أتناول نصّ بيت الشعر للشاعر الدكتور مانع سعيد العتيبة من خلال منهج وسطي - وصفي يتبنى الأصول والمعايير النقدية، من خلال الطرق الاستقرائية والاستدلالية والتداخلية والانطباعية التذاوقية، متجنباً تبني منهج محدد كالمنهج التفكيكي الذي يقوّض بناء النص، ثم يعيد تشكيله من جديد، أو أي من المناهج الجديدة المتباينة التي ترمي بنا في متاهٍ من المربعات والمثلثات الهندسية العنكبوتية، من معايير الحداثوية الضاربة في الإغراق والإغلاق، ذلك أن النص لا يسعفنا في الولوج بحرية مطلقة إلى قراءة مفتوحة يتاح لها التطواف في فلسفتها الثقافية الجديدة .
لا شك أن رتابة الأسلوب التراثي النمطي سوف تحلينا في المقابل إلى استدعاء الذاكرة الثقافية نحو أسلوب الانزياحية التي قلما نلمسها في نص كلاسيكي، وإذا جاز لنا أن نتلمّس أسلوباً انزياحياً في نص الشاعر الدكتور مانع سعيد العتيبة فسنجده بادئ ذي بدء في ترسم المقدمة الطللية التي كانت لدى الشعراء المولّدين في مطلع العصر العباسي، والتي ترسمَها العتيبة في كسر سياق نطمها المألوف، كما فعل المولّدون حين عزفوا عن رسم أطلال الديار إلى مقدمات أخرى نسفت فيها المعهود الجاهلي .
يستهل العتيبة نصه بهذا الإيهام بين بيت الشعر ورسم البيت الذي يستدعي إيهاماً آخر، نستشفه من الرواحل التي ناخت على أرض هذا البيت، ومن الراحل الذي غاب عن عينه رسمُ طلل هذا البيت، فبيتُ الشعر الذي يُظلنا اليوم بسقفه، ويحفنا بروائع إرثه، كأنما هو ذاك الطلل الذي غاب عن عيون الشعراء، فهل يرى الشاعر في هذا البيت أرواح شعراء بني أمية والعباس أم أرواح شعراء الإمارات في الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي؟
يصعب في كثير من الأحيان أن تتعانق كوزمولوجيا الأصالة البلاغية العربية مع الانزياحات الدراماتيكية لإيديولوجيات الحداثة، في مختلف تغايراتها على صعيد المنجز البلاغي والنقدي على حد سواء .
ولو تتبعنا ملامح نظرية النظم عند الخطابي والجرجاني وملامح الأسلوب الانزياحي اللغوي عند ابن جني وخطونا في هرم تصاعدي دراماتيكي مع المنظومة الحداثية الألسنية التي أسس لها الناقد السويسري فردينان دي سوسير للمسنا هذا التصاعد الدراماتيكي بين منجزنا الإرثي وبين الحداثوية السويسرية، ولقد أفضنا البحث في اكتشاف هذا التعانق من خلال بضعة بحوث نشرناها في بعض الدوريات العربية .
كنت أطمع أن ألتمس خيوطاً لهذا التعانق الجرجاني - السويسري في نص العتيبة ليكون أكثر انفتاحاً في خط هذا التصاعد، وليكون أكثر انغلاقاً أمام الجمود النمطي الموروث الذي يتقاطع مع موروث آخر هو الموروث الجرجاني .
ولعل محاولتنا الاقتراب من الجسد الفيزيقي للنص يدفع بنا إلى اكتشاف بعض التشكيلات اللغوية، وبعض التشكيلات الفونولوجية والتخييلية التي تذهب بنا إلى تحليل بنيتها السطحية للوصول إلى بعض الدلالات العميقة التي تهيمن على الطاقة الإبداعية عند الشاعر .
ويرى كبدي فاركا أن كل صورة بلاغية وحدة لسانية تتضمن انزياحاً، وأن الصور البلاغية عبارة عن نظام من الانزياحات اللسانية .
