الشارقة - "الخليج":
في ذاكرة الإبداع الإماراتي، ثمة شعراء ومسرحيون وكتاب راحلون، غيبهم الموت، لكنّ ذكراهم باقية، كبقاء آثارهم، تلك، التي تخبرنا عن الحياة والولادة، وتعزف على أوتار ذكرياتهم، روحا ضاجة بلون كلماتهم الحارة، الطازجة التي ترسم ملامح حياة جديدة، تشف من بين غبار الجنون والتعب، قصائدهم وكتبهم وأعمالهم، هي مثل المدن والحواري والزقاقات التي زاروها، حاضرة كالبهاء الشفيف الذي يتخلل هذا التنوع الأدبي الذي خلفوه وراءهم .
عمدت الإمارات عبر مؤسساتها الثقافية المختلفة وبالأخص اتحاد كتاب وأدباء الإمارات إلى تكريم هؤلاء الراحلين، فطبعت الكثير من كتبهم، وهي مبادرة تستحق الشكر، لأن في ثناياها اعترافا بفضل هؤلاء وريادتهم، بمثل ما هو اعتراف بدور الإبداع والكلمة في صياغة الحلم الذي يراود عشاق الكلمة حيثما حلوا وارتحلوا . في ذاكرة الكتابة في الإمارات، قامات كبيرة مثل سلطان بن علي العويس، محمد خليفة بن حاضر، أحمد المدني، علي العندل، سالم الحتاوي وغيرهم .
عند ذكراهم، تنعقد الكلمات، وسرعان ما تتبعثر حروفا محلقة في السحاب، تبحث عن السكينة، وتستقر في كون بعيد، وغامض ومستريب، يلقي بأسئلة خجولة عن الأرض والورد والحرب والشفاه الشغوفة بالحب واللثغة الأولى في جبهة الحياة .

المدني . . شغف المعرفة

حين يذكر اسم الشاعر أحمد أمين المدني، يتوقف المرء كثيرا أمام هذا الاسم الذي يرتبط بنكهة عالمية في حجمها الثقافي والشعري، فسيرته الذاتية تضيء على تعلقه بأسماء فلاسفة وشعراء ومؤرخين وفلاسفة أثناء إقامته في بريطانيا مثل: أرنولد تويبني، وت .س . إيليوت، وبرتراند راسل، وغي . إم . فورستر .
ولد المدني في دبي عام ،1931 درس في المدرسة الأحمدية، وعمل على تثقيف نفسه في ظروف صعبة، ذهب إلى العراق لإكمال دراسته الثانوية في بغداد والتحق بكلية الشريعة ليحصل على شهادة في علومها وعلوم اللغة العربية، لكنّ ذلك لم يكن غاية طموح المدني الذي كان دائما شغوفا بالمعرفة، فها هو يقرر الذهاب إلى أدنبرة في بريطانيا ثم جامعة كامبردج، فيحصل على شهادة الدكتوراه عن أطروحته "فكرة التوحيد في الإسلام" عام 1967 . وهو أول طالب إماراتي يحصل على هذه الدرجة . وقاده ولعه المعرفي إلى دراسة اللغة الفرنسية وآدابها في السوربون بباريس .
تأثرت تجربة المدني في الحياة الثقافية في العراق، وشعراء كبار من رموز الحداثة الشعرية في الوطن العربي من أمثال: بدر شاكر السياب، الذي قال عنه المدني "السياب كان صديقي الحميم، التقيته للمرة الأولى في العام 1949 في مكتبة متواضعة في البصرة يتردد عليها شعراء البصرة والكويت في ذلك الوقت" .
بعد أن أنهى دراسته في بريطانيا، عاد المدني إلى الإمارات، ودخل ميدان العمل وتنقل بين مهام وظيفية لم يستمر في أي منها طويلاً، ومنها: معلم في المدرسة الصناعية في الشارقة، مذيع في أول إذاعة تفتح في الإمارات وهي إذاعة صوت الساحل، من منطقة المرقاب بالشارقة ثم أمين المكتبة العامة التابعة لبلدية دبي، وفي سيرته الذاتية ما يؤكد أنه فتح أول فصول محو الأمية في العام ،1970 في الإمارات، انتقل المدني إلى وزارة الدفاع في العام ،1972 كما عمل أيضاً في مجلة الأمن التي تصدرها قيادة شرطة دبي وفي القسم الثقافي في جريدة الاتحاد والقسم الثقافي في جريدة الخليج، وكاتباً في جريدة الفجر ولكنه استسلم للمرض في العام 1977م وفي هذا العام فارق الحياة .
أصدر المدني عدداً من الدواوين الشعرية: "حصاد السنين" عام 1968 على نظام التفعيلة، وكان باكورة إنتاجه الشعري، وكان أيضاً باكورة الشعر الحر في الإمارات، و "أشرعة وأمواج" عام ،1973 وقد قام الباحث والمؤرخ أحمد محمد عبيد بجمع مجموعة من قصائد المدني غير المنشورة في كتاب بعنوان (قصائد ضائعة لأحمد المدني) صدرت عن المجمع الثقافي في أبوظبي عام 2001 .
ينظر النقاد إليه بوصفه رائداً من رواد الحداثة الشعرية في الإمارات، وعاملاً أساسياً لانتقال حركة التجديد وشعر التفعيلة، وبذلك فتح الباب على مصراعيه لحركة الشباب للتأثر في الحداثة الشعرية، والمساهمة الفعالة في حداثة شعر الإمارات .
كتب المدني فضلاً عن الشعر، سلسلة من المقالات وألف كتباً وحاضر في ندوات كثيرة، في الأدب والمجتمع وشؤون الحياة، وكانت له إسهامات مهمة في الكتابة من خلال صحف عربية عديدة مثل: مجلة الآداب، فتى العراق، العاصفة، الأهالي، القبس، الزمان، الأديب، الآداب، مجلة الشعر، مجلة الفكر التونسية، مجلة الضاد، وفي الإمارات كان من أوائل من كتبوا في مجلتي أخبار دبي والأزمنة الحديثة، ثم الصحف المحلية كالبيان والاتحاد، والخليج، والفجر، وغيرها .
تتضمن مؤلفات المدني "شعراء الإمارات المعاصرون"، "دراسات في الشعر الأندلسي"، "دراسات في الفلسفة"، و"دراسة عن الشعر النبطي بالإمارات" .

