المعجم التاريخي للغة العربية، هو في العمق معجم الأمة الذي يدون مفرداتها، ويوثق تطور كل كلمة بمعناها ودلالتها وسياق استخدامها وفضاء تداولها، وعندما نفتحه فنحن في الحقيقة لا نطل على اللغة وحسب، ولكننا نشاهد تاريخ العرب يتحرك أمامنا من خلال شعرهم ونثرهم، أيامهم وملاحمهم، أمثالهم وحكمهم، ومع كل هذا نشعر بآمالهم وطموحاتهم وأمنياتهم وما فكروا فيه، وما حلموا به..
ونظراً لفرادة المعجم في معناه ومبناه نقتبس منه في هذه الزاوية في كل أسبوع قبساً يضيء جانباً من روح الأمة التي يحق لها أن تفرح وتفخر بهذا المعجم.
الشَّميطُ
العربية لغة ذات طاقة تعبيرية رفيعة، وثراء معجمي يتيح لها أن تحاكي أدقّ المعاني وأرقّ الانفعالات.
و ظلت عبر تاريخها، اللساني والأدبي، وعاء خصباً للبيان، ومجالاً رحباً لتشكل الجمال في أبهى صوره، ومن المفردات الجميلة الواردة في المعجم التاريخي للغة العربية مفردة: الشَّميطُ التي تتعدّد معانيها حسب السياق كالتالي:
الشَّميطُ: أي بمعنى الصُّبْحُ.
ونجد على هذا المعنى شاهداً من العصر الإسلامي في قول الكُمَيْتُ يَصِفُ:
إِذا عَلا سِطَةَ المَضْبَأَيْنِ
مِنْ لَيْلَةِ الذَّنَبِ الأَشْعَلُ
وأَطْلَعَ مِنْهُ اللِّياحَ الشَّميطَ
خُدودٌ كَما سُلَّتِ الأَنْصُلُ
كما يرد ذات المعنى في العصر العباسي في قول البَعيثُ يَذْكُرُ صاحِبَتَهُ:
وأَعْجَلَها عَنْ حاجَةٍ لَمْ تَفُهْ بِها
شَميطٌ يُتَلّي آخِرَ اللَّيْلِ ساطِعُ
ومن المعاني الأخرى الجميلة لهذه المفردة ما يرد عند الخَليلُ بن أحمد الفراهيدي في كتابه العين فيقول: «الشَّميطُ مِنَ النَّباتِ: الّذي بَعْضُهُ هائِجٌ وبَعْضُهُ أخْضَرُ»، كما تحمل المفردة معنى آخر عندما تطلق على الطير فيكون الشَّميطُ مِنَ الطَّيْرِ: ما كانَ في ذَنَبِهِ سَوادٌ وبَياضٌ، ونجد بيان ذلك عند الفراهيدي بقوله: «وقَدْ يُقالُ لبَعْضِ الطَّيْرِ إِذا كانَ في ذَنَبِهِ سَوادٌ وبَياضٌ: إنَّهُ لَشَميطُ الذُّنابى». (وهذِهِ الدَّلالَةُ سَجَّلَتْها المَعاجِمُ في بَقِيَّةِ العُصورِ)
كما يتغير المعنى في سياق وصف اللبن فيقال للشَّميطُ مِنَ اللَّبَنِ: ما لا يُدْرى أَحامِضٌ هُوَ، أَمْ حَقينٌ مِنْ طيبهِ.
ونجد دلالة على هذا المعنى في العصر العباسي في قول ابْنُ عَبّادٍ:
«والشَّميطُ مِنَ الأَلْبانِ: الَّذي لا يُدْرى أَحامِضٌ هُوَ أَمْ حَقينٌ مِنْ طيبِهِ». (وهذِهِ الدَّلالَةُ سَجَّلَتْها المَعاجِمُ في بَقِيَّةِ العُصورِ)
كما يرد في المحكم لابن سيده معنى آخر للمفردة ويقال الشَّميطُ مِنْ أَوْلادِ الرَّجُلِ: أي مَنْ كانَ نِصْفُهُمْ ذُكوراً ونِصْفُهُمْ إِناثاً.
