القدس، زهرة المَدائن المَحْفُوفة دوماً بالأشواك، والمُضَرَّجة دوماً بالدم.

مدينة بَتُول، هابطةٌ من السماء إلى الأرض. وصاعدة من الأرض إلى السماء.

مدينة تراوح في المَابَيْن.

القدس، مِحْرَابُ الأنبياء والقدِّيسين، ومَسْرى النبي العربي الأمين. وإلى القدس أيضاً، أسرى إبداعياً وعلى مدار التاريخ، العديد من أدباء الغرب ومبدعيه، مفتونين بعَبَق تاريخها وقَابسين من أنوار مِشْكَاتها. وكان أدباء فرنسا على نحو خاص، من المجلّين في هذا المضمار والسباقين إلى هذه المَكْرمة الإبداعية، الفرانكفونية المقدسية.

تجدر الإشارة، تمثيلاً لا حصراً، إلى أنه في أواخر القرن التاسع عشر، وفي فترة جد مُتَقاربة، حجَّ ثلاثة مبدعين فرنسيين كبار، إلى الشرق وإلى القدس، وكتبوا عنهما غُرَر إبداعاتهم. وهم فرانسوا دوشاتوبريان A. Chateaubriand (1768-1848). وألفونس دولامارتين A. Lamartine (1790-1869). وغوستاف فلوبير G. Flaubert (1821-1880).

كتب شاتو بريان (رحلة إلى القدس). وكتب لامارتين (رحلة إلى الشرق). وكتب فلوبير (رحلة إلى مصر)، ثم رائعته القصصية (هيروديا).

ولكلٍّ من هؤلاء المبدعين الفرنسيين الكبار، شرقه الخاص، وقدسه الخاصة، واستيهاماته الخاصة. وأنا مَعْنيٌ هنا، امتثالاً للدَّعوة وللحيِّز الزمني، بالحديث عن (هيرُوديا) فلوبير، كنموذج لحضُور القدس في الرِّواية الأوروبية.

يشكّل فلوبير، بحقّ وحقيق، نموذجاً عالياً وراقياً لحضور القدس وفلسطين في السَّرد الأوروبي. فهو قَيْدُوم الروائيين الأوروبيين، ومُشْتَرعُ مدرسة روائية فريدة وخريدة عصرها، تَجْمَعُ بين الواقعية الطبيعية، والصَّنعة الروائية الحاذقة - الفَائقة، حتى أصبح فلوبير مثلاً على دقة الأسلوب وبلاغة السَّرد والوصف والاسْتِبطان. ومازالت رائعته (مَدام بوفاري)، قِلاَدةً في جيد الرِّواية الأوروبية.

وجديرٌ بالتَّنويه، أن الشرق بوجه عام، حاضر في أعمال فلوبير وسارٍ في تضاعيف إبداعه كالنُّسغ الحار. حاضر في روايتيه (سالاميو)، و(تجربة القديس أنطونيوس)، إضافة إلى قصته (هيروديا)، كما هو حاضر بشكل ملموس ومحسوس، في مذكرات رحلته إلى مصر (فلوبير في مصر).

لقد أصبح الشرق عند فلوبير، وحسب عبارة ذكية ودالة لجان برونو (ليس مجرد ديكور شبيه بحلم، ولا مجرد مصدر لِلَوْنٍ محلِّي. بالنسبة لفلوبير، أصبح الشرق تدريجياً، نوعاً من الوطن). (1)

بل إن فلوبير ذَاتَه، يَبُوح صراحةً، بهذه النُّوستالجيا الشَّرقية (آه، كم أنا على استعداد للتخلِّي عن كلِّ نساء العالم، مقابل الحصول على مومياء كليوباترا). (2)

ومن ثم تبدو كتابات فلوبير، كما لاحظ إدوار سعيد، (مغمَّسة بالشرق، قبل رحلته إليه وبعدها). (3)

الشرقُ إذن، هاجسٌ ذاتي حَمِيم لفلوبير، يَسْكُن منه الذَّاكرة والوجدان. منذ سنوات يَفَاعته وصباه. منذ أن كان الطالب فلوبير في روان الشمالية الكئيبة، مولعاً متَيَّماً بالشمس والآثار القديمة الكلاسيكية... كان يعرف اللاَّتينية جيداً، وبعض اليونانية، ويبدو أن قراءته لهِيرُودتس كانت أول ما شقَّ له الطريق إلى الآثار الشرقية القديمة. (4)

هكذا تشكَّل (هيروديا)، حلقة أو محطة سردية ضمن رحلة فلوبير الإبداعية - التاريخية صوب سماء الشرق واختراقه الذكي لأَوَابده ورَوَابده، وإنصاته البهي لرجع صداه وذكراه. ولا مناصَ هنا، من ملحوظة اصطلاحية - وتجنيسية أولية. وهي أن (هيروديا) التي يناهز عدد صفحاتها في الترجمة العربية التي بين يدي، 66 صفحة (5) وفي النسخة الفرنسية الأصلية 40 صفحة، هي أقرب ما تكون إلى جنس القصة Nouvelle، منها إلى جنس الرواية Roman.

