الجوع هو أنا تقول أميلي نوثومب في كتابها بيوغرافيا الجوع، نوثومب ابنة السفير البلجيكي في اليايان والمولودة في عام ،1967 تأخذنا في رحلة تشمل الصين وبنغلاديش وكمبوديا، تصف بعين الطفلة والمراهقة مظاهر الجوع في صورها المختلفة، تقول عن الصين: زعيمة البطون الخاوية من دون منازع، فماضيها سلسلة متصلة من الكوارث الغذائية أسفرت عن أعداد لا تحصى من الموتى، وأول ما يبادر به صيني صينياً آخر هو سؤاله: هل أكلت؟!
الكتاب يمتلئ بحالات جوع عاينتها نوثومب، تماهت معها، حللتها وانتقلت منها إلى لغة تكثر فيها مفردات وصور وتراكيب جديدة مبتكرة تندمج في الجوع لم أكن جائعة إلى الإنجليزية، تلك اللغة المطبوخة المهلهلة، هريسة اللثغات، العلكة الممضوغة المتنقلة من فم إلى فم، الجاهلة للنيئ، المشوى، المقلي، المطبوخ على البخار: لا تعرف إلا المسلوق . يكاد اللفظ لا يكون تاماً فيها، كما يزدرد أناس منهوكون حطام الوجبة صامتين، عصيدة غير متمدنة .
نوثومب لا تصور الجوع وما يفعله في وعى الإنسان وحسب، إنها تقدم قراءة سينمائية للجوع وتاريخه كان على الصينيين أن يعتادوا أكل ما يؤكل، لذلك نجد هذا القدر من رهافة الذوق في فن الطبخ لديهم، عادات الأكل، وأنواعه، طرق الطهي . . إلخ مفردات متوافرة بكثرة في الكتاب .
الجوع مقاربة لا واعية لكثير من القضايا الحيوية والجوهرية بالنسبة للبشر، قضايا اقتصادية وديموغرافية وثقافية وسياسية يمكن الولوج إليها من مفردة الجوع، التي لا تتحدث عنها التحليلات والتقارير المباشرة، نحن نتجنب الخوض في الجوع من خلال الإشارة الدالة والمباشرة، نستخدم تعبيرات مهذبة وربما مثقفة للإحالة إليه: انخفاض مستوى المعيشة، نقص الموارد، حروب المياه وحتى الفقر، كلها تؤكد جوعاً حاداً أو جزئياً، أسقطنا من وعينا تاريخ المجاعات وأية مقارنة بينه وبين تاريخ الأوبئة أو تاريخ الحروب، وكلها حالات يفقد فيها الكائن الإنساني وجوده المادي، ولاكتشفنا تجاهلنا الملحوظ للجوع، في الأوبئة هناك تأويلات قدرية لما يحدث، وفي الحروب هناك صور للفخر والإبداع الملحمي ومنمنمات تنفث عن لا وعي مكبوت داخل البشر، الجوع يفتقد ما يحفظ الحد الأدنى للكرامة الإنسانية .
الوباء يستدعي التكاتف بين الجماعة، تطبيق القانون، الاجتهاد العلمي، استخدم كثيراً في الآداب والفنون كرمز لممارسة النقد الجذري، الحرب هي أنا ضد آخر، حق في مواجهة باطل، نزاع لإقرار السلم، تآلف بين جماعات في مقابل جماعات أخرى، الجوع لا يتضمن أية قيمة إيجابية، الجوع كابوس مالتوس المزعج حول تناسب موارد الأرض مع سكانها، معضلة كل الاقتصاديين وإن منحوه أوصافاً أخرى هرباً من لعنة الإفصاح عنه مباشرة .
الجوع شكل خريطة الأرض، غيرها مرات عدة في أزمنة قديمة كما يرصد براين فاغان في كتاب الصيف الطويل، دور المناخ في تغيير الحضارة، هذه الأزمنة دمجت في تاريخ يوصف كثيراً بالأسطوري، التغيرات المناخية التي نشهدها حالياً ستخرج هذه الأساطير الكامنة في اللاوعي إلى منطقة متقدمة من الوعي ربما خلال المستقبل المنظور، سيعيد الإنسان ما ود إسكاته لحقب طويلة ليحتل المشهد بأكمله .
الجوع هو افتراس الآخر، ليس بالمعنى المجازي، من يقرأ أحداث الشدة المستنصرية في مصر الفاطمية والتي أوردها ابن اياس في تاريخه بدائع الزهور في وقائع الدهور، يدرك ذلك تماماً، مشاهد وصور لا يمكن للوعي المعاصر استيعابها، تتكرر بدرجة أخف في تاريخ الحضارة المادية لفرنانديردول وتستمر في فلاشات متقطعة خلال القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، تاريخ الوفرة حديث وقصير .
