النجاح الدراسي، خاصة في الثانوية العامة، أمر يستوجب بلا شك الفرحة، وهذه الفرحة تتضاعف إذا كان النجاح بمعدل مرتفع يحقق حلم صاحبه في دراسة تخصص ما . وتتضاعف الفرحة ثانية إذا ارتفع هذا المعدل إلى حد يكاد يلامس الدرجات الكاملة .

هذا على مستوى الطلاب وذويهم، لكن للأمر وجهاً آخر عند تربويين لهم قراءة مختلفة لنتائج الثانوية العامة ومعدلات الناجحين فيها . هناك من يبحث عن أسباب الارتفاع، وهناك من يشكك في حقيقته ولا يبني عليه أية رؤى ويحذر من الوثوق به، فهل هو على حق؟

ومرة أخرى، يفتح استحواذ الطالبات على نسبة الثلثين من الأوائل أبواباً للتساؤل، ليس انتقاصاً من قدراتهن، ولكن لتحول تفوقهن بهذا الشكل إلى ظاهرة سنوية . بين أسباب ونتائج ارتفاع المعدلات، وتصدر الطالبات للمتفوقين يدور هذا الملف .

الأطراف المعنية منقسمة حول الأسباب

ارتفاع المعدلات طفرة يشكك فيها البعض

عندما نقرأ نتائج امتحانات الثانوية العامة، يلفت انتباهنا المعدلات المرتفعة التي حصل عليها الطلاب، فمعدل خمس وتسعون في المائة أصبح شيئاً عادياً بل أقل من عادي، وأصبحت العلامة الكاملة من الأمور المنطقية بعدما كانت من المستحيلات، هذا الأمر قد يعطي شعوراً لدى البعض بالتفاؤل بالمستقبل العربي، فارتفاع المعدلات دلالة، نظرياً على الأقل، على تحسن المستوى التعليمي، وهذا التحسن سيؤدي من وجهة نظر البعض إلى التقدم على كل المستويات، بينما رأى فيه البعض تراجعاً للمستوى الحقيقي حتى أصبحت النتائج لا تعبر بمصداقية عن المستوى التعليمي بل تخضع لرغبات المدارس .

تعتقد وسن عباس بشت (99،8 الأولى مكرر على مستوى الدولة الفرع الأدبي) أن صعوبة الأسئلة والنظام القديم كانا السبب في انخفاض المعدلات في السنوات السابقة . وتقول: قررت أن أدرس الفرع الأدبي لخوفي من عدم تحقيق معدل مرتفع في العلمي، وهذا الخوف تكون لدي من ما سمعته عن صعوبة الأسئلة، إلا أنه من خلال تجربتي لم أجد تلك الصعوبة . وتضيف: أخي عبدالله حاز في 2005 معدل 91،8 وامتحن حسب النظام القديم، وأختي زينب بعده بسنتين حازت المعدل نفسه، وذلك بسبب المرحلة الانتقالية التي عاشتها أثناء التغيير من النظام القديم إلى الجديد، وهذا ما يدل على أن الجديد أسهم في ارتفاع المعدلات .

وتؤكد وسن أن مدرستها، وهي خاصة، كان لها دور كبير في تفوقها، وذلك من خلال توفير أفضل المعلمات اللواتي أبدين اهتماماً كبيراً بالطالبات، بالإضافة إلى المتابعة اليومية، لجميع الطالبات، ما أدى إلى ارتفاع معدلاتهن الدراسية .

الطالبة بتول محمد رضوان (99،9% الأولى على مستوى الدولة الفرع العلمي) ترى أن وجود إرادة قوية لدى الطالب سر التفوق، مؤكدة أن هذه الإرادة موجودة لدى الجنسين، ولا ترى في جلوس الطالبات في المنازل طويلاً السبب الكافي للتفوق، فبإمكان الشاب أن يجلس في البيت ويتابع دراسته، لكنه لم يملك الإرادة الكافية لذلك كما تقول . وتضيف: توفر الإرادة لدى الطلاب والطالبات، ودعم الأهل وتميز المدرسين كلها عوامل أدت إلى تفوق الطلاب وبالتالي ارتفاع المعدلات، ومن جهة أخرى، أدى النظام الجديد إلى ارتفاع المعدلات، ففي السابق كان الطالب يمتحن في الفصلين وهو أمر صعب، أما اليوم فيمتحن الطالب في فصل واحد، وهو أمر خفف من صعوبة الامتحانات وانعكس إيجاباً على الطلاب ومعدلاتهم، وترى بتول أن ما يشاع حول مساعدة المعلمين للطلاب وإعطائهم علامات لا يستحقونها خاطئ، وإن وجد فبنسبة ضئيلة جداً لن يكون لها ذلك الأثر البارز .

