلى عز العبودية لله، وسقطت دولة العبودية للإنسان، وللأفكار القديمة، وللسيطرة الطبيعية، وقامت بدلاً منها، أو بالأحرى على أنقاضها دولة تحققت فيها حرية الإنسان من كل صور العبودية لغير الله .
لم يكسر بلال قيد العبودية المذل لحظة أعتقه لله أبو بكر الصديق رضي الله عنه، ولكنه كان قد أزال عن رقبته قيد العبودية لحظة دخل بإرادته الحرة في عداد الداخلين إلى ملكوت العبودية للواحد الأحد، الصمد، الذي لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد .
جوهر الوجود الإنساني
والحرية لا يمكن أن تعني أن أفعل ما أريد بإطلاق، ولا نقول ذلك من قبيل وضع القيود على حرية الإنسان، فنحن من أنصار الحرية من دون قيود، ولا نعدّ التكاليف الشرعية قيوداً، بل هي تفك القيود التي تكبل إمكانية أن يكون الإنسان إنسانا حقاً، ليس عبداً ولا أسيراً لأي شيء، غير عبوديته لله .
والحرية بهذا المعنى لا تعرف القيود، بل هي التي تفك كل القيود وتكسرها، ولكن يبقى أنها لا يمكن أن تعني أن أفعل ما أريد بإطلاق، لا لشيء إلا لأنني لا أملك القدرة على فعل ما أريد بإطلاق، فالقدرة التي بيدي ليست مطلقة، فأنا إذا أردت أن أطير فلن أستطيع، ليس لأني لست حراً فيما أريد أن أفعل، ولكن لأني لست قادراً على أن أفعل ما أريده بحكم طبيعتي وتكويني وقدراتي .
والحرية لا يمكن أن تعني أن أفعل ما أريد بإطلاق لأنها بهذا المعنى قد تنحط بالإنسان إلى مهاوي البهيمية يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام فالبهيمة تكاد تكون هي التمثيل الأدق لمعنى أن تكون الحرية أن افعل ما أريده بإطلاق، هذا إذا كان للبهائم إرادة، وإذا استوعبت قدرتها فعل ما تريد .
والإنسان حر لأنه صاحب إرادة حرة، وتكون الإرادة حرة بمقدار ما يملك الإنسان من مقدرة على الاختيار، وقدرة على العلم، والحرية ليست مجرد القدرة على فعل شيء أو الامتناع عن فعله، ولكنها أكثر من ذلك فهي مقدرة العلم بما نفعل، أو بما نمتنع عن فعله، والعلم يوسع المقدرة على الاختيار، ولا يساوي بين الأشياء أو الأفعال أو الأطراف لأن استواء الطرفين الذي يعني انه ليس في الأشياء ما يدفعنا إلى الاتجاه نحو طرف دون الطرف الآخر يؤدي بالضرورة إلى عدم الاكتراث، والحرية اختيار، وليست عدم اكتراث . والعلم لا يوسع فقط المقدرة على الاختيار، بل يوسع أيضاً دائرة الاختيار وعلّم آدم الأسماء كلها .
والإنسان المسلم في كل لحظة من الحياة هو في حالة ابتداء لمشواره إلى العبودية الكاملة للخالق القادر الحي القيوم العليم الحكيم، وهو المشوار نفسه إلى الحرية الكاملة من كل ما تبقى من عبودية فيه للهوى أو للغريزة أو للجهل بمقام الله عز وجل .
والحرية في هذا كله هي قدرة الإنسان المسلم على الفعل وهي تجسيده لهذا الإيمان بالقدرة على الفعل، وهي جوهر الوجود الإنساني .
إن الإنسان يمضي في طريقه إلى تحقيق إدراكه بذاته مادام يحقق إنجازاً يقربه إلى حريته الحقيقية، وهو كلما حرر أجزاء من إرادته تحقق وجوده الفاعل بطريقة أفضل .
لا يمكن أن تعني الحرية أن نفعل ما نشاء وقتما نشاء، وكيف نشاء، إننا لا نكون أحراراً فعلاً إلا حينما نعمل وفق أسباب عقلية، أو بواعث معقولة نختارها، ونحرص على مطابقتها، والعمل وفقا لها .