ونجد شاهداً على ذلك في قول ابْنُ عَبّادٍ:
«وإِذا كانَ نِصْفُ وَلَدِ الرَّجُلِ ذُكوراً ونِصْفُهُمْ إِناثاً فَهُمْ شَميطٌ». (وهذِهِ الدَّلالَةُ سَجَّلَتْها المَعاجِمُ في بَقِيَّةِ العُصورِ)
سَبَرَ
تأتي هذه المفردة من الجَذْرُ (س ب ر) والذي ورد في عَدَدٍ مِنَ النُّقوشِ العَربيّةِ الشَّماليّةِ، مِنْ بَينِها نَقْشٌ صَفائيٌّ غَيرُ مُؤرَّخٍ، وَرَدَ فيهِ الفِعْلُ (س ب ر) أيْ: (سَبَرَ، بَحَثَ عَنْ)، فَجاءَ في النَّقْشِ: «س ب ر ح س ي ب ه ن خ ل»، أيْ: «بَحَثَ عَنِ الماءِ القَريبِ مِنَ السَّطْحِ في الوادي».
وقد احْتَفظَتِ السّاميّاتُ بِهذا الجَذْرِ مِنَ العَربيّةِ الأُمِّ فنجده في الآراميّة والعِبْريّة والسُّرْيانيّة، والتي لا زالت تستخدم حتى يومنا هذا في العديد من اللهجات العربية بذات المعنى وهو: مَعْرِفَةُ مِقْدارِ الشَّيْءِ وقِياسُهُ.
فيقال سَبَرَ الشَّيْءَ: أي جَرَّبَهُ واخْتَبَرَهُ.
ونجد شاهداً على ذلك من العصر الإسلامي في قول أبو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ يُخاطِبُ النَّبِيَّ في خَبَرِ الغارِ في أَثْناءِ الهِجْرَةِ:
«لا تَدْخُلْهُ حَتّى أَسْبُرَهُ قَبْلَكَ»، وفي العصر العباسي أيضا يقول الخَليلُ بْنُ أحْمَدَ:
«السَّبْرُ: التَّجْرِبَةُ، وسَبَرَ ما عِنْدَهُ، أَيْ: جَرَّبَهُ». (وهَذِهِ الدَّلالَةُ سَجَّلَتْها المَعاجِمُ في بَقِيَّةِ العُصورِ)
ويقول ابْنُ هِشامٍ الحِمْيَري عَلى لِسانِ المَلِكِ الهَدْهادِ يُجيبُ رَجُلًا مِنْ قَوْمِهِ:
«يا مَعاشِرَ حِمْيَرَ إنّي رَأَيْتُ الرّجالَ، وعَجَمْتُ أَهْلَ الفَضْلِ وسَبَرْتُهُمْ، وشَهِدْتُ مَنْ أَدْرَكْتُ مِنْ مُلوكِها».
كما استمر استخدام المفردة لذات الدلالة في عصر الدول والإمارات، والشاهد على ذلك قول الصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ يَذْكُرُ ما يَجِبُ عَلى المُجْتَهِدِ في عِلْمِ أُصولِ الفِقْهِ:
«يَجِبُ عَلَيْهِ سَبْرُ الأَوْصافِ الَّتي تَصْلُحُ لِلْعِلِّيَّةِ وِفاقًا، ولا يَجِبُ عَلَيْهِ سَبْرُ الأَوْصافِ العَدَمِيَّةِ، لِكَوْنِها غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ، فلا شَيْءَ مِنَ الأَوْصافِ الَّتي تَصْلُحُ لِلعِلِّيَّةِ بِعَدَمِيَّةٍ».
وفي العصر الحديث أيضاً استخدمت المفردة في ذات المعنى، حيث يقول عبد الكريم النملة، في كتابه المهذب في علم أصول الفق حول ما يَجِبُ عَلى صاحِبِ الاسْتِدْلالِ إذا كانَ مُجْتَهِداً:
«فإنْ كانَ المُسْتَدِلُّ مُجْتَهِداً فَعَلَيْهِ السَّبْرُ للأَوْصافِ بِقَدْرِ إِمْكانِهِ، بِحَيْثُ يَعْجِزُ عَنْ إِيرادِ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأَوْصافِ والعِلَلِ».