نور محمد درويش (99،6% الثانية على مستوى الدولة الفرع الأدبي) تؤكد أن التفوق لا يأتي نتيجة الدراسة لعام واحد بل هو حصيلة اثنتي عشرة سنة من الجهد والعمل، وأن من اعتاد على الدراسة طيلة سنوات دراسته سيصل إلى الثانوية العامة وهو مستعد لها وبالنسبة لارتفاع المعدلات تقول: أختي التوأم دخلت الفرع العلمي، فلهذا لدي اطلاع على الفرعين بشكل يسمح لي بالقول إن أسئلة الامتحانات الموجهة للفرع العلمي كانت أسهل من العام الماضي، وأسئلة العام الماضي كانت أسهل منها في الذي قبله، وهذا ما أعزو إليه ارتفاع المعدلات، وفي ما يخص الفرع الأدبي، كانت الأسئلة أصعب منها في الأعوام السابقة، وهذا رأي الجميع من طلاب واختصاصيين، ومع هذا رأينا ارتفاع المعدلات وهنا قد يكون السبب زيادة وعي الطلاب وإقبالهم على الدراسة .

د . يوسف أبو سالم، مدرس الرياضيات في جامعة خليفة وأحد أولياء الأمور يرى أن ارتفاع المعدلات جاء مفاجئاً للجميع، لكنه إنما يدل على الاهتمام المتزايد لدى الطلاب والأهل بشؤون العلم والتعليم، وإدراك أن التفوق لم يعد شيئاً معنوياً، بل أصبح ضرورة، ويفتح الأبواب لدى الطلاب لدخول الفرع الجامعي الذي يرغبونه، ويقول: المعدلات الضعيفة لم تعد تجدي فأنا، وبحكم عملي على معدلات القبول في الجامعات أعرف أن معدلاً مثل 70 في المائة لا ينفع، ولا يقدم للطالب ما يريد، ويضيف: تأتي التعديلات التي قامت بها الجهات المعنية في الأمور التعليمية لتكون عاملاً في هذا الارتفاع، فالتعليمات الجديدة تفضي إلى الابتعاد عن الحفظ، والتركيز على فهم الطالب ومدى تركيزه وإدراكه للمعلومات .

ويعتقد الأستاذ جمال سعد والد الطالب المتفوق أحمد (98،9% التاسع مكرر على مستوى الدولة) أن الاسئلة التي تميز الطلاب الأذكياء كانت قليلة، مطالباً بالنظر في الأسئلة المطروحة، ومراعاة مستويات الطلاب، وأن تكون الأسئلة الموجهة للطلاب الأذكياء أكثر من التي وجدت في النسخة الأخيرة من الامتحانات، فلا يبخس المتفوق حقه ويعرف مستوى الطلاب الحقيقي .

وتعزو د .نبال البيطار والدة الطالبة المتفوقة بتول محمد ارتفاع المعدلات إلى زيادة الوعي لدى الطالب والأهل حول التعليم وأهميته، وترى أن تفهم الجهات المعنية لمفهوم المادة الدراسية ونوعية الأسئلة كان له دور إيجابي في ارتفاع المعدلات . وتوضح أن وزارة التربية والتعليم تسعى دائماً إلى تطوير المنهاج الدراسي والأسئلة الدراسية بما يخدم مصلحة الطالب وبالتالي المجتمع، وتعتبر ابتعاد الامتحانات عن اختبار الحفظ اتجاهاً حقيقياً نحو قياس مستوى الفهم .

أم عبدالله والدة الطالبة وسن عباس ترجح أن ارتفاع المعدلات يعود إلى سببين، الأول صعوبة بعض المواد التي شكلت إخفاقات لدى الطلاب في البداية إلا أن الطالب المتميز وجد هذا الإخفاق الصغير أمراً عظيماً، الأمر الذي أعطاه دفعاً لكي يعوض العلامات البسيطة التي خسرها، والسبب الثاني العصر الذي نعيشه، فالطالب، كما توضح، يشب مطلعاً على العالم من خلال القنوات الفضائية والإنترنت وهي أمور توسع مداركه، وتجعل مستواه الإدراكي يتجاوز سنه، وهذا أمر يؤدي إلى التميز . وتؤدي البيئة الأسرية المستقرة والمستوى التعليمي المرتفع وسهولة الحصول على المعلومات دوراً مهماً في ارتفاع المعدلات الدراسية حسب تأكيدها .

