ظل النقد الأدبي العربي المعاصر لعقود طويلة يعطي أولوية قصوى لمتابعة مسارات الرواية العربية، والمقارنة بين الأدبيات الراصدة والمحللة للرواية، وتلك التي اهتمت بالقصة القصيرة تظهر إلى أي مدى نظر النقاد إلى الرواية بوصفها سردية كبرى تابعوا بشغف تقنياتها وتياراتها المتجددة كل يوم، ومحمولاتها الفكرية وجدلها مع الواقع العربي المعاصر.
لقد صنع النقاد من الرواية ما بات يطلق عليه الرواية ديوان العرب أو عصر الرواية أو زمن الرواية، وعلى العكس من ذلك التوجه نُظر دائماً إلى القصة القصيرة بوصفها جنساً أدبياً يأتي في مرحلة لاحقة للرواية ووضعت لذلك الجنس شروط وقواعد أصبحت معروفة للجميع، فالقصة هي ذلك النوع الأدبي الذي يتناول لمحة من حياة إنسان أو موقفاً سريعاً، وهي مكتوبة بلغة سلسة وجذابة وتبتعد عن السرد الطولي للحدث أو الوصف المعمق أو الهندسي للمكان وربما يجب عليها ألا تقع في فخ التسلسل المنطقي للزمن. وكذلك ربما ينبغي ألا تتناول محمولات ايديولوجية أو قيماً فكرية كبرى.
وتخبرنا الأدبيات المؤرخة للرواية بأسباب عدة لانتشار ذلك الجنس الأدبي واحتلاله تلك المكانة الرفيعة تتدرج من القول بارتباط الرواية بالحداثة وما تنطوي عليه من مقولات كبرى بخصوص إمكانية رصد تطور المجتمع والتغيرات الراهنة فيه إلى القول بقدرة الرواية على الاشتباك بالواقع من خلال الصياغة الفنية للأماكن والشخصيات والأفكار إلى فريق ثالث ربط الرواية بمراحل النهضة العربية المعاصرة: فهي رواية ما قبل التأسيس المكتوبة لتسلية شرائح وسطى صاعدة، ولذلك اتسمت بالسذاجة والقيم التي لا يجمع بينها رابط، أو هي رواية التبشير بالتقدم والتحديث (زينب لهيكل)، أو رواية الاشتباك مع الآخر (أديب لطه حسين، عصفور من الشرق لتوفيق الحكيم، الحي اللاتيني لسهيل إدريس) أو رواية غربية مكتملة زقاق المدق لمحفوظ أو رواية نقد وتشريح المجتمع في أعقاب نكسة 1967 عبدالرحمن منيف إلى رواية استثمار التراث والاشتغال عليه جمال الغيطاني.
والملاحظ أن جهداً مماثلاً لم يحدث في حقل القصة القصيرة سواء على المستوى الفني لتطور تقنيات السرد في القصة أو علاقتها بالتحولات التاريخية للمجتمع العربي، وهذه القراءة لا تهدف إلى المقارنة بين الرواية والقصة، ولكنها تسعى إلى التأكيد على أن هناك العديد من كتّاب القصة على مستوى الوطن العربي استطاعوا خلق عوالم خاصة بهم أقتربوا فيها من تحليل وتشريح مجتمعاتهم ومن هؤلاء يوسف إدريس في مصر، زكريا تامر في سوريا، ومحمد المر في الإمارات وغيرهم.
وستأخذ هذه القراءة من محمد المر نموذجاً معبراً عن الجدلية التي استطاع إبداعها عبر المزج بين شكل سردي يبدو للوهلة الأولى من خلال تقنياته قصة قصيرة وقضايا وأمكنة وشخصيات متكاملة تقرب في مساراتها من عالم الرواية. إنها تلك الحالة الفريدة التي أطلق عليها غاستون باشلار في كتابه جماليات المكان جدل المتناهي في الكبر مع المتناهي في الصغر.
يقول باشلار في جماليات المكان كلما صغّرت العالم بمهارة أكبر امتلكته بشكل أكثر كفاءة. ولعل هذه المقولة تمثل مفتاحاً أساسياً للدخول إلى فضاء محمد المر والتعاطي معه عبر قراءة متحررة من تلك الفروق والتمايزات بين القصة والرواية والتي سبق وأشرنا إليها.
يذكرنا عالم المر بمشهد في رواية فونتان لهيرمان هسه فعندما يأتي الحارس ليأخذ البطل السجين يطلب منه الانتظار حتى يلقي نظرة على قطاره الصغير الذي رسمه على الحائط وفجأة يجعل البطل نفسه متناهياً في الصغر ويدخل القطار الذي أخذ يتحرك ثم اختفى في ظلمة النفق، فالمر هو ذلك المبدع الذي كتب منمنمات سردية استطاع خلالها تكوين عالم قصصي ضخم وثري.