سالم الحتاوي . . الحياة في المسرح

حكاية سالم الحتاوي مع المسرح هي حكاية إخلاص ومثابرة في سبيل الفن، حكاية حياة من أجل المسرح، حياة مرت سريعاً لكنها حفرت أثراً لا يمحي في تاريخ المسرح الإماراتي، بما يزيد على 25 مسرحية على مدى ما يقرب من عشرين عاماً من العطاء المسرحي، منذ 1994 تاريخ أول مسرحية له وهي (أحلام مسعود) وحتى 2009 عام وفاته، كأنما كان يسابق أجله ليقول كلمته مفصلة بفصول وأجزاء مسرحياته، وليودع تاريخ المسرح الإماراتي مدونة من النصوص التي تلبي حاجة المخرجين كلّما فتشوا عن النص الذي يحمل سمات المحلية ويغوص في أعماق الأرض والشخصية الإماراتية، ويشهد على فترة من فترات تطور البلاد ويطرح قضايا المجتمع في لحظة تاريخية كان فيها ذلك المجتمع يخرج من أشكال الحياة التقليدية ويمد يديه لحياة جديدة بكل تفاصيلها، ومغايرة لكل ما ألفه من قبل، في ذلك الجو كانت المسرحية هي وسيلة التوثيق بالنسبة إلى الحتاوي ذلك الفتى الحصيف الذي يحس التبدل والتغير، ويرصد بوجدانه اضطراب حياة الأفراد وتبدل قيمهم ومواقفهم من ذلك التطور، فوضع يده على مكامن القلق والاضطراب في حياتهم وصاغها مسرحاً، يتسم بالحيوية والقرب من الإنسان .
منذ مسرحيته الأولى (أحلام مسعود) يضع الحتاوي أحد أهم مميزات أعماله المسرحية وهو انشغاله بالإنسان الهامشي والضعيف الذي لا يهتم به أحد، رغم أنه إنسان يحمل أحلاماً ورغبات .
من القضايا البارزة في كتابات الحتاوي أيضا اهتمامه بالمعتقدات الخرافية للمجتمع وكيف أن هذه المعتقدات تضر بحياة الناس، وينبغي التخلي عنها، ففي مسرحية "الجاثوم" تدخل "أم صقر" العمياء في صراع طويل مع الجنية "روية" التي كانت قد قضت على زوجها وأبنائها، ولم تبقِ لها سوى ابنها البكر صقر الذي اتخذته تلك الجنية زوجاً لها وأصبح مخبولاً ذاهلاً، ما اضطر عمه إلى إلغاء زواجه من ابنته .
الجاثوم من ناحية أخرى تحيل على ملمح من ملامح الأسلوب الحتاوي وهو استحضار الأجواء الغرائبية التي تثير خيال المشاهد وتبعث فيه الدهشة، فهناك القطة التي تتحول إلى أشكال الجن، والجن الذي يتلبس البشر، والحجاب الذي يحرق، والخطاب المباشر بين الجن وبين البشر، والمجنون الذي يخاطب كائنات لا يراها غيره، فكلها أجواء تثير المتلقي وتأخذه في عوالم من الغرابة المدهشة .
كتب الحتاوي بالفصحى والعامية، والملاحظ أن الكتابة عنده متقشفة خالية من الرونق الأدبي الزائد الذي يحول الكتابة إلى سرد، ويبعدها عن الحدثية، فالحتاوي مرتبط في حواراته بالحدث بشكل مباشر، وهو حين يكتب بالعامية يستحضر أجواء البيئة المحلية، بتقاليدها ومفرداتها، وتشكيلات المكان فيها، وكثيراً ما يجعل من الفريج القديم مسرحاً لحواراته، وكنفاً لشخصياته، حيث تحضر الأزقة والبيوت الطينية، والبئر والألبسة القديمة، والبحر وعدته، وهناك تتجلى البساطة والفقر والحب والترابط بين أفراد المجتمع، في مقابل عالم جديد ثري بدأ ينشأ ويكبر ويكاد يبتلع الفريج، ولا يزال الناس ينظرون إليه في تلك الفترة بكثير من الريبة والخوف، لأنه سيفكك عالمهم القديم البسيط المحبب، ويقضي على قيمهم في الترابط والمحبة، وهذا الخوف من تبدل القيم سيختبر الفنان "عاشور" في مسرحية الجاثوم حين يقبل بالاحتيال، وينتقل من عالمه البسيط ويصبح شخصية كبيرة وفناناً ذا شأن، إلا أنه يحس أنه يعيش في كذبة كبرى لا يهدأ باله حتى ينسحب منها عائداً إلى عالمه الأول العالم الصادق الخالي من الزيف .
لقيت كتابات الحتاوي احتفاء مبكراً من طرف الساحة المسرحية التي تلقفتها، ووجد المخرجون فيها السهولة والدرامية التي يبحثون عنها في النص المسرحي، وكان لافتاً أنه في دورة مهرجان أيام الشارقة المسرحية 1996 قُدمّت أربعة عروض لأربع مسرحيات من تأليفه، هي: (ليلة زفاف)، و(صمت القبور)، و(الملة)، ومسرحية (إنها زجاجة فارغة) التي فازت في الدورة نفسها بجائزة أفضل نص مسرحي، وكان ذلك نجاحاً كبيراً لكاتب شاب لا يزال في بداية مشواره الكتابي آنذاك، ما أعطاه دفعة قوية، وشجعه على العمل الدؤوب الذي سيحصد ثمرته في شكل جوائز متتالية، وإقبال متزايد على مسرحياته، فهو الحاضر في كل المهرجانات والحاصد لجوائزها النصية، ومن مسرحياته المهمة التي لقيت نجاحاً في الإمارات والخليج مسرحية "عرج السواحل" و"الجاثوم" و"زمزمية" و"زهرة" و"كل الناس يدرون" و'"الجنرال" .