يعتقد إبراهيم بركة مدير مدرسة الشعلة الخاصة أن ارتفاع المعدلات يعود إلى النظام الذي اتبع منذ أربع سنوات، ولا يزال يعارضه . ويقول: هو نظام يعطي 50% لأعمال السنة الدراسية وفي أغلب الأحيان تأتي هذه النتائج غير موضوعية، وهناك بعض أدوات التقييم تعطي نتائج أكثر دقة وموضوعية، فأنا أرى أن حصول أحد عشر طالباً على نتيجة 799 درجة من 800 مرده إلى نظام التقييم المعتمد في المدارس، ونطالب بأن تعود الأمور إلى سابق عهدها، وأن يكون الامتحان أقوى، فعند وضع الورقة الامتحانية يبدو أن واضعها لا يراعي مهارات التفكير العليا ويبدو أن هناك أوامر تفضي الى عدم جعل الامتحان صعباً، وهذه ليست بالظاهرة الصحية، فنحن كما قلت سابقاً نطالب بعودة النظام القديم حتى لا يتهم البعض المدارس الخاصة بالتلاعب في نتائج الامتحان، إذ إننا نرفض هذا الاتهام جملة وتفصيلاً، ومنعاً لمثل هذه الإشكاليات نرغب بأن يعود الامتحان وزارياً كما كان في السابق .

وعن وجود تلاعب في النتائج أدى إلى ارتفاع معدلات النجاح، كما تصور البعض، يقول طارق شيخ اسماعيل مدير مدرسة النور الدولية الخاصة: إن كلمة تلاعب قد تنطبق على بعض المدارس وليس الجميع، فنحن أيام النظام القديم كانت معدلات طلابنا مرتفعة، واليوم وبوجود النظام الحديث حافظنا على التفوق ذاته، وأنا مع نظام الامتحانات المشتركة وذلك بعد الانتهاكات الذي قامت بها بعض المدارس وأساءت للجميع، وبالنسبة لمن يشكك بمستويات المدارس الخاصة، ما عليه سوى أن يقارن ما بين النتائج التي تقدمها المدارس الخاصة والنتائج في الحكومية التي تحوي عدداً من الطلاب لم ينجحوا على الإطلاق، ويؤكد أن ارتفاع المعدلات جاء نتيجة قفزة نوعية في المناهج الدراسية، موضحاً أن النظام التعليمي القديم كانت نسبة الاستحفاظ فيه كبيرة، والمهارات أقل، لكن الحديث يعتمد على الفهم، ويتابع: في السنة الأولى شكل النظام الجديد صدمة للطلاب لعدم اطلاعهم على المعايير الامتحانية، ومن ثم ارتفعت المعدلات في ما بعد لأن الطالب أصبح يتعامل مع الورقة الامتحانية كخبير، ومن وجهة نظره، فإن ارتفاع المعدلات في الثانوية العامة دليل خير، ويفضل أن يكون الطالب العاشر في الترتيب في بيئة متميزة على أن يكون الأول في بيئة متخلفة .

رجاء منصور التي عملت في التدريس لمدة تجاوزت الخمسة وعشرين عاماً تقول: في أي نظام جديد لابد من وجود الثغرات والعيوب التي تتطلب بعض الوقت لإصلاحها، وطلاب هذا العام طبق عليهم النظام وهم في بداية المرحلة الثانوية فتعرفوا إليه، واستطاعوا أن يتعاملوا معه بالشكل الأمثل عندما وصلوا لنهاية المرحلة الثانوية، وتعود المدرسين والطلاب على النظام الجديد كان له الدور في التفوق .

وتشير إلى أن نظام التقويم المستمر المطبق من أول عام الدراسة إلى آخره كان له دور كبير في هذا التفوق، فالطالب، كما توضح يخضع للامتحان وقد قرأ الكتاب عشر مرات تقريباً، وهو ما يسهل الإجابة عليه، على عكس الأنظمة التي تعتمد الامتحان النهائي، فتجد الطالب يهمل دروسه طيلة العام ويأتي في الشهر الأخير ويبدأ الدراسة ويريد أن يكون من المتفوقين .

ويؤكد المدرس زياد عطا السوالمة أن الاعتماد على الوسائل الحديثة في التعليم وتأهيل المدرسين لاستخدام هذه الوسائل أديا دوراً إيجابياً في تحسن نوعية التعليم، وبالتالي كان له دور كبير في تحسين إيصال المعلومة للطالب، ففهم الطالب دروسه بالشكل الأمثل وتفوق بها، فكانت نتيجة ذلك ما نراه من ارتفاع في المعدلات . ويضيف: لعب اعتماد نظام الفصلين كذلك دوراً في ارتفاع المعدلات وازدياد عدد المتفوقين، إذ أعطى الفرصة للطالب للتعديل، فمن قصر لسبب ما في الفصل الأول يستطيع، إن أراد، أن يعدل من معدله ويتدارك التقصير الذي حصل في وقت سابق .