في أمكنة محمد المر نتجول في شوارع دبي ونشاهد أحياءها ونمر عبر أسواقها العصرية والتقليدية وندخل معه إلى فنادقها ونسير في صحبته على الخور ونتبع بصدق وحساسية التغيرات الثقافية والقيمية المصاحبة لتحولات المجتمع.
المكان عند محمد المر تفوح منه أحياناً رائحة القدم وتعصف بنا في أحيان أخرى رياح التحديث، والمر ككل المثقفين العرب مسكون بالتقليدية تارة والحداثة تارة أخرى والقضية لديه جمالية أكثر منها ذهنية حادة. وهو لم يقتصر على دبي فحسب بل يسافر بنا كثيراً لنتجول في لندن ولوس أنجلوس وبومباي وبانكوك والقاهرة.
مجتمع المر يمتلئ بشخوص من لحم ودم. أحياناً ما يرصد أحوالهم وتقلباتهم من الخارج وفجأة نجده يكتب قصة عن شخصية يغوص في أعماقها محللاً آمالها وأحلامها وإحباطها. يتناول بمهارة كافة فئات المجتمع يحلل تكوينها ويسخر منها ويتعاطف معها وينتقدها بقسوة مفرطة. يناقش من خلال شخصياته قضايا كبرى أو يتتبع هموماً بسيطة يعيشها الإنسان العادي كل يوم.
يمسك المرء في عالمه بمبضع الباحث الاجتماعي فيرصد العادات والتقاليد المحلية أو يبني قصة قائمة على تتبع مسار شائعة وكيف انتشرت وإلى أي مدى كانت تجلياتها على البيئة المحيطة، يدخل إلى عالم الطلبة، الشباب، الموظفين، المثقفين، الفقراء، وربما التجمعات المعزولة، ومجتمعات الوافدين، يذكرنا بكراهية نجيب محفوظ لبعض شخوصه ونقد أبسن أو موليير للنفاق الاجتماعي وحدب ديستويفسكي وتشيخوف على كل البشر.
ويضع المر على عينيه مراراً نظارة مصغرة، فكثيراً ما نقرأ في قصة ربما كل قصة أنواع الملابس المحلية والوافدة، ونشم أنواع الروائح والعطور المختلفة ونتعرف إلى مختلف أصناف المأكولات والألعاب الرياضية وغيرها من تفاصيل صغيرة يغزل منها عالماً متكاملاً يبوح بأسراره ويكشف رويداً رويداً عن جمالياته.
يفتتح المر قصة لماذا ضربت فطوم الورد جارتها؟ من مجموعته صداقة بجملة نستطيع من خلالها الدخول إلى أساليب القص وتقنياته عند المر حيث يقول في مستهل القصة في البدء كانت الحكاية ويستطرد الراوي هذه الحكاية يرويها بفرح وانبساط كثير من الفقراء لأصدقائهم الفقراء، لن تجد غنياً واحداً يروي تلك الحكاية. تقول القصة... نجد أنفسنا بعد ذلك أمام حدوتة تتماس مع ألف ليلة وليلة، ونكتشف في هذه القصة وغيرها قدرة لا محدودة على الحكي بأسلوب ربما يبدو تقليدياً، ولكنه يشدنا لاستكمال الحكاية وهي سمة نجدها في معظم إن لم يكن في كل قصص المر.
تتطلب القدرة على الحكي شروطاً وتفاصيل متوفرة في إبداع المرء، كجاذبية العنوان والجمل المفتاحية للحكي، والمنمنمات البسيطة وربما عنصر المفاجأة وأحياناً الغرائبية وإثارة خيال ودهشة وتعاطف القارئ.
للعنوان جاذبيته في أي عمل إبداعي، وتخبرنا الذاكرة الروائية والقصصية بعشرات العناوين المعبرة والدالة والجاذبة لخيال المتلقي والرافعة له لكي يطلع على القصة أو الرواية. يمتلك محمد المر تلك الموهبة بل انها سمة أساسية يتميز بها في جذب عين القارئ. في مجموعة المفاجأة نجد قصصاً بعناوين استروجين واندروجين أو كل شيء ممكن، كيف تزوج حمد الغاوي؟ ونفافة وفي مجموعة الصوت الناعم نقرأ عناوين الآنسة بنيكي وسهرة عشاء مع جين أوستين وفي مجموعة شيء من الحنان نجد دولار وروبية والعجب والسبب وامتلاء اليد الفارغة وهجرة المحنط وأحوال عبود كاتم الصوت وفي مجموعة الفرصة الأخيرة نطالع يوميات كئيبة وغريبة وماذا قال وراد قبل أن يموت وفي مجموعة نصيب عناوين فتاة وكلب سلوقي وكمنجة وغيرهما.