العندل . . عزلة الهامش

عشر سنوات مرت على وفاة الشاعر الإماراتي علي العندل، ذلك الغامض والشفيف والخجول بحسب وصف عدد قليل من أصدقائه الشعراء والكتاب الذين يتذكرونه كومضة عابرة في الحياة، تركت أثرا كبيرا في وقعها الإنساني والإبداعي، تخرج العندل من جامعة العين في الإمارات، وبرز نشاطه الإبداعي في ثمانينات القرن الماضي .
كان العندل مهموماً بالأمكنة والحارات الشعبية، رحل في مقتبل العمر، لكنه وفي ضوء تلك المرحلة كان شاعرا مبرزا، رغم أنه كان قليل المعارف وليست له تلك الهالة من شبكة المعارف والأصدقاء، قراءاته في الفلسفة والشعر أثرت في تشكيل وعيه المبكر الذي شكله على نحو يشبه النأي والعزلة، كأنه كان يبشر بميلاد شاعر كبير أو فيلسوف وجودي .
يضم ديوانه "سيف الماء" 14 نصاً شعرياً وقدم له الشاعر والإعلامي إبراهيم الملا بكلمات تصور شعوره بعالم غرائبي مدهش يكاد لا يشبه إلا نفسه، وصورته مشحونة بالقلق والتوتر الهائلين .
لغة العندل الشعرية، هي فضاء شاسع يمزج بين قليل من الوضوح وكثير من الغموض الملغز، هو هكذا كنصه الفارق:
(قربانا / لبلاغة تافهة / توجت / إلى قبل الميلاد / لقيثارة الفقدان / خلف كل هذا / في بدء الخريف / ولذة الجذور / حيث في حديقة البصل / ليت / دمعة تأتي / أو لا تأتي / لأشعل ثيابي / للضحك، للغضب / متسكعاً / مالئاً قبضتي بالزئبق / إلى أين)؟
وأيضا: (مدهوناً بالحبو / والارتعاش الحر / مدوناً في الرسومات / ممنوحاً بكل اللعثمة / قميصاً / في بهتان السوق/ينادي/ليت الدمعة تضحك) .
وواضح من قراءة هذا النص وغيره، تلك الإزاحة التي تنسل من بين العبارات لتراوح بين التجريدي الملموس الذي يؤشر إلى إمكانات عالية في بناء النص الذي لا يفهم من دون إحالته إلى مبضع ناقد محترف، يتحرى الدلالة ويدرس مقدمات النص ومآلاته متأملاً تلك الفراغات التي تبحث في المتخفي وما وراء الكلمة ويحيل إلى فكرة من نسجه هو، فكرة جديدة لا مواربة، جديدة من حيث قدرتها على المزج بين المتناقضات، بين الموت والحياة، بين البكاء والضحك، بين الطفولة والكهولة، بين الشاعر نفسه وما يحيط به من عالم ضيق حتى حدود العبارة المصفاة التي تختزل إلى أقصى درجات المكر والدهاء . . صورة ودلالة وفكرة، محيطها يتنفس من ثقافة واسعة تليق بكبار الشعراء .
ديوان وحيد في جعبة علي العندل، الذي كان ينتقي كلماته بدقة، وأكيد أنه كان يتعب في اختيار مثل هذه الكلمات والعبارات، كأنها تنسل من قاموس خاص به، ومثل هذه الخصوصية تندرج في سياق البحث عن كل ما هو متوار في الهامش، كأنه يشظيه، ويكسر عزلته، ويرقب تحوله إلى هيئة جديدة قابلة للعيش في النور، مثل هذه التجربة تطرح أسئلة كثيرة على المتلقي، وهي تنجح ولا شك في إحلال دهشة من نوع ما، وإن تعسرت ملامحها الكلية، فإنها في الوقت نفسه تظل تنبىء عن تجربة تحتاج إلى مزيد من القراءات المعمقة .
يقول العندل في إحدى قصائده:
(يا سرداب الروح / قبضت عليك / عاريا إلى أين؟ / عيناك زائغتان / ونبضك / في كل المواسم خريف / أصباغ الدماغ صفراء / وقنينة السم خضراء . . تطاردني الأواني / والصدأ يزرع الرعب / في قلبي / إلى وجه لا أملكه . . . كل القمصان لا تليق بي) .