أسلوب التقييم عصري

تعزو شهرزاد عزت حوارنة مديرة مدرسة الاستقلال الخاصة ارتفاع المعدلات في الشهادة الثانوية إلى تهيئة البيئة المناسبة للطلاب مؤكدة أن التواصل مع الأهل أدى دوراً كبيراً بجانب جهود المعلمين والموجهين . وتقول: هذه العوامل هي التي أدت إلى ارتفاع المعدلات، وليس الغش والتلاعب كما يزعم البعض، وأقول للمشككين في مصداقية المعدلات إن الطالب في الامتحان النهائي يمتحن خارج مدرسته أمام لجنة لا صلة لها بها ومع ذلك يحقق النتائج التي حققها داخل المدرسة . وبالنسبة لمن يعترض على احتساب علامات الطالب ضمن العام الدراسي ويطلب أن يعود إلى النظام القديم وأن يكون المقياس هو الامتحان النهائي، نقول: النظام الجديد عصري لا يهدف فقط إلى تقييم الطالب، بل إلى تهيئته للحياة الجامعية، فالطالب يتخرج في الثانوية وقد عرف معنى المشروع والتقرير، وهو ما كان يجهله الطلاب أيام النظام القديم .

3 أسباب

خلفان عيسى المنصوري، مدير المنطقة التعليمية الغربية يعزو التفوق إلى ثلاثة أسباب . ويقول: أولها الطالب نفسه إذ وعى طلابنا أهمية التعليم والتفوق وعرفوا أنه الطريق الأمثل إذا ما أرادوا النجاح في حياتهم، والثاني إدراك الأهل وسعيهم لرفع المستويات العلمية لأبنائهم، والثالث اختلاف طريقة التعليم وتغييرها من النظام التقليدي التلقيني إلى نظام مشاركة الطالب من خلال ما يقدمه من أبحاث ومشاريع ونشاطات، وجعلت معدله لا يتوقف على الورقة الامتحانية . ويضيف: أصبح الطالب مصدر المعلومة والمعلم هو المشرف والذي يصحح الأخطاء إن وجدت، ولا نستطيع أن نتجاهل التعديلات التي طرأت على ورقة الامتحانات فصارت الأسئلة تستهدف المعلومة وفهم الطالب لها لا حفظه، وكل هذه الأمور أدت إلى تطور مستوى الطالب ما انعكس إيجاباً على المعدلات . ويشير المنصوري إلى أن إطالة الوقت الدراسي بحيث يتلاءم مع حجم المنهاج الدراسي، خففت الضغط على المدرس والطالب، وكان لها تأثير في ارتفاع المعدلات وعدد المتفوقين، وحول دور النظام الحديث في رفع المعدلات يقول المنصوري: وضعت استراتيجة التعليم بهدف تحسين الأساليب لرفع مستوى الأداء والعملية التعليمية وليتمكن الطالب من أن ينافس ويأخذ فرصته في الجامعة، وهذا ما لمسناه في السنتين الأخريين من خلال عملية قبول الطلاب في الجامعات، والإمارات ملتزمة بالتطورات التي تحدث في العالم، ولهذا وجدنا ارتفاعاً في المستويات والمعدلات، فالاستراتيجيات الحديثة بدأت تؤتي أكلها .

تصدرهن الأوائل أصبح عادة سنوية

خلطة التفوق سر تملكه الطالبات

كالعادة في السنوات الأخيرة، أشارت نتائج الشهادة الثانوية بفرعيها العلمي والأدبي، هذا العام إلى تفوق ملحوظ للطالبات اللاتي شكلن نسبة الثلثين من عدد المتفوقين، وهو ما يدعو للتساؤل عن سبب هذا التفوق الملحوظ، والخلطة السرية التي لجأت لها الطلبات حتى حققن هذا النجاح الكبير .