تقنية أخرى يستخدمها المر ببراعة وتذكرنا بافتتاحية الحكي الشهيرة كان يا ما كان يجد القارئ نفسه أمام تنوع جمالي في جمل المر الافتتاحية في قصته عيون اصفهانية من مجموعة نصيب، يبدأ بأشعار فارسية ويترجمها للعربية دعوتي عليك أن يجعلك الله عاشقاً، لمعشوق حجري القلب نفور مثلك، حتى تعرف ألم الحب وتدمع بناره، حتى تتجرع الهم وتتلوى من عذاب الهجر فتعرف قدري. أو بجملة لافتة ضمن حوار تمهيدي للدخول إلى أجواء السرد اسمع صوت بكاء طفل قصة في حب الأطفال في مجموعة سحابة صيف، أو باسم شخصية كما في قصة الأفيون والحب في مجموعة صداقة، أو بعناوين جانبية ففي قصة البيت الجميل ذي الرائحة العطرية في مجموعة المفاجأة نجد عنواناً جانبياً شيء من التاريخ أو بجملة مثيرة للانتباه، ففي قصة همسات تحذير في مجموعة الصوت الناعم نقرأ سوف انتحر، سوف أقتل نفسي أو بمثل شعبي كما في قصة العجب والسبب في مجموعة شيء من الحنان حيث يبدأ بمثل إذا عرف السبب بطل العجب.
اللغة عند المر متدفقة وانسيابية ولا تميل إلى التعقيد أو التقعر أو استخدام الكلمات الأجنبية أو حتى المصطلحات الهجين التي يتحدث بها العرب مع الجنسيات الآسيوية في الإمارات، يمكن وصفها باللغة الوسطى التي تذكرنا برعيل المبدعين العرب الأوائل في النصف الأول من القرن العشرين.
وتتسم بالتقريرية ولا تتورط في الاسهاب والاطالة، ترصد الوقائع وتمتلئ بالمعلومات الدالة على ثقافة موسوعية، ويمكن لدراسة تحليلية لمضمون إبداع المر أن تكشف عن الخلفيات المرجعية لثقافته والتي وإن تناصت في شكلها مع أساليب الحكي الموروثة إلا أنها في العمق مبشرة بالحداثة ومتتبعة لما ينجز على أرض الواقع من تحديث انعكس على ذهنية ونفسية المجتمع الذي يحلله المر.
يشعر قارئ المر أنه أمام قصة كلاسيكية حاول مبدعها التنوع في أساليبها فمرة يقسم قصته إلى فقرات تأخذ أرقاماً مسلسلة، وأحياناً أخرى تقسم القصة إلى مجموعة من العناوين المتتالية التي يرصد كل منها شخصية أو موقفاً يرتبط اللاحق منها بالسابق، وكثيراً ما تكون هذه العناوين معبرة عن شكل قصصي تقليدي، فهناك عنوان يمهد للدخول إلى أجواء القصة وآخر يصور المشكلة أو العقدة في الحدوتة وثالث يخبرنا بالحل وهكذا. وتشير هذه التقنية الشكلية إلى تأرجح السرد نفسه بين القصة القصيرة والرواية القصيرة خاصة ونحن نجد أنفسنا أمام عدسة فوتوغرافية حساسة للأماكن والشخصيات والأفكار.
قارئ المر أو الداخل إلى عالمه يلاحظ أن هناك هماً يسيطر عليه ويتمثل في الرغبة في توطين فن القص في بيئة تتطلع إلى الحداثة، ويؤكد التحليل الشكلي المبدئي للسمات الفنية لعالم المر القصصي ذلك التوجه.
إن كل السمات الفنية السابقة: الحكي ومفرداته المتعددة واللغة التقريرية والمعلومات المقدمة إلى القارئ، التفاصيل الاجتماعية والعدسة الفوتوغرافية تحيلنا مباشرة إلى بدايات توفيق الحكيم وطه حسين ونجيب محفوظ.. الخ، حينما كان يكتب هؤلاء بهدف توطين أفكار وفنون وافدة في الثقافة العربية المعاصرة، ولذلك فإن محفوظ الذي تعلم الفرنسية في شبابه ليقرأ البحث عن الزمن المفقود لمارسيل بروست بدأ برواية تتقاطع مع تشارلز ديكنز. الحال نفسه ينطبق على توفيق الحكيم عندما كتب مسرحية أهل الكهف ونعتقد أن المر عاش الحالة نفسها وكتب قصته الكلاسيكية بوعي كامل، وهو يدرك تماماً أنه من مبشري الحداثة في مجتمع الإمارات.