عبدالله مفتاح . . التوهج المبكر

عبدالله مفتاح هو أحد الممثلين الإماراتيين الأوائل وأحد مؤسسي الفرق المسرحية في الدولة، كانت بداياته في السبعينات من خلال مسارح أبوظبي وبالتحديد مسرح الشرطة، ومسرح الاتحاد اللذين أسهم في تأسيسهما، وشهدت تلك المسارح أدواره الأولى في مسرحيات مثل: "استاهل اللي يجيني"، و"البطرة تزول النعمه" و"الصبر زين"، و"اللي ماله أول ماله تالي"، و"الفخ"، وفي هذه الفترة اقترب من المخرج الكويتي صقر الرشود أحد الأعمدة المسرحية التي ساهمت في تأسيس المسرح الإماراتي، وقد أعطى هذا القرب لمفتاح حافزا على العمل الجاد، فشارك في تأسيس المسرح القومي للشباب، وشارك في مسرحية "غلط في غلط" لفرقة مسرح الفجيرة القومي، وستكون مشاركته في مسرحية "الرجل الذي صار كلباً" لأوزفالد دراغون التي أخرجها عبدالاله عبدالقادر لفرقة مسرح الشارقة الوطني، هي البابَ الذي انفتح له نحو القمة والشهرة في ساحة المسرح، وجعله واحدا من الممثلين الذين يشار إليهم بالبنان في تلك الفترة، كما ارتبط بصداقة قوية مع المخرج محمد الجناحي الذي اشترك معه في تأسيس عدد من المسارح، ومثل في معظم المسرحيات التي أخرجها الجناحي، وكان مفتاح لا يتوقف عن العطاء في المسرح أو التلفزيون أو الإذاعة وأعطته بطولته في مسلسل "أشفيحان" شهرة كبيرة، ولقي الكثير من التكريمات . لكن هذا الوهج الذي ظهر به عبدالله مفتاح في سماء المسرح والدراما لم يلبث أن خبا تحت تأثير الإحباط والمرض الذي أكل جسمه وأفقده القدرة على العمل، إضافة إلى التهميش الذي أحسه من طرف الكثير ممن كانوا حوله، فعاش آخر عمره محاطاً بالنسيان والألم، ثم جرى تكريم اسمه في المهرجان المسرحي الثامن للفرق الأهلية في مجلس التعاون لدول الخليج العربية الذي نظم في أبوظبي في عام ،2003 واعتبره المهرجان واحداً من رواد المسرح العربي، ما يمكن اعتباره محاولة لإعادة الاعتبار له ولو بعد موته .

سلطان العويس . . صدق اللحظة

من غير الممكن الحديث عن المشهد الثقافي في دولة الإمارات العربية المتحدة، من دون التوقف عند تجربة الشاعر سلطان العويس، فهو واحد من الأسماء التي شكلت حالة ثقافية متفردة في زمن مبكر، لا تزال آثارها متجددة من خلال الجائزة التي تحمل اسمه ومنحت لأعلام كبيرة في الثقافة العربية .
ولد سلطان بن علي العويس عام 1925 في إحدى حارات بلدة الحيرة في إمارة الشارقة، وفيها تلقى تعليمه الأول، قبل أن ينتقل إلى دبي ويكمل مشوار تعلمه ويتعرف هناك إلى الأدب والشعر، حيث نشأ في بيت علم وأدب، وتربى في كنف أسرة عرفت بحبها الثقافة وإنجابها عدداً من الشعراء والباحثين والأدباء مثل شاعر الإمارات سالم بن علي العويس والمؤرخ عمران العويس والأديب أحمد علي العويس وغيرهم .
لذلك لم يكن غريباً أن يخرج من كنف هذه العائلة شاعر يشكل حالة مميزة، ويصبح رمزاً ثقافياً لدولة الإمارات، فاليوم وبعد مضي 13 عاماً على رحيله، ما زال الكتاب يدرسون شعره، وما زالت المسابقات، والأمسيات تقيم استذكارا لجهوده الثقافية ومكانته في تاريخ الثقافة الإماراتية .
بدأ سلطان العويس كتابة الشعر منذ العام ،1947 ونشرت أول قصيدة له في عام 1970 في مجلة الورود البيروتية، وانتشر شعره وذاع صيته على المستويين الخليجي والعربي، وعُرف سلطان شاعراً في كثيرٍ من الأوساط الأدبية المشهورة في لبنان وسوريا ومصر، وجمعته علاقات صداقة وأدب مع كثير من الشعراء والأدباء المعروفين في العالم العربي .
ورغم أن العويس يعتبر مقلاً في شعره إلا أنه يعد حلقة وصل بين جيلين من الأدباء والشعراء، وفي مقدمة شعراء الغزل في الخليج العربي ، إذ يرى النقاد والقارئون لشعر العويس أنه ''يتسم بسحر البيان ولطافة الأداء والصدق في اللحظة، كما أنه صادق في ترجمة عمق الذات رغم ما يبدو للوهلة الأولى من أن موضوع حديثه يفوق المتداول ويتعالى في المطلق ويعود ذلك إلى عدم التكلف لديه'' .
توفي سلطان العويس في 4 يناير/كانون الثاني عام 2000 ويومها قال عنه الأديب السوري الكبير حنا مينا: "وأنا أقرأ نبأ وفاة المغفور له بإذن الله، الشاعر الرقيق والشفاف غزلاً، الدمث الطيب خلقاً، الأريحي بناناً وجناناً، سلطان بن علي العويس، أستعيد ذكرى ذلك اللقاء وتلك الاحتفالية وتتردد في خاطري قولته بالغة اللطف عجيبة الدلالة خارقة المألوف، أشكرك لأنك قبلت جائزتي، فأضع رأسي بين كفي بينما الدمعة تتحير في المقلتين" .
أوقف العويس جزءاً من أمواله وخصص ريعها لجائزة ثقافية تحمل اسمه، حتى باتت تعتبر واحدة من أبرز الجوائز في الوطن العربي، وجاءت لتؤكد اهتمامه بالإبداعات الفكرية والأدبية، وتمنح للعديد من المبدعين العرب في مجالات فكرية وأدبية إبداعية متعددة .

