قد يكون الوقت سكراً وقد يكون علقماً، الوقت بوصفه ملفوظاً منتمياً لمفهوم (الزمن) قد يكون الوحيد الذي يتسرب من بين أيدينا ولا نستطيع إيقافه، وهو الوحيد أيضاً الذي يتمظهر بأشكال متعددة على الجسد الإنساني، لذا فالعتبة التي اختارها الشاعر إبراهيم محمد إبراهيم أي (سُكّرُ الوقتِ) لديوانه هذا تشير إلى حقيقة أن الشاعر يشعرن الجانب الجميل للوقت الذي مر عليه أو هذا ما قد يتبادر إلى ذهن التلقي، والديوان عبارة عن نص طويل أو قصيدة واحدة أي أننا أمام (ديوان - قصيدة) وهو ما أخذنا نلاحظه مؤخراً عند شعراء الإمارات، حيث نقرأ أن سكر الوقت عند الشاعر غير لذيذ أو غير طيب ويحتاج إلى ما يجعله كذلك ويحتاج سكرة مضافة كي يمر هانئاً وحلواً كما كان:
سُكّرُ الوقتِ
يحتاجُ سُكّرةً كي يطيبَ
ويؤتى حلاوَتَهُ مثلما كانَ . .
يرتبط السكر في العالم العربي بالشاي، وهو ما نجده عند الشاعر أيضاً، لذا فهو عندما يرحل عن بلاده لا يجد طعما للسكاكر لأنها ممتنعة عن البوح، أو هي لا تساعد الشاعر على القول، فالقول الشعري لعبة الشاعر الأزلية، لذا فالشاي لن يتغير له طعم هناك:
كُل السّكاكِرِ
مهما تُقَلّبُها هاهُنا
لا تبوحُ بأسرارِها . .
كُلّها لا تُغَيّرُ للشّاي طَعماً
ولكن الشاعر يجد شاي بلاده حلوا حتى ولو كان بلا سكر، لأن مرارته تلسع الروح وتهز الحواس لتطوف الروح في أرجاء البلاد مكانا وزمنا لتجلب عسلاً مستطاباً، وتمكن الشاعر من القول الشعري وكتابة قصائده:
تَذَكّرْتُ شايَ بِلادي . .
مرارَتُهُ حُلوةٌ،
تَلمَسُ الرّوحَ . .
توقِظُ كُلّ الحواسِ
وتُطلِقُها في البلادِ،
لترجِعَ بالشّعرِ
والعسلِ المُستطابِ . .
إن الحياة في الوطن شيء آخر، قد لا نحس قيمته إلا عندما نكون في بلاد الغربة، ومن يعش في الغربة يعرف الفرق الهائل بين وقتين وحياتين لذا لا نستغرب الشاعر عندما يؤكد أن الحياة في الوطن جميلة وطيبة حتى من دون سكر:
هنالِكَ تحلو الحياةُ
بلا سُكّرٍ . .
ولكن في الغربة حتى لو كانت مدينة (فيينا) الهادئة والمسالمة بتواضع شعبها، فسكر الوقت يحتاج إلى سكرة، حتى أن دم الشاعر تتلاشى حلاوته ويغدو سكره مراً، حيث يتضاءل السكر في دمه إلى درجة مَرَضيّة:
سُكّرُ الوقتِ
يحتاجُ سُكّرة . .
ودمي سُكّرٌ
تتلاشى حلاوتُهُ
وإذا كان صيف النمسا جميلاً لكن الشاعر يرى في صيف بلاده شيئاً أجمل يرنو إليه قلبه، وهذا الشيء تمثله النخلة بكل رمزيتها وعنفوانها وهو ما يؤشره شعرياً فلا أجمل من النخلة وتمرها فالعلاقة بينهما علاقة نفسية وحسية وإذا كان ما يجذبه إلى النخلة سكرها فالنخلة أيضاً منجذبة إليه بالرغم من عدم وجود سكر عند الشاعر ليعطيه إليها:
لا أحِن لصيفي هناكَ
ولكنْ
إلى سُكّرِ النّخْلِ
أرنو بقلبي
وترنو إلي النخيلُ بلا سُكّرٍ . .