تقول لانا يوسف محمود أبو سالم، الحاصلة على نسبة 99،8% في الثانوية العامة الفرع العلمي وعلى المركز الثاني على مستوى الدولة: الطالبات يمتلكن القدرة على الدراسة أكثر من الطلاب، وبالرغم من زعم البعض أن مستوى الذكاء لدى الذكور أعلى من الإناث، إلا أن الذكاء وحده لا يكفي إن لم يكن مصحوباً بالجد في الدراسة، وبالنسبة للطالبات، فالجامعة تعني لهن الكثير، وهي المرحلة التي سينطلقن منها للحياة العملية، في حين قد لا يعي الطلاب أهمية هذه المرحلة التي ترى فيها الإناث مرحلة انتقالية إلى حياة عملية ناجحة، يثبتن من خلالها جدارتهن، ويؤكدن للمجتمع أنهن قادرات على الإنتاج، بينما يرى فيها الطلاب مرحلة لقضاء أوقات ممتعة . وتضيف: لتحقيق هدفي الذي أصبو إليه، كنت أدرس دروسي أولاً بأول، فلا تتراكم عليّ الدروس وكأني سأخضع لامتحان، ولم أكن أتجاوز أي نقطة من دون أن أفهمها، فالفهم ضروري جداً لتحقيق أفضل النتائج، هذا كان في الأيام العادية أما وقت الامتحانات فكنت أستيقظ باكراً وأبدأ الدراسة من السابعة صباحاً ولغاية العاشرة مساءً .

سبب تفوق الطالبات تقول عنه أسماء أحمد عبدالواحد أبوالعز (99،8% الثاني مكرر علمي): الظروف الاجتماعية التي تعيشها البنات تجعلهن محكومات بالجلوس في البيت، وليس لديهن فرصة الخروج كالتي لدى البنين، هذا الأمر يجعلهن يتفرغن للدراسة بشكل أكبر، كما أن الفتيات بشكل عام يشعرن برغبة كبيرة في إرضاء ذويهن، وهذا الإرضاء يكون من خلال التفوق الدراسي وتحقيق أفضل النتائج . وتضيف: أطالب من يقول إن مستوى الذكاء لدى الشباب أعلى من الفتيات بأن يراجع معلوماته ويتأكد من مصداقية مصدرها .

إيمان عمر حسين (99% الثامنة على مستوى الدولة) تؤكد عدم تفوق الشباب على الفتيات من حيث مستوى الذكاء، موضحة أن الله خلق الجنسين ولديهما من الذكاء والقدرة على التفوق الكثير، وتقول: يعتمد التفوق على الجهد المبذول، فالذكاء وحده لا يكفي، وعلى الطالب ذكراً كان أم أنثى أن يبذل قصارى جهده حتى يحصل على التفوق، ومن هنا وبما أن الطالبات أكثر حرصاً على الدراسة والتفوق الدراسي كانت سيطرتهن على المراتب الأولى، فهن حريصات على تنظيم وقتهن واستغلاله بالشكل الأمثل . وتشير إيمان إلى أنها كانت تدرس في الأيام العادية بشكل طبيعي، أي ما يعادل أربع ساعات يومياً، وتكثف المراجعة أيام الامتحانات النهائية .

ويرى عبد الله فوزي المؤمني (99،1% السابع على مستوى الدولة) أن سر تفوق الطالبات مكوثهن في البيت وتفرغهن للدراسة على عكس الشباب الذين ينصرفون إلى اللهو، ويقول: أدركت فتيات هذه الأيام أهمية الدراسة، فانصرفن إليها، وساعدهن في ذلك البيئة المحافظة للمجتمع العربي التي تفرض بعض القيود على تحركات الفتاة، بينما انصرف أغلب الطلاب إلى اللعب واللهو، ومتابعة المباريات وأخبار السيارات وغيرها من الأمور التي يجب أن تأتي في مراتب لاحقة لدى الطالب بعد الدراسة . وهذه العوامل أدت إلى بروز الفتيات في مجال التحصيل الدراسي، وتربعهن على عرش التفوق .

ولا يرى أحمد جمال سعد (8 .98% التاسع على مستوى الدولة) في تفوق الطالبات ظاهرة جديدة، بل هو الأمر المعتاد، كما يقول في السنوات الأخيرة . ويضيف: أثبتت الفتيات قدرتهن على التفوق، والحصول على أعلى المراتب، وولى عهد كان يعتقد فيه أن الرجل هو الأذكى .

ولا تتفق معه كثيراً والدته منال محمد سليمان المدرسة في مدرسة الزلاقة الإعدادية وتقول: تفرض العادات والتقاليد في مجتمعنا على الفتاة أن تبقى في المنزل، على عكس البنين الذين في أغلب الأحيان لديهم صلاحيات واسعة في الخروج من المنزل والتنزه وقضاء أوقات طويلة في الأماكن الترفيهية، وهذا ما أدى إلى تفوق الفتيات دراسياً، بالرغم من أن الفتيان أذكى، فابنتي كانت تدرس لساعات طويلة وكانت من المتفوقات، في حين أن ابني لم يكن يدرس بذات القدر وتفوق أيضاً .

