كان الصليبيون خلال معركة حطين يتراجعون والقتل والأسر يعملان في فرسانهم، حتى بقي ملك بيت المقدس وحوله مائة وخمسون من الفرسان، فقبض عليهم المسلمون جميعاً، وهم متساقطون على الأرض لا يستطيعون حراكاً بسبب الإنهاك والعطش والخوف .

وسيق الملك جاي لوزجنان وأرناط صاحب حصن الكرك، وجيرار دي ريد فورت مقدم الداوية . . وغيرهم من قادة الصليبيين إلى صلاح الدين في مخيمه، فاستقبلهم استقبالاً حسناً، وأجلس الملك إلى جانبه وقد أهلكه العطش . وبادر صلاح الدين بتقديم إناء به ماء مثلج للملك جاي، فشرب منه وأعطى ما تبقى لأرناط فشرب، وعندئذٍ غضب صلاح الدين وصاح: إن هذا الملعون لم يشرب الماء بإذني فيناله أماني . وفي رواية صاحب كتاب الروضتين أن صلاح الدين قال لملك بيت المقدس: لم تأخذ في سقيه مني إذناً، فلا يوجب ذلك له مني أمناً . ويفسر القاضي ابن شدّاد هذا التصرف من جانب صلاح الدين فيقول: وكان على عادة جميل العرب وكريم أخلاقهم أن الأسير إذا أكل أو شرب من ماء لمن أسره، أمن بذلك .

قتل أرناط

والتفت صلاح الدين نحو أرناط وذكره بجرائمه وخيانته وقرعه بذنوبه وعدد عليه غدراته، وقال له: كم تحلف وتنكث؟ فرد أرناط على لسان الترجمان: قد جرت بذلك عادة الملوك وعندئذٍ أمسك صلاح الدين بسيفه، وضرب رأس أرناط، فجاء ذلك وفاء نذره .

وخاف جاي لوزجنان وظن أن دوره آتٍ عن قريب، ولكن صلاح الدين هدأ روعه وقال له: لم تجر عادة الملوك أن يقتلوا الملوك وأما هذا فإنه تجاوز حده فجرى عليه ما جرى .

انصرف صلاح الدين من حطّين، في حين سيق الأسرى إلى دمشق، حيث حبس الأمراء وبيع عامة الفرسان والجند في أسواق الرقيق . وقد بلغ من كثرة الأسرى أن الأسير كان يباع في دمشق بثلاثة دنانير، وكان يباع الرجل وزوجته وأولاده في المناداة بيعة واحدة! (بالجملة) . وقد بلغ سعر الجملة للأسرة المؤلفة من الصليبي وزوجته وأبنائه الثلاثة وبنتيه، ثمانين ديناراً .

كانت حطّين أعظم من مجرد نصر بالنسبة للمسلمين، فهي في حقيقة أمرها بشير بنجاح المسلمين في القضاء على أكبر حركة استعمارية شهدها العالم في العصور الوسطى . أما بالنسبة للصليبيين، فإن حطّين كانت أضخم من مجرد كارثة حربية، لأنه لم ينتج عنها أسر جاي لوزجنان ملك بيت المقدس وضياع هيبة مملكته وسلطتها الفعليّة، وإنما نتج عنها أيضاً نقص ملموس في الفرسان المحاربين بعد أن سقط زهرة فرسان الصليبيين، وغالبية جيش مملكة بيت المقدس بين قتلى وأسرى في يوم حطّين، فمن شاهد القتلى قال: ما هناك أسير، ومن عاين الأسرى قال: ما هناك قتيل، على قول أبي شامة .

دويلات متهالكة

وقد ظلت الدويلات الصليبية في أواخر القرن الحادي عشر، منذ ذلك الوقت تعاني نقصاً شديداً في المحاربين . وكانت أضعف من أن تتحمل الكارثة التي نزلت بها في حطّين . حقيقة أنها استطاعت البقاء بعد ذلك قرابة قرن من الزمان، ولكن بقاءها لم يكن وليد قوتها بقدر ما كان نتيجة لضعف القوى الإسلامية وتفكّكها وعدم وحدتها في مصر والشام بعد وفاة صلاح الدين .

وغدا الصليبيون في بلاد الشام بعد موقعة حطّين تحت رحمة صلاح الدين، فشرع بفتح البلاد والمدن الصليبية واحدة بعد أخرى فتحاً سريعاً متواصلاً . وكان في حروبه معتدلاً بعيداً عن التطرف، ويتمسك بمبادئ الأخلاق والرحمة والتسامح، وهو الأمر الذي شهد له به معظم المؤرخين، الغربيين والشرقيين .

وكان من الأمراء القلائل الذين نجوا من موقعة حطّين الأمير باليان الثاني دي أبلين الذي أطلق عليه المؤرخون العرب اسم ابن بارزان والذي تزوّج من الملكة ماريا كومنين أرملة عموري الأول ملك بيت المقدس الأسبق . وقد سمح صلاح الدين وفقاً لسياسته في التسامح والإفراط في الحسنى مع خصومه لذلك الأمير بالذهاب إلى بيت المقدس، بشرط عدم المبيت فيها أكثر من ليلة واحدة لأخذ زوجته وأولاده منها . غير أنه نسي وعده لصلاح الدين، وأخذ يعمل بسرعة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الحطام الصليبي . فجمع من استطاع جمعهم من الفرسان وأبناء الفرسان فوق سن الخامسة عشرة، فضلاً عن الصناع والتجار الصالحين للقتال، ثم لجأ بالاتفاق مع البطرك إلى الاستيلاء على ما بكنيسة القيامة من نفائس معدنية وأوان فضية لصهرها وضربها نقوداً يستعين بها على قضاء حاجات الدفاع واستئجار الجند .