وإذ يبتعد الشاعر عن فيينا فهو يعدها بسكر آخر، سكر ينطوي عليه الوقت فالفراق بين الشاعر والمدينة ينطوي على حلوى الفراق ويكفي لكوبين مرين ينتظران الشاعر وهما كافيان كي يمسحا ثقل الزمن وعنت المسافة:
وإنْ غَيّبتني المسافةُ،
أبحثُ عن سُكّرِ الوقْتِ
حتى أعودَ بِحلوى الفراقِ
لكوبينِ مُرّينِ
ينتظِرانِ . .
ثم يخاطب الشاعر جبل الألب كي يعده بسكرة، ولكنها سكرة للبكاء على الميتين، هنا سيكون البكاء معادلا للامتلاء الروحي فراحة البكاء تنفيس لألم نفسي يكاد يعادل طعمه طعم سكرة في حلاوته وهنا ينبجس ملفوظ السكر عن معنى معاكس ومغاير:
أيهاُ الألْبُ
عَدْني بِسُكرةٍ
لا تغيبُ حلاوتُها
حينَ أبكي على المَيتينَ
مِنَ القَهْرِ
والجوعِ
والحُب . .
لكن سكر الوقت قد يكون غير آمن بل ومعادٍ أحياناً، لذا فهو يحتاج إلى سكرة تشاكل محارة تحمي الشاعر بحدقاتها في المسافة المحصورة بين الوطن والغربة، فالشاعر يعترف بكونه مر الطعم حين يغادرها، لذا فحلاوتها ستكون خير حام له حين يغادرها ويرجع إليها من دون ضرر:
سُكّرُ الوقتِ
يحتاجُ سُكّرة
تحتويني بأحداقِها
حين أُقبِلُ مُرّاً عليها . .
وتَحرُسُني بالحلاوةِ
حينَ أُغادِرُها . .
كيْ أعودَ إليها بها
دونَ سوءٍ . .
الوقت والسكر ملفوظان يتحدان وينفصلان داخل النص، وهما حين ينفصلان يشيران إلى مداليل عدة تكاد تلغي المسافة بينهما، أو تبعدهما باتجاهين مختلفين إلى مسافة تكاد تحس أنهما لن يلتقيا أبدا، وإذا كنا قد قرأنا ملفوظ السكر حين ابتعد عن العتبة (سُكّرُ الوقتِ)، سنقرأ أيضا بعض الأنماط التي ينفصل بها ملفوظ الوقت عن العتبة، فالشاعر يراه أحياناً برزخاً بين الوداع واللقاء وقد شرع نافذتين إحداهما للرؤية بواسطة العين وللخيال ليكون صورا تستعيدها الذاكرة:
تَوَقفْتُ بين الوداعِ
وبينَ اللقاءِ
على بَرْزَخِ الوقتِ
أشْرَعتُ نافِذَتينِ:
لِعينَي
والذّاكِرةْ .
يخاطب الشاعر الوقت كي يمر، ويدعوه ليأخذه كي يخلو بالزمان ويأخذ منه كل شيء نظير هذه الخلوة المتمناة، وهنا أيضا يفصل الوقت عن العتبة ليظهر الزمان قوة مسيطرة تستطيع الأخذ حينا وتستطيع العطاء حينا آخر:
أيها الوقتُ مُرْ
كما مَر قبلَكَ ما هُوَ أجملُ
خُذْ ما تشاءُ
وخُذْني
إلى حيثُ أخلو بِكُل الزّمان
الشاعر حين يتذكر وطنه يصاب بالدوار ويتيه الطريق عنه وقوافله يصيبها التعب، لذا فهو يستحث الوقت كي يمر سريعا ليسترجع عافيته، إن الرؤية تغيم أمام ناظر الشاعر، لذا فهو في صراع ذاتي يتشابك بها الاحساس بوطأة الزمن مع شبحية المكان، لذا فالدعوة للوقت كي يمر متطلب نفسي وروحي:
أيها الوقتُ مُرْ
فقافلتي لا تسيرُ كما أشتهي . .
والطريقُ . .