محمد بن حاضر . . رحابة العالم

يمكن الدخول إلى عوالم الشاعر الراحل محمد خليفة بن حاضر عبر قصيدته، فهو واحد من الأسماء الشعرية التي أكدت حضوراً قوياً في المشهد الثقافي الإماراتي، من خلال التأصيل لتيار القصيدة الفصيحة، إذ يشكل في تمسكه بأصول الشعر امتدادا لتجارب الشعراء الكلاسيكيين أمثال شعراء المهجر والرابطة الأندلسية والمنفلوطي و حافظ إبراهيم وغيرهم .
ولد محمد بن حاضر في مدينة دبي عام ،1948 تخرج من جامعة ليدز ببريطانيا في إدارة الأعمال عام ،1970 بدأ العمل في السلك الدبلوماسي منذ سنة ،1972 عمل في بداية حياته في سفارة الإمارات العربية المتحدة في بيروت .
وانتقل قنصلاً عاماً في كراتشي في باكستان، ثم ترك العمل الدبلوماسي واتجه إلى العمل التجاري الخاص، ثم عين عضواً في المجلس الوطني الاتحادي، وكذلك كان عضواً مؤسساً ونائب رئيس مجلس إدارة ندوة الثقافة والعلوم لأكثر من دورة، وعضواً لهيئة تحرير مجلة المنتدى الثقافية التي تصدر من دبي .
رغم هذه المناصب السياسية والدبلوماسية التي تولاها ابن حاضر إلا أن اسمه لا يغيب عن الحديث حول المشهد الشعري الإماراتي والمؤصلين لتياراته، إذ ظلت تجربته الشعرية حاضرة من خلال الندوات الاستذكارية، إضافة إلى الدراسات التي تتناول تجربته، والأجيال الشعرية الجديدة التي تتأثر فيه .
إضافة لذلك فإن إسهامات محمد بن حاضر الثقافية ما زالت حاضرة وفاعلة في الحراك الثقافي الإماراتي، حيث كان من المؤسسين لندوة الثقافة والعلوم بدبي مع الأديب محمد المر رئيس المجلس الوطني الاتحادي، وتعد اليوم منارة ثقافية نشيطة في استضافة وتفعيل الحالة الثقافية الإماراتية والعربية .
وجاءت هذه المبادرة وغيرها في سيرته الثقافية، جزءاً من وعيه بأهمية الثقافة في بناء مجتمع متماسك الأمر الذي انعكس أثره إيجاباً في الأجيال المقبلة، وأسهم في إنعاش المشهد الثقافي، حيث حرص على أن يكرس الفعل الثقافي في دبي، بالتوازي مع اهتمام دبي بالنهوض الاقتصادي والتجاري .
ولم تقتصر تجربة ابن حاضر الشعرية على الفصيح، بل كان مجيداً كذلك في الشعر النبطي، وترك الكثير من القصائد التي رددها مختلف الأجيال، فهو كغيره من الشعراء الإماراتيين الذين تتنوع اهتماماتهم بين القصيدة الشعبية والفصيحة، إلا أنه لم يصدر أية مجموعة شعرية طوال مسيرته، بل كان يفضل النشر في الصحف والمجلات . ويرجح الشاعر إبراهيم الهاشمي في كتابه "محمد خليفة بن حاضر . . استعادات وامضة لجماليات الراحل المسافر" أن ابن حاضر أنجز عدداً من المؤلفات إلا إنها أحرقت في حريق أصاب بيته عام 1994 .
تناول العديد من الكتاب تجربة ابن حاضر، فكتب عنه الكاتب مؤمن السمان في مقال بعنوان "محمد بن حاضر من دائرة الحلم إلى التخييل الجمالي الشعري": "تشكل التجربة الشعرية للشاعر الإماراتي محمد بن خليفة بن حاضر نمطاً من أنماط التفاعل الجمالي المتميز مع الواقع، سواء كان هذا الواقع شخصياً يسرد شعرياً لتفاصيل الذات، وعلاقتها مع الآخر، أم كان هذا الواقع هو الوطن، والعالم الرحب بوجه عام" .
توفي محمد بن حاضر 8 يوليو/تموز عام 2011 ، إثر إصابته بنوبة قلبية في العاصمة الفرنسية باريس عن عمر 63 عاماً، ودفن في مقابر القوز في دبي .

