يمكن تقسيم العدل في الإسلام، إلى عدل جماعي، وعدل الحاكم، وعدل معاملة الأعداء. وهذا النوع الأخير من العدل، هو من مفهوم العدالة العامة في الإسلام التي تعم ولا تخص. أما العدل القانوني، فهو الذي يشمل الجماعة الإسلامية كلها. كما وأن العدالة الاجتماعية، هي المنظمة للتكامل الاجتماعي، والعدالة الاقتصادية، هي التي تمكن كل قادر من العمل.
وقد تحدّث الحسن البصري في رسالة إلى عمر بن عبد العزيز. عن شروط عمليّة للإمام العدل، منها أن يكون مقوماً وراعياً شفيقاً وحانياً. وأن يكون الإمام موصياً لليتامى وخازناً للمساكين وقائماً بأمر الله وساعياً للأمانة الإلهية ومجرياً للحدود. وأن لا يحكم حكم الجاهلين ولا الظالمين، وألا يسلط المستكبرين. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على احتواء الإسلام السياسي للنزعة المثالية، من أجل إقامة نظام حرّ، تنبع حريته الحقة من روح العدل الشامل والعام في الحياة الإسلامية.
بالإضافة إلى ذلك، عرف الإسلام مبدأ الإخاء من أجل تحقيق المساواة على الصعد كافة: العرقية والاجتماعية والاقتصادية. وهذا ما أتاح فرصة لظهور الحرية الفردية حيث يتيسر للفرد مجال الحرية والحياة الاجتماعية والدينيّة دون أن يصطدم بالمعوقات من دم أو عرق. وقد أحدثت الدعوة الإسلاميّة أثراً كبيراً في حياة العرب بصورة عامة، وخصوصاً في حياتهم السياسيّة. فعبر العقيدة الإسلامية، كان يتم محو القبلية والإقليمية بصراعاتها الدموية، مرسّخة فكرة الإخاء كتعبير عن المساواة من نواحي الصلة الدموية أو الاجتماعية، مطلقة للفرد حريته في إطار المسؤولية الفردية.
فلم يمض وقت طويل بعد ظهور الدعوة الإسلامية، حتى غدت فكرة المساواة والإخاء هي الأفق الجديد في مجتمع المدينة بين المهاجرين والأنصار، مما أسس لقيام أمة عربيّة إسلامية جديدة.
وإذا كانت فكرة المساواة، هي المضمون المثالي لمبدأ العدل في الإسلام، فإن هذا المبدأ، تحقق أكثر ما تحقق في تعبير وجداني هو الإخاء العقائدي. مما كان يرسي الحرية الإجتماعية في حركتها الاقتصادية والسياسية على أسس سليمة داخل المجتمع الإسلامي حتى عصر انتهاء الخلافة في زمن المماليك أو في زمن العثمانيين.
لا شك أن مفهوم الحريّة في عصر النهضة كان مختلفاً تماماً عن ذلك المفهوم الذي عناه الفكر الديني عموماً، لاستخراج أبعاده المختلفة، الإنسانية منها والميتافيزيقية. إذ انبثق هذا المفهوم من الصراع الاجتماعي الذي تأسس على الصراع الديني أواخر القرن الثامن عشر في أوروبا.
فقد شهدت الكنيسة نفسها في أوروبا بوادر إصلاح داخلي، مهّدت كما نعتقد لبلورة الوعي العلماني حول مفهوم الحرية. إذ بادر (مارتن لوثر) للدعوة إلى طباعة الكتاب المقدس وجعله في متناول الجميع، كما بادر الفيلسوف (جون لوك) للدعوة إلى إخضاع تفاصيل العقيدة الدينية للعقل. وركّز (تولاند) على ضرورة توضيح العقيدة الدينيّة وعدم استغلالها، وإتاحة الفرصة أمام المفكرين من أجل بلورة مضامينها.
وبدا الفكر الأوروبي مع (روسو) و(فولتير) و(ديدرو)، ينحو منحىً إنسانياً، يتسم بالعلمانيّة والانفتاح، ويؤسس لمدارس فكرية، كانت غايتها البحث في الموضوعات الاجتماعية والاقتصادية والسياسيّة التي تهم الإنسان، وتجعله أكثر اطمئناناً على مستقبله، وأكثر تفهماً لمشكلاته، وأكثر قدرة على وضع الحلول الملائمة من أجل حلّ المعضلات التي تواجهه يومياً على الصعد كافة.
أما الحركات الإصلاحيّة الإسلاميّة التي شهدتها الأمّة العربية والإسلاميّة عشية عصر النهضة، فقد كانت حركات سياسية، تستهدف تغيير وجه الحكم العثماني في اتجاه الديمقراطيات الحديثة وتخفيف طبائع الاستبداد عنه، بالإضافة إلى هدف قومي وديني آخر، هو إبعاد الاستعمار الأوروبي عن العالم العربي والإسلامي. وقد عملت هذه الحركات الإصلاحيّة من جانب آخر على تجديد الإسلام، من خلال الدعوة إلى فتح باب الاجتهاد والرجوع إلى نقاء الإسلام في مصدريه الأساسيين: القرآن الكريم والسنّة النبوية الشريفة، والعمل بكل جديّة على التقريب بين المذاهب الإسلامية، وإزالة الانقسامات فيما بينها.
من جانب آخر، فقد انشغل المفكرون العرب والمسلمون، ابتداءً من عصر النهضة، بمسألة العلاقة الجدلية القائمة بين العروبة والإسلام تاريخياً، على الرغم من أن الباحثين الغربيين، لا يميزون كثيراً بين الاثنين، بل نراهم يستعملون أي لفظ منهما ليدلّ على الآخر، وعلى الرغم من أن تاريخ العرب السياسي والاجتماعي والفكري، هو إلى حدّ كبير تاريخ الإسلام، بقدر ما كان تاريخ الإسلام السياسي والفكري والاجتماعي، تاريخ العروبة.
* أستاذ في الجامعة اللبنانية