ولا يبتعد رأي المهندس أحمد أبوالعز، والد الطالبة المتفوقة لانا كثيراً عن آراء سابقيه إلا أنه يورد تفاصيل أكثر فيقول: هناك أكثر من نقطة فيما يخص موضوع تفوق البنات على البنين، تتمثل الأولى في الطبيعة الفسيولوجية للفتاة وطبيعة حياتها، فهي لا تفكر في اللعب كما يفعل الذكور، وحباها الله سبحانه وتعالى نسبة نضج أعلى من الولد، فالبنت في عمر الثانية عشرة قادرة على أن تصبح أماً، في حين يتأخر نضوج الصبي، إلا أنهما يستويان عندما يعقدان العزم على تحقيق هدف ما، ويبقى الأمر رهناً بالتوفيق والأخذ بالأسباب من خلال التنظيم والاستعانة بالوسائل . ويضيف: النقطة الثانية تكمن في الاستقرار الأسري وقرب الطالب والطالبة من الأهل وهو الأمر الذي نلقاه بشكل أكبر لدى الفتاة الملازمة للمنزل فتكون علاقتها مع أهلها أقوى من علاقة الابن الذي يقضي معظم وقته في الخارج .

الالتزام الكبير الذي تتمتع به الفتيات هو السبب في تفوقهن في رأي عمر حسين والد الطالبة المتفوقة إيمان ويعتبر التنظيم والاستفادة من الوقت من العوامل المهمة في نجاح أي شخص في أي مجال . ويقول: التنظيم مهارة عظيمة تتمتع الفتيات بها بدرجة أعلى، وهي ما أدى إلى التفوق الذي رأيناه لما ظهرت نتائج الثانوية العامة، فالذكاء لدى الجنسين واحد، والنظام المدرسي واحد، والأسر والبيئة المحيطة واحدة، فيبقى الاختلاف في التنظيم والجهد واستغلال الوقت، وهي الأمور التي اتقنتها الفتيات .

ويلفت محمد رضا فرحات، والد الطالبة سارة (5 .99% الرابع على مستوى الدولة) النظر إلى صفة تتمتع بها الفتيات قد يكون لها دور كبير في ما حققهن من نجاح، ويقول: بالإضافة إلى ما نعرفه عن أسباب نجاح الفتيات من ظروف اجتماعية وحرص على الدراسة، أرى أن النضوج الفكري لدى الفتيات يساعدهن كثيراً، إذ نجد أن البنت تعرف ما تريد، ورسمت لنفسها منهجاً تحرص على السير عليه، في حين نجد الشباب كالتائهين يذهبون ويأتون إلى المدرسة من دون أن يكون لديهم ذلك الهدف الواضح الذي يسعون إلى تحقيقه . ويأتي الإصرار كصفة ملازمة للفتاة لتكون عامل دعم لها ودفع، فالفتاة عندما رسمت لنفسها طريقاً تجدها وقد شحنت نفسها للمضي قدماً وامتلأت اصراراً وعزيمة على تنفيذ ما خططت له، وهذا ما وجدته جلياً لدى ابنتي، في حين أن الصبي قد يتوقف عن المذاكرة لمجرد سماعه لصوت مباراة تذاع، أو حديث من صاحبه يطلب منه الخروج لتمضية بعض الوقت في مكان عام .

ولم ينس عمرو عيسى السيد والد الطالبة رغدة (5 .99% الرابع مكرر على مستوى الدولة) دور المدرسة في التقدم الذي أحرزته الفتيات، ويقول: هناك نقطة مهمة تغيب دائماً عن أذهان أولياء الأمور والمهتمين بالشؤون التعليمية وهي دور المدرسة في تفوق الابن أو البنت، ومن تجربتي وجدت أن مدارس البنات الأكثر تحفيزاً لطالباتها، ونجد أن المدرسة تتابع شؤون الطالبة في كل وقت حتى أثناء وجودها في المنزل بطريقة علمية مبتكرة ومن قبل معلمات وموجهات على قدر كبير من الكفاءة، كما أن تعليمات المدرسة تطال أولياء الأمور وتقدم لهم النصح والإرشاد في كيفية تعاملهم مع أولادهم وتأمين المناخ الدراسي المميز، ولا تتوقف متابعة المدرسة للطالبات على الأمور التعليمية فحسب بل تتعداها إلى الشؤون الاجتماعية والنفسية، وهذا الأمر غير موجود في مدارس البنين وإن وجد فسيكون بنسبة أقل .