القصة الأخيرة

والقصة تتوضَّع في منْزِلة وسطى بين القصة القصيرة Short Story، والرواية Roman. وقد كان فلوبير، وهو الخَبِير بالصَّنعة الروائية العارف بأسرارها، منسجماً مع نفسه وعمله، حين تحاشى استعمال مصطلح رواية، وساق عمله مساق ثلاث قصص أو حكايات، Trois contes، وهي على التوالي:

وسأتأنَّى هنا، عند القصة الأخيرة (هيروديا)، ذات الصلة الماسَّة بالقدس وفلسطين.

وقراءتي لهيروديا، تَعْتَمد، كما ألمحت، الترجمة العربية للنص الفرنسي. وهي ترجمة أدت بعض ما عليها من أمانة. علماً بأن ترجمة النص الإبداعي، كما قال الراحل محمود درويش، كالقبلة من وراء زجاج.

لكن ما يُخفِّف الوِزْر، أن النص السردي أطوعُ ترجمة وأسْلَسُ قياداً من النص الشعري. فلْنَقترب قليلاً من حكي (هيروديا). ولْنَدلِفْ إلى حِصْنِها التاريخي.

ترحل بنا (هيروديا) فلوبير جغرافياً، إلى ربوع فلسطين وجوهرتها المقدسة، القدس. كما ترحل بنا تاريخياً، إلى مرحلة حساسة وتراجيدية في التاريخ القديم. مرحلة بزوغ المسيحية وهيمنة الإمبراطورية الرومانية على الحدود الشرقية. مرحلة جمعت بين جبروت الرومان ومكائد اليهود ومؤامراتهم المدَّبرة بليل.

وتنطق حَبْكة القصة وحَوَافز سردها، من حادث قَطْع رأس يوحَنَّا المعمدان وتقديمه فوق طبق، للراقصة سَالُومي، ابنة هيروديا، زوجة هيرُودُوس، حاكم الجليل. ويتحوَّل اسم يوحنا في القصة إلى لوكانان.

نقرأ في ص 167: (وعندما تنفَّس أَنْتِيبَاس الصُّعداء، اسْتخبر عن لوكانان. وهو الذي يسميه اللاَّتينيون القديس يوحَنَّا المعمدان). (6)

ويوحنَّا المعمدان، كما يقول التاريخ، هو: (ابن زكريا وأليصابات، من أَنْسِبَاء يَسُّوع المسيح. عاش في بريَّة اليهودية. ثم ظهر على شاطئ الأردن، يعمِّد بالماء. وبشّر بمجيء المسيح. قطع هيرودوس رأسه، بتحريض هيرودية زوجته، نحو 31). (7)

ويوحنا المعمدان، هو النبي يَحْيَى، الذي ورد ذكره في القرآن الكريم.

نقرأ في سورة مريم/ مكية، هذه الآيات البينات في وصف يحيى:

يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً. (...). يا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً، وَحَنَاناً من لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيّاً. وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً. وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً. (8)

هكذا، تستعيد (هيروديا) فلوبير، وهي أدبياً ذاكرةٌ غريبة حديثة، ذاكرةً شرقية قديمة ومُعْرِقة، وتَفْتح لنا سِجِلاَّت المقدّس والكتب السماوية.

القصة إذن، ذاتُ مَنْحَى تاريخي وديني إرجاعي واسْتِرجاعي في آن،تُحِيل إلى مرجعية زمانية ومكانية، تاريخية وجغرافية. مرجعية شرقية قديمة، فَضَاؤُها فلسطين. ومركَزُها الرُّوحي، القدس.

يقوم بعملية السرد في القصة سارد خَلْفِي عَليم بما يَسْرُد، مُلِمٌّ بظواهر الأمور وما تُخْفِي الصُّدور، يَعْتَمد في سَرْده الضمير الغائب.

