فقد المسرح العربي مؤخراً أحد مبدعيه بشكل خاطف ومحزن، ففي قمة إبداعه وتألقه، مات قاسم مطرود بعد صراع قاس مع المرض، نصف قرن عاشها الكاتب والناقد والمخرج المسرحي، بين عدد من دول العالم، وكأنه حظي من اسمه بنصيب، فظل مطروداً ومطارداً، ولد قاسم في بغداد في عام ،1961 وبسبب عشقه للمسرح، التحق بأكاديمية الفنون الجميلة في عام 1994 في جامعة بغداد وتخرج فيها عام 1998 في اختصاص الفنون المسرحية قسم الإخراج المسرحي، بعدما دخل معهد الفنون الجميلة قسم فنون مسرحية عام ،1979 ثم واصل دراساته المسرحية الجادة في الخارج، حتى صار رئيس قسم الفنون المسرحية في الجامعة الحرة في هولندا، وبعد تسع سنوات في هولندا غادرها لإنجلترا . كتب للمسرح أعمالاً مهمة منها: طقوس وحشية، للروح نوافذ أخرى، رثاء الفجر، الجرافات لا تعرف الحزن، جسدي مدن وخرائط، حاويات بلا وطن .

الخليج أجرت هذا الحوار مع قاسم مطرود أثناء مشاركته في أحد مهرجانات المسرح في القاهرة، وهو للمرة الأولى هنا .

هل المسرح بشكله التقليدي غير قادر على إيصال رسالته الفنية والفكرية؟

- المسرح أهم كائن متطور منذ بدء الخليقة حتى الآن، قبله وبعده جاءت وذهبت الكثير من المناهج والمدارس والأطر إلا أنها لم تدم بسبب فقدانها القدرة على التغيير، لا وجود للسكون في المسرح وسترى هذا إذا تابعت مسيرته منذ النشأة حتى اليوم، وهذا يعني أنه متغير الشكل والمضمون .

ظللت في العراق، ثم طفت بغيرها ثم كان الاستقرار في هولندا ثم بريطانيا . . هل للأمر علاقة بالمسرح بشكل ما؟

- بالنسبة لخروجي وخروج زملائي من العراق، في فترة وجود الديكتاتورية التي ضيقت علينا كل منافذ الحياة، فقد قررت هجرة الوطن الرحم وأنا أشعر بأني تركت كلي خلفي، على مضض، وجربت العيش في البلدان التي تحترمني كإنسان، بغض النظر عن ديني وقوميتي وعرقي، وبعد تجوال في العديد من دول أوروبا استقررت في هولندا لتسع سنوات، وفي العام الأخير تركتها وذهبت إلى لندن، كي أقترب أكثر من المشهد الثقافي والحركة المستمرة للتطور، أدركت أنه من الضروري أن نكون فاعلين لا متفرجين .

هل هناك إمكانية لاستلهام الأشكال المسرحية القديمة، حتى باعتبارها لونا من ألوان التجريب؟

- المسرح وعاء فكري وجمالي كبير وميدان يقبل كل جديد وقديم شريطة أن يكون من لحمة الفكرة وجزءا من الموضوع كي ينمو معها كطرف مهم، لا ينمو فيها كورم يوقف حركة تطورها باسم التراث أو الأصالة . يمكننا الأخذ من التراث ما يتوافق وعصرنا أو تطويعه إلى المستجدات اليومية .

قلت في حوار معك إن لم أحب العراق فأنا ملعون والسؤال ماذا يفعل مسرحي مثلك لوطنه؟

- الكثير، ولا أعني أنا، بل المشتغل في ميدان الإبداع الفني والأدبي الحقيقيين إذ هما الوجهان الناصعان المصححان لحركة التاريخ المشوهة، والشهادة المعلقة على جبين العالم، والتي تصرخ في وجهه وتريه حجم وحشيته، وتخجله وتؤنبه على سفك دماء الشعوب، وقتل الأطفال والأبرياء .

المسرح بالخصوص له القدرة في خلخلة مواضع المحتل في وطني

عبر سنوات الاحتلال . . كيف ظهر العراق في مسرح قاسم مطرود كاتباً ومخرجاً وناقداً؟

- إن لم يكن للعراق الحصة الأكبر في مشغلي المسرحي فلا خير في وجودي، ولا أعني هنا تسييس المسرح ولوي عنقه، ولكن حالة وطني العراق مختلفة تماما بل هي الأولى في الألفية الثالثة، لأننا وبالكاد نسينا إن لم نقل أصبح من التاريخ البعيد احتلال دولة عبر الجيوش العسكرية باتخاذ قرارات كاذبة، قرأنا ذلك في الحربين العالميتين أو قبلهما ولكننا لا نصدق أن تجيّش الجيوش وتحتل وطنا بشعبه وتاريخه وآثاره ومكتباته الأثرية وتحيله إلى رماد وتهجّر أبناءه في جميع أنحاء العالم، لهذا أقول بأن العراق حاضر وراء كل نص مسرحي أكتبه بل وراء كل مشهد وجملة وكلمة .