أحمد راشد ثاني . . المبدع المتوقّد

تثير الكتابة عن الراحلين في النفس لواعج الشوق والحنين إلى من عمّروا هذه الأرض حيناً من الدهر، ثم رحلوا تاركين وراء ظهورهم ما أنتجوا وأبدعوا من أعمال حفرت في الذاكرة وتركت بصمة تذكّر بهم أنّى ذكرت، وفي كل يوم نودع فقيداً من فقداء الأدب والثقافة والتاريخ والفكر ليغدو في سجل الراحلين تاركاً بصمته ونتاجه وإبداعه خالداً بين ظهرانينا يحتفى بذكراه ويحتفى به في الحضور والغياب، لكنها ذكرى لا تخلو من شجن وحزن مضمخ بحرقة الفقد وألم الفراق، عامان مرا على رحيل أحمد راشد ثاني الذي ولد في خورفكان عام ،1962 وبها ترعرع وشبّ، وكتب الشعر أواخر السبعينات، نشرت قصائده في العديد من الصحف والمجلات الإماراتية والعربية، وترجمت بعض كتاباته إلى لغات أجنبية .
شغف ثاني بالأدب والتراث الشفاهي الإماراتي فحاز فيه جواد السبق في الطرق والعرض والتناول والتحليل، وجال في الذاكرة الإماراتية مستنطقاً ما تعالق في تلافيفها من روايات وحكايات تراثية، وقام بجمعها وتدوينها وتوثيقها في كتبه وبحوثه، وكان له إطلاع واسع وباع طويلة في التاريخ والشعر والسرد يعكس ثراء تجربته وخلاصة عطائه وإبداعه، وترك تراثاً ثراً ومتنوعاً في الشعر والمسرح والسرد والتراث من بينها: جزر الواق واق، على باب الموجة، ورقة السرير، جزائر حبيبتي، دم الشمعة، جلوس الصباح على البحر، حافة الغرف، يأتي الليل ويأخذني (شعر)، "يا الماكل خنيزي ويا الخارف ذهب" معجم شعبي، ابن ظاهر (بحث توثيقي)، "العب وقول الستر" (نص مسرحي)، حصاة الصبر، دردميس، إلا جمل حمدان في الظل بارك"، رحلة إلى الصير، أرض الفجر الحائرة (مقالات)، على البحر موجة (نصوص)، ورقة السرير، "لذة المرض"، الذي سرد فيه قصته ولحظاته الأخيرة على سرير المستشفى، حيث الكثير من الألم والقليل من الأمل والإحساس بدنو النهاية وبداية الرحيل، وتحمل كلماته التي دوّنها في هذه المخطوطة، التي نشرها اتحاد كتاب وأدباء الإمارات بإشراف الشاعر والتشكيلي محمد المزروعي ما يفصح عن وقع اللحظات الأخيرة وحالة الترقب المؤذن بالنهاية، حيث يقول:
تصبحون على خير أيها السعداء،
المملؤون حتى البهجة بماء الأبد،
النائمون الآن كأمواج في المحيط .
كان حاضراً، ولا يزال، بحسه وحدسه وتوقده وحرقته وإبداعه ، بفكره المتمرد، وتشظياته، بهمومه وشجونه . رحل ثاني ولا يزال ظله في الأرض يبكيه، يفتقده بحرقة وألم .

حمد بوشهاب . . . صلابة الموقف

يعتبر الشاعر الراحل حمد خليفة بوشهاب أغزر الكتاب والشعراء الإماراتيين كتابة وتأليفا، ارتبطت سيرته بكثير من المواقف، كما تمتعت شخصيته بسمات نادرة منبعها حب الوطن والبحث عن الأصالة، والاصطفاف بجانب الإنسان .
في سيرته ما يحكي عن ذلك البدوي المستقل في قراراته، المنحاز دائما للرقة التي وجدها بين عذب الكلام وهو الشعر .
والشعر بدأ عند بوشهاب متأثرا بالمتنبي الذي مثّل بالنسبة إليه طريق الحكمة في القصيدة، وحاول الحفاظ على هذه الخصيصة في الشعر الإماراتي، فالأصالة كانت العنوان الأبرز في شعره، والكلمة عنده تنطق بالإبداع والبيان والفكرة، كما كانت لسان حال الفرد الذي ينحاز للجمال والحق والموقف الثابت .
ولد بوشهاب، في عجمان عام 1932 . تعلم في كتاتيبها، أحب الشعر مبكراً وكتبه في سن التاسعة وظل محافظاً على القصيدة العمودية طوال عمره، سواء في شعره النبطي أو الفصيح، تنقل للعمل ما بين جزيرة "سقطرة" في بحر العرب والكويت والسعودية والبحرين في خمسينات القرن الماضي .
انتقل للعيش في دبي مطلع سبعينات القرن العشرين، وكان يجالس الشعراء والأدباء أمثال راشد بن سالم الخضر، راشد بن سالم بن ثاني، حمد بن سليمان، أحمد بن سند، وعبدالله الشيبة، ناصر بن محمد، خالد بن خصيف وغيرهم، فأخذ يحفظ ما يقولون ويكتبه، فتعلق أكثر بالشعر والأدب .
اهتم بوشهاب بتوثيق التراث الإماراتي من الشعر الشعبي وتاريخ دولة الإمارات العربية المتحدة، كما وثق الأنساب في المنطقة، وأشرف على إصدار عدد كبير من الدواوين الشعرية لشعراء النبط في الإمارات .
تمتع بوشهاب بذاكرة موسوعية استوعبت الثقافة العامة والشعر والنثر والأدب والتاريخ والأنساب، ونقل ذلك إلى الآخرين؛ بسلاسة وعذوبة وتهذيب يأسر المستمعين إليه، وقد تميز بسرعة البديهة وحضور الذهن، والقدرة على التدقيق والتمحيص والصبر الشديد .
في سيرته العملية ما يشير إلى تنقله في مناصب عدة، منها وزير مفوض في وزارة الداخلية، وعضو في لجنة التراث والتاريخ، ومدير إدارة مكتب وزارة الإعلام في الإمارات الشمالية في الفترة ما بين 1972 و،1976 وأنشأ مكتبات عامة في تلك المناطق، وبوشهاب هو أول من قدم برنامجاً للشعر الشعبي في تلفزيون الكويت عام 1971 وأول من نشر الشعر الشعبي في الصحافة اليومية عبر إشرافه على صفحة الشعر الشعبي في جريدة البيان .
لقب بوشهاب ب "الهزار الشادي" و"شاعر الإمارات" و"حارس الشعر المحلي"، ويعتبر من رموز الحركة الشعرية في الإمارات، وإلى جانب اهتمامه بالشعر عمد إلى دراسة التراث، واستوعب ما زخر به، هذا التنوع الثقافي، والتمكن المعرفي واللغوي أسهم في إثراء معارفه؛ ما جعل لغته تستحوذ على القلوب؛ لوضوح ألفاظها ورقة معانيها . عرف عن بوشهاب صراحته الشديدة، وثقته بالنفس، واعتزازه بالإبداع الشعري، وارتباطه بالتاريخ والحرص على التدوين والرصد والتمحيص، وأيضا اهتمامه بالعروبة والإسلام من خلال إبداعاته الشعرية، لهذا فقد كان إنسانا لا يتسامح مع الخطأ في اللغة والشعر، وقد عرف عنه نأيه عن الشهرة والأضواء رغم المكانة المرموقة التي وصل إليها، ورغم أنه كان سيد الجلسات الأدبية، ومصححا للكثير من المفكرين والكتاب وأساتذة الجامعات فيما يخص الشعر والتاريخ .
كتب في جميع أغراض الشعر من حكمة وغزل ومديح وفخر، وقضايا سياسية واجتماعية، وكانت له منتحبات شعرية غاية في الجمال والرقة والعذوبة .