وفي هذا الصدد ينص جان كُوهِن أن الانزياح الشعري يتم تحديده من خلال تحوّل في الدلالة، أي الانتقال من المعنى التقريري العقلي إلى المعنى الإيحائي الانفعالي، وأنه لا يتم ظهور المعنى الثاني إلا باختفاء الأول، ويظهر ذلك جلياً في مختلف مظاهر الانزياح كالنظم والإسناد والتقديم والتأخير وغيرها من الصور الأسلوبية فالانزياح عند كوهِن ليس الغاية النهائية في حد ذاته، بل إنه مجرد وسيلة أسلوبية ليس غير .
ولعل جوهر العملية الأسلوبية عند ريفاتير هو عنصر المفاجأة الذي يمكن أن نؤصل له بالعودة إلى ياكبسون الذي قرر بأن المفاجأة الأسلوبية هي توليد اللامنتظر من خلال المنتظر، وقد استغل ريفاتير هذه الفكرة فقرر أن قيمة كل إجراء أسلوبي، تتناسب مع حدة المفاجأة، فكلما كانت الخاصيةُ الأسلوبية غير منتظرة، كان وقعها في المتلقي عميقاً، وكلما تكررت الخاصية الأسلوبية نفسها في نص معين ضعفت قوتها التأثيرية، لأن التكرار يُفقدها شحنتَها التأثيرية تدريجياً .
وبعدما الذي نجده في نص الشاعر الدكتور مانع سعيد العتيبة من توليد اللامنتظر من خلال المنتظر في إطار التشكيل اللغوي؟
تعاور النص طرفان دلاليان متقابلان هما الحركة التي تبثها الأفعال السكونية التي تتسم بها الأسماء الجامدة، فمنذ مطلع النص يتجاوب الطرفان بين حركة حدث الفعل، وسكونية الأسماء كما هو في المطلع الاستهلالي:
على أرض بيت الشعر ناختْ رواحلي
وما غاب رسم البيت عن عين راحلِ
وإني لرحّال مدى العمر باحث
عن الحب إن الحب يا قوم قاتلي
ففي البيت الأول جملتان فعليتان، وفي البيت الثاني تتوالى ثلاثة أسماء مشتقة، تتحرك فيها فاعلية الحدث من خلال صيغ المبالغة وأسماء الفاعلين التي تتراكم رأسياً في جل المقطع الأول من النص .
ويعيش الشاعر حالة سكونية من المشاعر الدافئة إزاء ما تتسم به البيئة المجتمعية في الإمارات التي رَكَنَ شعبها إلى خيرات الحياة الجديدة، بفضل ما أفاض الله عليها من ذخائر النفط وكنوزه التي أودعها الله في صحرائها، فارفضّت خضراء تنعم بالأمن والسلام .
هذا التماثل إذن بين حالة الشاعر السكونية وبين السكينة التي رَكَنَ إليها شعب الإمارات ونَعِم بها، أملتْ على الشاعر طرائق أسلوبية بوعي منه أو بغير وعي منه: ومنها استرساله في استعمال الصيغة الخبرية السردية بشكل كبير، أسهم في الكشف عن اختيار الأفعال وتوزيعها في إطارين متقابلين: إطار ماضوية الأفعال وما فيها من ثبوت الحدث وتأكيد حركته الماضوية، وإطار مضارعية الأفعال وما فيها من حيوية وديمومة ومستقبل:
وفي باب هذا البيت ألقى أحبتي
وأحكي لهم ما يفعل الحب داخلي
وأصغي إلى دقات قلب متيم
فأسمع شدواً مثل شدو البلابل
وأشرح همي في الغرام ومحنتي
فيعذرني حتى الذي كان عاذلي
إنّ رصد هذه الحركة الشعورية في تجاذب الأفعال والأسماء في الأبيات الستة الأولى يُعَد نموذجاً لأسلوب النص بشكل عام، وهو النظام الذي أطلق عليه سوسير نظام الاختيار الرأسي الذي ينبغي أن يتضافر مع النظام الأفقي، من حيث تآلف الألفاظ وتجاورها وتفاعلها في التشكيل اللغوي، تنضاف إليها عناصر أسلوبية أخرى تُشكّل مع بعضها نظْماً أو نسقاً، أطلق عليه كل من الخطابي والجرجاني ما يعرف بنظرية النظم التي سبقت الأسلوبيين والبنيويين الحداثيين ورائدَهم فردينان دي سوسير بألف عام مضى .