مفاجأة أن نسمعك تقول: إن المسرح ليس فناً جماهيرياً فكيف تشرح هذه القضية؟ أليس المسرح مدرسة الشعب؟

- لو لم أكن من المؤمنين بقدرة الكلمة الصادقة وبإمكانياتها على إحداث المتغير في جميع الأنساق الاجتماعية والسياسية لما امتهنتها وصارت الكتابة مصدر وجودي ومساحتي الأوسع للبوح . إلا أنني تخلصت ومنذ زمن بعيد من الشعارات ويعود الفضل إلى تجارب الأحزاب والنظم الديكتاتورية الفاشلة التي رفعت شعارات وحشدت لها كل الطاقات المادية والبشرية، وفي النهاية تعلن عن خوائها، لهذه التجارب يعود فضل تعلمي واستدراكي بألا يكون المسرح بوقا لشحذ الهمم .

فالمسرح مدرسة الشعوب مجرد شعار فارغ .

هل تغير فهمك للمسرح بعد الإقامة في أوروبا؟

- بالتأكيد فأنا إنسان أقبل التغير وأتعامل معه باعتباره حركة العصر وإنسان لا يتواصل أو يتوافق مع استحداثات العصر هو ميت، حين كنت في العراق لم يتح لي مشاهدة منجز الآخر عن قرب، كنا نقرأ عنهم فقط، واضرب لك مثلاً بسيطاً يوم رحلت إلى هولندا أنشأت مجلة مسرحيون الإلكترونية بسبب وفرة التقنية والإنترنت والكمبيوتر والهدوء واحترام الإنسان وحرية التعبير وهذا تأثير وتأثر طبيعي للاندماج بالحضارة .

لماذا تأخر ظهور أعمالك ككاتب حتى عام 1997م بمسرحيتك للروح نوافذ أخرى ثم رثاء الفجر في العام الذي تلاه؟ هل الناقد والمخرج سرقك من المبدع؟

- منذ عام 1979 وأنا أمارس النقد المسرحي في الصحف والمجلات وقد نعت بالناقد الجاد وظلت هذه الصفة تلازمني حتى الساعة ويمكنك تسميتها بالسوط الذي يجلدني إذا ارتكبت خطأ أو فكرت بارتكابه، وكنت أكتب نصوصا في العام نفسه يمزقها الناقد الذي يسكنني حال إكمالها .

يذكر النقاد أن تيمة الانتظار غالبة على أعمالك، فماذا ينتظر الكاتب من الغد؟

- التغير المنشود والحلم الموعود ونحن ننتظر كل شيء من الغد بما احتوى من حياة وموت، إن أول من أطلق هذه الصفة على نصوصي هو الفنان الكبير سامي عبد الحميد وتلاه الأب الروحي للمسرح العراقي يوسف العاني بعد أن كتبا المقدمتين للمسرحية الأولى والثانية، وهذا لا يعني بأن نصوصي توقفت عند هذه التيمة، رغم ثرائها، فقد حاولت البحث الدائم عن الشكل والمضمون وفقا لمفهوم التجريب بالهدم والإزاحة والإتيان بالجديد الحتمي .

يسيطر على أعمالك شعور بالكابوسية، وهاجس الموت، لماذا؟

- أنا ابن وطن لم يعرف السكينة منذ نصف قرن، يوم بدأت أتلمس الكلمة والصورة الدالة على ماهية الوجود كانت المشانق تنصب في الطرقات والموت يوزع بالمجان بسبب ومن دون سبب، الموت هو الصورة المتكررة في حياتنا اليومية جثث يبثها التلفاز بحجة انتصاره على العدو وجثث يعلقها أو يجرها في الشوارع بحجة الإجرام لينشر الخوف والرعب في نفوسنا، وجثث صارت طعاما للحيوانات السائبة ورؤوس مقطوعة ترمى في علب الفاكهة وتركن إلى جانب حاويات النفايات .

فكيف لي أن أكتب بمعزل عن الموت والخوف والأحزان ومن مات هناك كان أخي ومن علق على العامود صديقي ومن أعدم ابن عمي ومن ذهبوا في المقابر الجماعية أخوتي في الإنسانية، فما نفع قلمي إن كان فيه نفع إن لم يمر بهذه المآسي .