نقمة أصبحت نعمة

ناصر عيسى مدير ثانوية محمد بن خالد يتفق مع القائلين إن الظروف الاجتماعية التي فرضها الواقع على البنت لعبت دوراً كبيراً في هذا التفوق، وتقول: هذه الظروف عزلت البنت عن مغريات الحياة والأمور العبثية الكثيرة، وجعلتها في منأى عن تأثيراتها السلبية، وحمتها من التشتت الفكري الناتج عنها، في حين نجد أن الشاب يفتح كتابه وعقله في كرة القدم أو السباحة أو الألعاب الإلكترونية، فلا هو حظي بفائدة الدراسة ولا نال متعة التسلية . ويضيف: الظروف الاجتماعية التي قيدت حركة الفتاة والتي رأى فيها البعض نقمة عليها أصبحت نعمة من دون أن تشعر، وهنا لا أضع الأعذار للفتيان، فمن وصل إلى سن الثانوية العامة يجب أن يكون وصل إلى مرحلة تؤهله وتمكنه من معرفة أين تكمن مصلحته، وماذا يريد من هذه الحياة، وتجعله قادراً على مواجهة الملهيات والأمور التي لا فائدة منها ورفضها والتوجه إلى الطريق الذي يفتح له أبواب المستقبل ويؤمن له حياة سعيدة ملؤها النجاح والسعادة .

تفضيل الولد دافع

يرى فوزي مؤمني، وهو خبير إحصائي ووالد الطالب المتفوق عبد الله، أن تفضيل الولد في مجتمعاتنا أحد الأسباب خلف تفوق الإناث ويقول: بالإضافة إلى مساعدة الظروف الاجتماعية للطالبات من خلال إلزامهن بالبقاء في البيت تأتي عقدة المرتبة الثانية لدى الجنس اللطيف، ذلك الجنس الذي يرى تفضيل الشباب عليه في أسر كثيرة، ومن هنا تكونت رغبة كبيرة لدى الفتيات باحتلال المناصب القيادية والحصول على ألقاب كبيرة، وباطلاعهن على العالم من خلال التلفاز والإنترنت وجدن في العلم السبيل الوحيد لدخول سوق العمل وفرض رغباتهن على أولياء أمورهن .

الدرجات لا تعني التميز دائماً

خبيران: أسلوب التعليم أنسب للأنثى

يرى د . علي الكعبي، أستاذ مساعد في أصول التربية، أن أسلوب التعليم في الإمارات يناسب الأنثى أكثر من الذكر، وأن المنهاج وأسلوب القياس والتقويم وضعت بحيث تتلاءم مع القدرات العقلية للفتاة . ويقول إن الاختبارات تقيس مستوى التذكر لدى الطالب في حين أن لديه عدداً من المهارات لا تقاس، فإعداد الاسئلة مرتكز على عملية التذكر وهي طريقة مناسبة للفتاة اكثر، ولهذا نجد تفوق البنات على البنين في امتحانات الثانوية العامة، ولا ينفي الكعبي دور الحياة الاجتماعية في تفوق البنت من خلال جلوسها في المنزل، لكنه يشير إلى ان هذه الحالة تؤكد ما تحدث عنه حول موضوع التذكر موضحاً ان الفتاة تجلس في البيت وتحفظ حتى أمور النقد والتفسير التي أصبحت لها قوالب جاهزة تحفظ وتكتب في الامتحانات . وفي هذا إجحاف لقدرات الشاب الذي يميل الى مهارة التحليل والتركيب التي لا ينظر اليها . وعن ارتفاع المعدلات، يعتقد الكعبي أن وزارة التربية والتعليم استعانت بخبراء واختصاصيين لوضع جدول المواصفات للامتحان ومن ثم قياس مستوى الاختبار ومدى تلاؤمه مع المنهاج وشموليته له، ويضيف: بعد عملية القياس هذه وجدنا ارتفاعاً في المعدلات، الأمر الذي يدل على ارتفاع مستوى الطلاب . ومع ذلك يشك في حقيقة هذا الارتفاع، ويقول: من خلال خبرتي في الجامعة وإجرائي مقابلات مع عدد كبير من الطلاب، وجدت أن عدداً كبيراً من الحاصلين على نسبة 90% وما فوق لا يستحقونها، والواقع أنه حدث تجهيز ممتاز للامتحان فصار الطالب مستعداً له وليس للمحتوى، أي أن الطالب أصبح على معرفة بكيفية اجتياز الاختبار لكن ليس لديه فهم كافٍ بمنهاجه والدروس التي أخذها . ويخشى الدكتور الكعبي من ردة فعل عكسية، فترفع الوزارة مستوى الاسئلة وصعوبتها اعتقاداً منها بارتفاع مستوى الطلاب، الأمر الذي يؤدي إلى تراجع كبير في المعدلات، ويؤكد ضرورة وجود جدول مواصفات للامتحانات للوقوف على حقيقة هذا التفوق، فالفارق، حسب رأيه، شاسع ما بين المستوى العام للطالب وجاهزية الطالب للامتحان . أما فيما يخص التقويم المستمر فيقول: أعتقد أن التقويم المستمر الحالي فكرة رائعة، لكن عملية التطبيق هي المشكلة، فإعطاء المدرسة نسبة من العلامات للطالب أمر يجب النظر فيه اكثر، فأنا لا أجد أي مدرسة تمانع في إعطاء طلابها العلامات الكاملة، وهي في ذلك تطمح لاظهار صورة ممتازة عنها بأنها مدرسة متفوقة، وهذا ما أثر في ارتفاع المعدلات بهذا الشكل العجيب والأمر بحاجة الى مراجعة . وحول العدد الكبير من الطلاب الذين احتلوا المراكز الأولى يؤكد د . الكعبي أن نسب الذكاء في العالم موحدة، فلدى كل الشعوب فئة بسيطة هي الذكية وفئة أكبر منها هي قليلة الذكاء، والفئة العظمى هي المتوسطة الذكاء . ويتابع: ارتفاع عدد المتفوقين الى هذه الدرجة أمر بحاجة إلى دراسة للوقوف على الأسباب ومعرفة إن كان حقاً طفرة نوعية في مستوى الذكاء أم سهولة في الاختبارات أم ماذا؟ . ويذكر الدكتور الكعبي دراسة أجريت في الإمارات لقياس مستوى الطلاب ويقول: أحضروا خمسين طالباً مما تعدت معدلاتهم التسعين في المائة في مادة الكيمياء واختبروهم بنفس المادة بعد أسبوعين من الامتحان النهائي، فأشارت النتائج إلى عدم تجاوز أي طالب نسبة 50% ما يؤكد ان الطلاب جاهزون للورقة الامتحانية، وأي تغير بشكل وطريقة طرحها يؤدي الى نتائج مغايرة .