ومن هنا، فإن تقاطع الرأسي مع الأفقي، ابتداء من الكلمات المفردة، ثم من الجمل، وانتهاء بالبيت الشعري، أو بالمقطع الشعري من النص برمته، يُضاف إليها عناصر أسلوبية أخرى: تركيبية وتصويرية، نلمسها في السِمَتين التاليتين:
أما التقابل الكائن في المتضادات الثنائية فقد كان له نصيب وافر في النص، وهذا بعضٌ من نماذجه:
وأشرح همي في الغرام ومحنتي
فيعذرني حتى الذي كان عاذلي
وعيناي لا تريان أن حضارتي
تقوم على زرع لقفر وقاحل
ولكنها عدل، وبئست حضارة
ترى الحق أحنى الرأس فيها لباطل
ولكننا الأحرار فيها جميعنا
نروح ونغدو فوقها دون حائل
وليس اعتزازي بالعروبة رغبة
بإحياء عهد جاهلي وزائل
يعتّد البنيويون بتتبع الدلالة الكلية من خلال فن المقابلة الذي يفضي عندهم إلى معنيين رئيسيين هما الحركة والتوتر، ويرون أن الجمع بينهما في سياق واحد يكون لغاية التوتر في علاقاتهما، وفي مثل هذا السياق يرى دو سوسير أن الواقع اللساني لا يتمثل في الكلمة ولكن في تعارض الكلمات، فاختلاف المعنى بين (العُذْر والعَذْل، وبين الزرْع والقَفْر، وبين الحقّ والباطل، وبين الرواح والغُدُو، وبين الإحياءِ والزوال) كامنٌ في التعارض المُفضي إلى توتر في العلاقة الكائنة بين اللفظين، وهذا التوتر -بالتالي- يُفضي إلى الحركة المحورية للدلالة في النص بوجه عام .
تقوم نظرية المقابلات عند البنيويّ وَلهلم شنايدر: على رصد التوازن في الأسلوب من خلال التقابل بين الحسي والمجرد، ولقد حظي نص العتيبة بمفارقات وفيرة لهذا التقابل على مستوى وصف المحسوس بالمجرد أو وصف المجرد بالمحسوس أو على مستوى المضمون العام في آلية التصوير الكلية، يقول العتيبة في مفهوم الحضارة القائمة على العدل:
وليست هي التعميرَ رغم جماله
كما أنها ليست بناءَ المعامل
ولكنها عدل، وبئست حضارة
ترى الحق أحنى الرأس فيها لباطل
فالتقابل بين الحسي والمجرد -هنا- هو هذا التقابل في مفهوم الحضارة بين المحس من التعمير وبناء المعامل، وبين المجرد من العدل والحق والباطل .