محمد الجناحي . . عميد الفن الإماراتي

ترتبط الدراما الخليجية، ومنها الإماراتية بعدد من النجوم الذين تركوا بصمة فنية كبيرة، ومن هؤلاء يرد اسم "محمد الجناحي" الذي يمر على وفاته نحو ست سنوات .
يلقب الجناحي ب "عميد الفن الإماراتي" وأحد رموزه ويعود إليه الفضل في تأسيس الحركة الفنية والدرامية في الإمارات . . وولد الراحل في ،1940 وبدأ مشواره الفني في عام ،1967 وكان أول سفير للفن الإماراتي في الكويت والأردن وسوريا ومصر .
يرد في السيرة الفنية لمحمد الجناحي أنه شارك في العديد من المسلسلات التلفزيونية في الدول المذكورة آنفاً، كما هو الحال بالنسبة لأعماله التلفزيونية في الإمارات، والتي قدرت بنحو 200 ما بين مسلسلات وحلقات وسهرات .
غير أن الجناحي كان أيضاً من رموز الفن المسرحي، وإليه يعود الفضل في المشاركة في أعمال مسرحية وترتبط بأسماء ورموز كبيرة من الوطن العربي، وفي هذا السياق ترد مسرحية "المهاجر" التي أخرجها د . حبيب غلوم، وهناك أيضاً مسرحيات "الفار"، "كلام الناس"، "ثلاث صرخات" التي كتبها عبدالفتاح قلعة جي و"لحظات منسية"، "المهاجر"، "القضية" و"مهاجر بريسبان" المأخوذة عن نص للبناني جورج شحادة .
من أعماله الشهيرة التي تمت إعادتها على القنوات الفضائية أكثر من مرة، (أشحفان)، والمسلسل من الأعمال التي نالت شهرة كبيرة في الإمارات ودول الخليج، وشاركه في بطولة هذا العمل سلطان الشاعر الذي قدم شخصية أشحفان إضافة للفنان البحريني محمد ياسين، وقامت بدور ابنة أشحفان مريم القبيسي ونخبة من فناني الإمارات، وأنتج العمل في عام 1978 .
ومن أعمال الجناحي أيضا (أيام الشتات، جواهر، شمس القوايل، حاير طاير، صقر الجبل، آن الأوان، حريم بوهلال، الشقيقان، أيام الصبر، أحلام السنين، بوناصر وعياله، أوراق سجينة، القضاة في الإسلام، البيوت أسرار، الوريث، سيف نشوان، مناقصة زواج، دارت الأيام، بن شحتوت، غزو الليث، دمعة على الرمال) .
في سيرته الفنية ما يشير أيضاً إلى أن الجناحي كان مخرجاً إذاعياً من الطراز الأول، ويعتبر الأب الروحي للأعمال الإذاعية في أبوظبي وقدم أكثر من 400 عمل إذاعي على مدار 40 سنة من مسيرته الفنية الحافلة .
والجناحي لا يزال حتى الآن حديث الفنانين الخليجيين والإماراتيين، بوصفه من القامات الكبيرة التي أعادت تشكيل الحياة الفنية من الرواد الذين وضعوا اللبنة الأولى للدراما التلفزيونية، التي انطلقت بالأبيض والأسود من خلال تلفزيون دبي .
كان آخر عمل لمحمد الجناحي (حاير طاير) وهو مسلسل اجتماعي كوميدي نقدي ساخر، ذو حلقات منفصلة، تناقش كل حلقة منه القضايا المحلية والوطنية الآنية .