د . كريمة المزروعي أستاذ مساعد في كلية التربية جامعة - الإمارات، قالت عن موضوع تفوق الطالبات على الطلاب: علمياً تتفوق الطالبات على الطلاب في بعض المواد والعكس صحيح، فالطالبات أفضل في المواد اللغوية الحفظية بينما يبدع الطلاب في المواد العلمية كالرياضيات، وهذا كله متعلق بأجزاء معينة في دماغ الإنسان تختلف باختلاف الجنس، لكن طبيعة المجتمع وتفضيله للشاب، جعل الفتاة ترى في الجامعة فرصتها الحقيقية والضرورية لنيل فرصتها في الحياة، فأقبلت على الدراسة وتفوقت، وقد يتعلق الموضوع بالمرحلة الدراسية فكلما تقدم الشخص في الدراسة ضعف إقباله عليها، وبما أن الفتاة تتمتع بالإصرار أكثر من الشاب استطاعت الاستمرار وكانت نتائجها أفضل، وعن ارتفاع المعدلات ودلالة ذلك تقول: لا يمكننا الحكم على سوية التعليم في الدولة بمجرد حصول عدد من الطلاب على معدل 99،9 في المائة، فلنحصل على المستوى الحقيقي للتعليم يجب اتباع معيار يقيس مستوى الطلاب المتفوقين مع أمثالهم في الدول الأخرى، فقد يكون ارتفاع المعدلات بسبب وجود كثير من التسهيلات، ويجب اتباع بعض المعايير للوقوف على حقيقة هذا التفوق، وهل الطالب الذي حقق معدل 99،5% يوازي من حيث السوية العلمية طالباً حقق هذا المعدل منذ عدة سنوات؟ يجب أن تكون هناك اختبارات أخرى للتأكد من مستوى الطلاب، وهل الامتحانات الدراسية تقيس مهارة أم تقيس حفظاً؟ فنحن لا نستطيع أن نعطي أي رأي حول هذا الارتفاع ما لم يتم التأكد من سوية الطلاب، ولا أعرف هل يجب علينا أن نفرح لهذه المعدلات أم نحزن؟

وعن السوية الحقيقية للطلاب لدى التحاقهم بالجامعة، تؤكد أن الطلاب المتفوقين يجتازون الاختبارات الأولية بنجاح ويكون مستواهم مرتفعاً، لكن على الصعيد الشخصي تجد الطالب لا يمتلك أي مهارة، فهو مصمم للنجاح الأكاديمي . وفيما يخص عدد الطلاب الكبير الذين احتلوا المراكز العشرة الأولى فتحدثنا الدكتورة المزروعي: بشكل عام تغير مستوى الوعي ومستوى التعليم، وهناك أشياء كثيرة اكتسبها الطلاب، فنحن كما قلت سابقاً لا نستطيع أن نسعد بهذا التفوق من دون وجود اختبارات جيدة .