ولسمَتَيْ التحوّل والتحويل عند البنيويين شأن مرموق في تحليل النص الأدبي، فالتحوّل: هو أن يوصف المحسوس بمحسوس أو المجرد بمجرد، والتحويل: هو أن يوصف المحسوس بمجرد أو المجرد بمحسوس، ولا ريب أن الأول لا يُجهد ملكة المبدع في التجديد والتوليد بالقدْر الذي يجهدها في الثاني، وبالتالي فإن سمة التحويل تقوم على تصوير خلاق لما فيها من توليد مبعثه إعمال الخيال، واستفزاز الملكة الإبداعية، ولعل نص العتيبة في مجمله قائم على السِمَتين معاً، بل لا يكاد يخلو بيت أو مقطع شعري منهما، ولهذا لا نجد ضرورة للتمثيل والدليل على تناوب هاتين السمتين وتجاورهما، إلا أن لسمة التحويل نصيباً أوفر وأغزر في النص، وخصوصاً على المستوى التركيبي في الجملة الشعرية، وعلى مستوى المضمون أو الصورة العامة للنص لا على المستوى الجزئي لها، ولعل استقراءً كلياً على المستوى البنائي الكلي للصورة العامة في هذه اللوحة الشعرية يفضي بنا إلى تقابل آخر بين الحسي والمجرد كما هو في المقطع التالي:
ولا تقرؤوا ما لم تسجله أحرفي
ولا تحصدوا قبل الأوان سنابلي
تعالوا إلى الصحراء فهي تضمنا
إلى صدرها بالحب من غير عازل
وفوق رمال الخير والجود والندى
تلاقوا فما نجم التلاقي بآفل
أعيدوا إلى الصحراء صوت غنائها
ولا تحرموها من صداح العنادل
فما ضاقت الصَحراء يوماً بأهلها
ولا كشرت في وجه ضيف وسائل
وكان عطاء النفط فيها هدية
من الله للشعب الصبور المناضل
فغطت شحوبَ الرمل خضرةُ عشبها
وحلّ رشادُ الحكم صعبَ المشاكل
فثمة تقابلٌ -هنا- في طرفين متناقضين ماثلين في ما كانت عليه حياة الصحراء الإماراتية من رمال قاحلة خلت من التعمير والتخضير، وبين ما آلت إليه حالها من النعيم والرفاه بعد عطاء النفط وهداياه، هذا العطاء الذي أنجز حضارة مدنية كادت أن تعصف مظاهرها الاجتماعية الجديدة بموروث الأعراف الاجتماعية العريقة، فراح الشاعر في إطار من التقابل -أيضاً- يذكّر بالقيم العريقة التي كانت سائدة قبل النفط، ويدعو إلى ديمومة التحلي بها لأنها موروث الأجداد وحاضنة الأحفاد .
لقد أولى الأسلوبيون والبنيويون أهمية فنية لفيزيولوجية الأصوات، لحسبانها سمةً أسلوبية تسهم في أحياز النقد الجمالي، وإذا كانت معايير الحداثة الغربية قد تراجعت قليلاً عن تحليل هذا العنصر الجمالي، فإن أنصار الكلاسيك تحديداً يرونه ركناً رئيساً في إبراز الطاقة الوجدانية التي من شأنها أن تشكّل معادلاً موضوعياً بين الفعل وردّ الفعل، أو بين الشعور بواقع الحدث واللاشعور الكامن في وجدان المبدع، ولعل مشاعر العتيبة من الاعتزاز والفخر بشعب الإمارات عادَلَهُ اختيارُ الشاعرِ البحرَ الطويلَ الذي يتناسب مع انفعالاته القوية التي انسابت انسياباً موجيّاً هادراً، كان أقرب إلى استرخاء المدّ واتساعه في تفعيلات هذا البحر منه إلى ضيق الجزر وانكماشه، فيما لو اختار بحراً آخر كالمتدارك أو المقتضب على سبيل المثال، ذلك أن تفعيلات الطويل تختزل نفَسَاً ذا مدّ وطول واسترخاء فمن قوله مثلاً:
فيا آل بيت الشعر مرحى يقولها
فؤادي فتنساب انسياب الجداولِ
ويفتح تاريخ الرمالِ سجله
لأشهد أمجادي وزحف جحافلي
ففي هذين البيتين أربعة عشرَ مداً، فضلاً عن مد الرويّ بالكسر المشبعِ بصوت الياء الممدود .
ومن العناصر التركيبية في النص فينولوجيا التجنيس وحسن التقسيم السائدين في الموروث البلاغي العربي، واللذين أصبح لهما شأن في النقد الحداثي من حيث توظيف الصوت توظيفاً دلالياً، كما تبنّاه أتباع مدرسة براغ من البنيويين ودو سوسير من الأسلوبيين وسنأتي إلى رصد هذين العنصرين لاحقاً .