كان العباسيون ورثة بيت النبوة، وكانوا يرغبون في إحياء السنة وإقامة العدل وهو الميدان العملي لتطبيق هذه السياسة، وقد ظهر اهتمامهم وعنايتهم به منذ وقت مبكر. إذ عظم شأن القضاة وقوي مركزهم منذ عهد الخلفاء العباسيين الأول، الذين ما إن ظفروا بالملك حتى اشتدوا في شأن القضاة وتخيروا للوظائف الشرعية صدور العلماء.
وقد اعتبر المنصور القاضي أحد أربعة لا يصلح الملك إلا بهم (أما أحدهم فقاض لا تأخذه في الله لومة لائم. والآخر صاحب شرطة ينصف الضعيف من القوي، والثالث صاحب خراج... وصاحب بريد يكتب خبر هؤلاء على الصحة) وقال مرة: الذي علي للرعية أن اختار قضاتهم وأعزلهم بالحق لكي لا يصل ظلم بعضهم إلى بعض وأن أرفع أقدار فقهائهم وعلمائهم.
أحاط العباسيون منصب القاضي باحترام كبير فهو عندهم عمود السلطان وقوام الأديان. وكتطبيق عملي لهذا الاتجاه، جعلوا سلطة تعيينه وعزله منوطة بالخليفة مباشرة. وكان المنصور أول من عزل دائرة القاضي عن سلطة الأمير، أما قبل هذا العهد، فقد كان ولاة الأمصار يستقضون القضاة ويولونهم دون الخلفاء.
وقد ظل تقليد القضاة وعزلهم طيلة العصر العباسي من صلاحيات الخليفة. فلا يجوز للقاضي الحكم إلا بتفويض منه، وإلا فسلطته وأحكامه تغدو غير مشروعة (لأن التقليد لا يصح إلا من جهته). وهذا ما عزز مكانة القاضي وأوجد الحاجة الملحة لإخضاع الدائرة القضائية إلى الرقابة المستمرة. فالقضاة يصدرون أحكامهم باسم الخليفة، فكان لا بد أن يخضعهم لرقابته المستمرة، وقد أدرك المنصور هذه الحاجة، فاستعان بأصحاب الأخبار والبريد ليكتبوا له عن قضاته في الأقطار وسيرتهم في الأحكام.
وشهد العصر العباسي الأول ظهور المذاهب الفقهية، وكان ظهورها مرافقاً لظاهرة تدوين المدونات الفقهية التي سهلت للقضاة مهمة إصدار الأحكام وفق مقتضيات الشريعة، فكان القاضي يتبع الفقيه فيما يدونه.
وحدة المؤسسة القضائية
وفي عصر الرشيد، استحدثوا منصب قاضي القضاة، ليتولى نيابة عن الخليفة الإشراف على قضاة الدولة وسيرتهم الوظيفية.
ويعتبر ذلك من أبرز مظاهر تطور النظام القضائي في العراق، فظهور منصب قضائي جديد، يتولى صاحبه الإشراف على جميع قضاة الدولة، نيابة عن الخليفة، وهو منصب قاضي القضاة ومقره حاضرة (عاصمة) الدولة العربية بغداد، أمر في غاية الأهمية.
وفي عصر الرشيد (170ه 193ه/786 808م)، تولى هذا المنصب القاضي أبو يوسف الأنصاري (ت 182ه/798م) تلميذ الإمام أبي جنيفة. وقد منحه الرشيد كامل ثقته، فكان تعيين جميع قضاة الدولة راجعاً إليه. والظاهر أن أبا يوسف لم يقتصر نفوذه كقاض للقضاة على الإدارة القضائية فحسب، فقد عهد إليه الرشيد تنظيم مالية الدولة على أسس الخلافة الراشدة، فوضع كتاب الخراج. واستمر المنصب، في تطور مستمر طيلة العهد العباسي، وكان خير مثال على وحدة ومركزية الإدارة القضائية العربية، فجميع قضاة الدولة العربية في المشرق والمغرب يرتبطون بشكل أو آخر بقاضي القضاة في بغداد.
ولهذا السبب، بقي قاضي القضاة في بغداد وحده يمثل وحدة المؤسسة القضائية للأمة، ومن هنا تجنب الأمويون في الأندلس، أن يوجدوا لأنفسهم (قاضي قضاة) خاصاً بهم واكتفوا بقاضي الجماعة، أي جماعة المسلمين.الشاهد العدل
وكان القاضي يقبل شهادة الشهود إذا كانوا عدولاً بعضهم على بعض، وربما سأل القاضي الخصم عما يقوله في الشهود عليه قبل أن يحكم عليه بشهاداتهم، وهذا ما كان يفعله شريح في أول الأمر. فإذا قبل الخصم شهاداتهم وقال: إنهم عدول مرضيون، حكم بشهادتهم، رافضاً الطعن بعدالتهم بعد صدور الحكم.
ومنذ خلافة المنصور ظهر نظام قضائي فريد، وهو قيام هيئة من الشهود العدول لم يكن لغيرهم حق الشهادة في المحاكم، ينتقون بعد عملية تحر دقيق، وتثبت أسماؤهم في نهايتها في قائمة لدى القاضي، حتى صارت كلمة (الشاهد العدل) يقصد بها هذا الشخص المسجل في القائمة. ومع أننا نجهل عددهم بالضبط، إلا أن كثرة من نال منهم لقب (الشاهد العدل) تدل على أن العدد ليس بالقليل، كما أن بعضهم صار من (شيوخ العدلية) أو من (كبار أهل العدلية)، ويمكن اعتبار ولاية إسماعيل بن إسحاق لقضاء بغداد في الفترة (246 282ه/ 860 895م) حداً فاصلاً ومهماً في تاريخ عدول الخلافة العباسية. فقد استحدث هذا القاضي هيئة محدودة من العدول المتميزين يسمع شهاداتهم دون غيرهم من الناس. وقد أشارت المصادر إلى وجودهم قبل هذا التاريخ، ولكن الذي حدث أن إسماعيل القاضي عين عدولاً محدودي العدد خصهم بالشهادة في مجلسه دون غيرهم.
وظهرت وظيفة المحاماة منذ العصر العباسي الأول، إذ أوردت المصادر أسماء عدد كبير من الوكلاء (المحامون) تولوا مهمة الدفاع عن موكليهم في المحاكم، لقاء أجر متفق عليه بين الموكل والوكيل.