ولا نشكُّ لحظةً، في أن السارد هو المؤلف ذاتُه، فلوبير، مَاسِكاً بِدَفَّة السَّرد ومُتَابعاً شريطَ الأحداث من بُرْجِ مراقبته. والقصة موزعة حكائياً وبنائياً، إلى ثلاث لوحَات أو محكيات مرقَّمة وخيطية، يَتْلُو بعضها بعضاً. وتدور أحداث القصة، من مُبْتَدئها إلى خبرها، في مكان فلسطيني محدَّد، هو (حصن ما خيروس)، الذي يصفه السارد بدِّقة فلوبيرية لافتة في مستهل القصة.

نقرأ في عتبة الاستهلال:

كان حصن ماخيروس يقع في شرقيْ البحر الميت على قمة جبل من صُخُور البَازِلْت، مَخْرُوطية الشَّكل، يُحيط به أربعة أَوْدية سحيقة، اثنان على جانبيه، وواحد قًبالته. أما الرَّابع فيقعُ أبعدَ من الأخير بقليل. وعند قَاعِدته تَكْتَظُّ المنطقة بالمنازل ضمن جدار يمتدُّ متعرِّجاً عبر مستويات مُتَفَاوتة من الأرض (...).

وكانت المدينة تتَّصل بالحصن عبر طريق متعرجة، وأسوار الحصن تتطاول إلى علُوّ مِئَةٍ وعشرين ذراعاً. (...). وتجد داخل الحصن قصراً مُزْدَاناً بممَّرات تغَطِّيها قِبابٌ تَسْتَند إلى أعمدة تحتها.. (9)

أجل، بالمثال يتَّضح المقال: وثمة هامش توضيحي أسفل الصفحة يقول: حصن ماخيروس يقع شرقي البحر الميت على تخوم فلسطين. وقد تنازع عليه الرومان واليهود طويلاً. اسْتعاده هيرودوس وحَصَّنه تحصيناً قويا. (10)

حصنُ ما خيروس، بقَصره وأَبْهائه، وأَعْمِدته وقِبابه، وغُرفه وردَهاته، ودهَاليزه وأقْبَائه، هو المكان الحاضر في القصة المؤطِّر لأحْدَاثها. من حيث تَرِدُ القدس، سياقياً، كمكان مُسْتَحضر وخَلْفِي، يعنّ على مَرْمَى حَجر أو بصر من حصن ماخيروس.

ترد القدس في المواطن السياقية التالية: أما برج أنطونيا فيطل بمكعبه الهائل على القدس. (10)

وإن هجماته ضد مدينة القدس، قد أكسبتهم البقية الباقية من اليهود. (11)

توسَّل إلى القائد أن يشرِّفهم بزيارة إلى القدس، فأعطى بالتَّلبية وعداً غير أكيد. (12)

من تلك الجهة، كان يجلس الكَهنة وضبَّاط أنْتيباس، ونَفَرٌ من سكان القدس، ووجَهَاء المدن اليونانية. (13)

وارتعشوا مُنْتَفضين، عندما رُشَّت هذه التِّيجان من الأزهار بمادة عطرية وبالبخور، وهما مُخصَّصان لاستعمالهما في هيكل سليمان في القدس...(14) ويبقى حصن ماخيروس، هو الحصن الذي تحصَّنت فيه فضائياً وحكائياً، قصة (هيروديا)، مع إطلالات هنا وهناك.

الإحالات:

(1) فلوبير في مصر، 1849- غوستاف فلوبير، ت، صلاح صلاح، ط. ،1 ،2005 دار السويدي للنشر والتوزيع.

دار ورد للطباعة والنشر والتوزيع

دمشق سوريا، ص. 30 1).

(2) فلوبير في مصر، 29

(3) فلوبير في مصر، ص 15

(4) فلوبير في مصر، ص 29

(5) هيروديا، ثلاث حكايات، دار عويدات

(6) هيروديا، ص 167

(7) المنجد في اللغة والاعلام، ط. ،1986 دار المشرق، بيروت، ص. 624

(8) القرآن الكريم، سورة مريم، الآية: ،7 ثم الآيات: 12 - 16

(9) هيروديا، ص 164

(10) هيروديا، ص 174

(11) هيروديا، ص 186

(12) هيروديا، ص 208

(13) هيروديا، ص 209

(14) هيروديا، ص 165

الجوهرة المقدسة

ترحل بنا (هيروديا) فلوبير جغرافياً، إلى ربوع فلسطين وجوهرتها المقدسة، القدس. كما ترحل بنا تاريخياً، إلى مرحلة حساسة وتراجيدية في التاريخ القديم. مرحلة بزوغ المسيحية وهيمنة الإمبراطورية الرومانية .