دُوارُ الطريقِ يُباغِتُني
كلما لاحَ لي وطني من بعيدْ
سيكون صعباً عندما تكون المسافة زمنية بين الشاعر والوطن، فالمسافة عندما تكون بالأميال سيكون معرفة الزمن التي تتطلبه الرحلة معروفا، ولكن عندما تكون المسافة زمنية سيكون مريعاً مرور الوقت لأن الزمن لا يمكن استعجاله، فهو يمر بإيقاع رتيب ولا يمكن تجاوزه وربما لهذا السبب نجد الشاعر يتساءل بمرارة عن كمية الوقت الذي يكفيه للوصول إلى نقطة البداية فصرخته تدل على نفاد صبره:
كمْ أُريدُ من الوقتِ،
حتى أعودَ إلى نقطةِ الصفرِ؟
وحين يعود ملفوظا السكر والوقت ليندمجا معا ظاهريا نجدهما ينفصلان ثانية في مقطع معبر، فالسكر وكي يغوص إلى قعر المرارة يحتاج وقتا، وكأن الشاعر يدور ضمن متاهة تقوده من الوقت إلى الوقت يبحث فيها عن سكر الوقت وليدحر مرارته، ولكن الوقت هذا غير متيسر فهو يتكسر في الطرقات على شكل دقائق وثوانٍ ويتسرب كحبات الرمل من بين أصابع الشاعر فيتركه خلفه ويمضي ماشيا إلى الأمام:
سُكّرُ الوقتِ
يحتاجُ وقتاً
ليَبلُغَ عُمْقَ المَرارِ
ولا وقْتَ في الوقتِ
إلاّ الذي يَتَكَسر في الطرُقاتِ
ونَتْرُكُهُ خَلفَنا . .
يرى غاستون باشلار أن الزمن يمثل (لحظة بين عدمين)، فما مر منه ميت وما سيأتي بحكم الميت واللحظة هي التي تتألق حية ومتوهجة، وهذه الحقائق الظاهراتية هي ماتنطوي عليه رؤيا الشاعر أنطولوجيا، فالزمن المنقضي بات تاريخاً وذكريات، الزمن بات متكدساً في بطون الكتب وفي ذكريات الآخرين فهو مكتوب ومروى في آن، الزمن المنقضي لم يعد مُلكَ أحدٍ، بل كان ملكاً لآخرين كانوا قد عاشوه بوصفه حياة لهم، ما يمتلكه الشاعرالآن اللحظة المعيشة فقط وهي التي تتحرك باتجاهه وهو واقف في مكانه:
خَلفَنا،
كمْ تَكَدسَ من زَمنِ
لمْ يعُدْ مِلكَنا . .
ميتٌ ما مضى
ميتٌ ما سيأتي
ولا حَي مِنهُ سوى الآنَ . .
في نهاية قراءتنا لديوان سكر الوقت للشاعر (إبراهيم محمد إبراهيم) نخمن أن الشاعر من خلال رحلته التي يشعرنها في هذا الديوان يرتبط لديه الزمن ظاهراتيا بالمكان، وكذلك يرى في الزمن وجود محطات إيجابية لها طعم العسل لحلاوتها ومحطات أخرى لها طعم مر، ولكن ما يجمعها أنها لحظات هاربة وميتة، فاللحظة التي يعيشها الشاعر هي التي تنطوي على الحياة فقط وما سواها كان ميتا، اللحظة ظاهراتياً تنبجس من خلال جمل مركزة وتنطوي على شعرية عميقة، ولكن بعضها ينطوي على نوع من المباشرة، ولا بأس في ذلك فالشاعر يحتاج إلى التوصيل وكثرة الغموض في النص لن يكون علامة صحة دائماً، إلا أننا نجد أن الملفوظات التي تم شعرنتها كالسكر والوقت والزمن أشارت إلى مداليل متعددة ومتحررة، وعلى مستوى التداول وجدنا الملفوظات تصبح نمطا لأنها تشير إلى مقابلات عدة ومن هنا سر حيوية النص وقدرته في أن يجعل المتلقي مشاركاً في صناعة المعنى، وليس متلقياً مذعناً وهو ما يفتح حواراً عميقاً بين القارئ والنص .