الجوع في مرات نادرة إرستقراطي، مراقبة لتأثير الجسد على الروح . تحليل لانعكاس المجتمع على الذات الفردية الضائعة، في رواية الجوع الصادرة عام 1890 للكاتب النرويجي كنوت هامسون يعيش البطل، مجهول الاسم، في إحدى مدن الشمال الأوروبي البارد جوعاً اختيارياً يرفض علاقات العمل والهيمنة آنذاك تضوره جوعاً والذي ربما يفضي به إلى حالات إغماء في مقاطع عدة من السرد يدفعه لإعادة التفكير في كل ما يحيط به، يستمع إلى نفسه ويكتشف دهشته إزاء أحاديثه الداخلية، يميز بين الحقيقي والمزيف، نشعر في استبصاراته بمزيج متوافق لأفكار وفلسفات القرن التاسع عشر، هو نوع من افتراس الذات .
الجوع بمعناه المعروف وسيلة للنقد، للثورة، يورد جاك لندن في رواية أهل الهاوية مقطعاً شعرياً للونغفيلو يقول فيه:
هناك في معسكر المجاعة
في الريح والبرد والمطر
المسيح، المولى العظيم لهذا الجيش،
يستلقي ميتاً على السهل
جيش من الجياع تلك هي لندن الأخرى التي كتب عنها جاك لندن روايته في عام ،1902 الجوع هنا يخرج على السياق، يكسر التابو، يتورط في اليومي والآني والمباشر، في لندن آنذاك ما يقرب من مليون وربع المليون من البشر يتقاضون واحداً وعشرين شلناً في الأسبوع، أرقام دفعت جاك لندن إلى حساب دقيق حول كيفية إيفاء مثل هذا المبلغ شديد الضآلة لمتطلبات الحياة اليومية .
الجوعى هم أهل الهاوية، الرواية عبارة عن وصف لتجليات الجوع وآثاره المباشرة على الحياة، إحصاءات للفقراء والمهمشين . وصف للشوارع القذرة الضيقة، قوائم لمن يذهبون إلى المستشفى نتيجة سوء التغذية ومن تتكفل بهم الملاجئ، ومن يفقدون عقولهم، ما يقرب من مليونين يعيشون تحت خط الفقر في لندن بدايات القرن العشرين، الجوع هنا متسارع الوتيرة والإيقاع من خلال الصور المتلاحقة .
الجوع أشمل من الرغبة، قلق دائم، انتظار، تأمل المجهول . . كلها معان يخرج بها قارئ رواية جوع لمحمد البساطي، نطالع وجوهاً باردة، متخشبة، أمات الجوع تعبيراتها سكينة في قعدتها على المصطبة تنتظر طلعة النهار التي اقتربت، الشمس بانت في الأفق وأشعتها تلمس طرف مئذنة الجامع، والندى فوق تراب الحارة أخذ يجف، وصوت سعلات يأتي من هنا وهناك .
شخصيات جوع البساطي لا تنظر في دواخلها، لا رغبات لديها، قلقها نابع من انتظار الطعام، الجوع في الرواية يخترق الحواس كلها هو واقف يحدق إلى المدخل بعتمته الخفيفة، ولمح طاولة منزوية، فوقها كومة من كسر العيش، ما تخلف من الخبيز، رآه عندما اقترب وقد خطر له أنه ربما استطاع أن يأخذ القليل منه ولن يرفض صاحب الفرن، أرغفة معوجّة، وأخرى احترق جانب منها، الكسر كثيرة أرغفة تسقط أثناء إخراجها من الفرن أو نقلها إلى الطاولات .
يرسم البساطي في المشهد السابق لوحة تشكيلية تتقاطع بداخلها اللمحة التي تتطور إلى التحديق مروراً بالنظر والرؤية، إبصار الخبز وتتبع رائحته وقلق الحصول عليه، حسية عارية وجارحة في الوقت نفسه، الجوع هنا ملموس، هاجس أولي ونهائي للكائن الإنساني، الجوع هنا مرة أخرى مذاقه مختلف وأبعاده منفرة، في كل فصول الرواية هناك انتظار لما لا يأتي .
البحث عن الجوع في الذاكرة الإنسانية تاريخاً وأدباً وفكراً يتطلب مزيداً من الحفر، مفردة تتحاشاها كتب التاريخ التقليدي وتحتفي مناهج التاريخ الجديد بكل ما يناقضه: تاريخ التغذية، الاستهلاك . . إلخ وتركز الكثير من القراءات السيمائية على الطعام والطهي، بينما نشعر بأن هناك مروراً سريعاً بالجوع ومكملاته من جفاف وتصحر وندرة، ربما تلخص نوثومب في كتابها السابق الإشارة إليه ما نعنيه بالحفر بحثاً عن الجوع عندما تقول: الجوع يعني في نظري تلك الحاجة التي تمس الكائن كله، ذاك الفراغ الآسر، وذلك التوق لا إلى الامتلاء بل إلى تلك الحقيقة البسيطة: فحيث لا يوجد شيء، أتطلع لأن يكون ثمة شيء .