جمعة الفيروز . . الموسيقي الكاتب

في سجل الراحلين نطالع الفنان والشاعر والروائي الفذ جمعة الفيروز الذي يعد واحداً من الجيل الثاني من المثقفين الإماراتيين الذين أبدعوا كتابة القصة القصيرة، وأسهموا في ترسيخ فنها في الثقافة الإماراتية، متخذاً من المواضيع الجديدة التي أفرزها عصر النفط والنقلة النوعية والتغير الكبير الذي أحدثه في حياة المجتمع الإماراتي إطاراً للمناقشة والتناول والتحليل .
ولد الفيروز في(السدروه) في إمارة رأس الخيمة عام ،1955 وكان مسكوناً بحب القراءة منذ صغره، ودرس في مدرسة القاسمية، ثم تخرج في معهد الموسيقى العربية في القاهرة عام ،1975 وعمل في وزارة الإعلام وبلدية رأس الخيمة إلى أن استقال نهائياً من العمل الإداري في أوائل التسعينيات .
كتب الفيروز الشعر والقصة أواخر الثمانينات، ثم ولج عالم الرواية، وخاض غماره برواية يتيمة بعنوان: "الدائرة"، وهو عازف موسيقي من طراز متميز، حيث كان يتقن العزف على آلة العود والكمان والبيانو والقانون، وله أوبريت (عش المحبة)، إضافة إلى ما ينوف على أربعين لحناً .
كان الفيروز "سنديانة لا تموت"، وبين احتراقاته واختراقاته للذاكرة والنفس التي يتسلل إليها من دون استئذان، وعذاباته السرمدية كان ينزع إلى روح مفعمة بحب الثقافة والعطاء بكل ما أوتي من جهد وقوة، وكان له دور مهم في تأسيس اتحاد كتاب وأدباء الإمارات عام ،1982 ومسرح رأس الخيمة، كما أسهم في تأسيس فرع اتحاد الكتاب في رأس الخيمة .
شغل الفيروز بهمّ لم يكن يفارقه، ورغبة لم يكد يدنو من تحقيقها أو يعنّ له منتهاها حتى اخترمته المنية فجأة، وكان رحيله بمثابة الصاعقة المدوية من دون سابق إنذار، لكنه ظل حاضراً في وجدان مجتمعه ومحبيه بما جادت به قريحته من إبداع أدبي لا يزال يحظى بقبول واسع وتقدير كبير .
لم يكن يوماً عادياً حين أذيع رحيله، وانتشر نبأ وفاته في 20 فبراير/شباط عام ،2000 وكأن جسمه الغارق في الوحدة والعزلة والانزواء عن الناس قد نال ما ابتغاه لحظتها، لكنها كانت اللحظات الأخيرة لمبدع سُكِنَ بقلق ثقافي واجتماعي لم يكن يفارق ناظريه، ويعبّر عنه بين الفينة والأخرى مستثقلاً حمله الثقيل الذي ينوء كاهله بعبئه .
ترك الفيروز مؤلفات عدة بعضها رأت النور بعد رحيله منها: (ذاهل في الفكرة)، ومجموعتان قصصيتان هما (مسافة . . أنت . .العشق الأولي) (علياء وهموم سالم البحار)، ورواية بعنوان (الدائرة) .

سلطان الشاعر . . الفكاهة والشعر

نحو خمس سنوات مرت على وفاة الشاعر والممثل سلطان الشاعر الذي ولد في عجمان عام ،1939 وتوفي في مارس/آذار ،2009 وأشتهر بأداء شخصية "أشحفان" في المسلسل الإماراتي الشهير بالاسم نفسه .
يعد الشاعر كزميله الراحل محمد الجناحي من مؤسسي الدراما التلفزيونية الإماراتية في فترة أواخر الستينات في تلفزيون أبوظبي، حيث ارتبط اسمه في الفن الإماراتي بالكثير من الأعمال التلفزيونية في فترة بداية اتحاد الإمارات، وكان فقده للبصر في 1980 بعد حادث مروري تعرض له من أسباب توقفه عن التمثيل مدة 25 عاماً حتى توفاه الله . ومن مسلسلاته الدرامية نذكر: قوم عنتر، الغوص، أمثال شعبية، نوادر جحا .
أما أبرز المسرحيات التي شارك فيها: الشقيقان، نوادر جحا، طريق الندم، تحول، العقل زين .
يرد في سيرة الشاعر أنه شاعر كبير، فنان متمكن، سكن قلوب شعب الإمارات منذ قديم الزمن، وبعث في النفوس المتعة، ورسم الضحكة على الشفاه .
في طفولته تتلمذ الشاعر على يد المطوع ناصر بن أحمد، رحمه الله، ودرس على يديه القرآن والكتابة . كانت أحواله المادية صعبة فتوجه للبحر طلباً للرزق، سافر إلى السعودية والبحرين والكويت ومارس هناك مهنة صيد السمك والبناء، عمل حمالاً في السعودية، وهناك عمل في شركة أمريكية في صحراء الربع الخالي، وفي الكويت عمل بحاراً وتحول إلى نوخذة بعد أن بنى سفينة خاصة به . بداياته في العمل الفني، جاءت من خلال الخبرة، والموهبة، وفي ستينات القرن الماضي قدم مع ربيع بن ياقوت، وحمد بوشهاب مسرحية فكاهية .
تتميز معظم قصائد سلطان بالفكاهة، فمنها ما يكون بسبب موقف ومنها ما يناقش قضية اجتماعية، وأشهر قصائده تلك التي بعنوان (التكسي) ومنها:
(يا ناس عبيد شبلاه
فهموا قصته ودعواه
وش اللي صابه محتشر
اخبروني وش دهاه
مخنفس بويهه ملتوي
كأنه حافر طوي
قال مدعوم الحوي
هذا الهندي كسراه
ويلتي ياهي خسارة
دعمت بيتي السيارة) .