فوق جرف صخري ضخم، وبين غابات الصنوبر والغار، وعلى امتداد البصر تتربع قلعة صلاح الدين الأيوبي قلعة صهيون، كنسر يتطلع نحو الامتداد البعيد، حيث بنيت على سفح جبل داريوس وتبعد عن مدينة اللاذقية 33 كم تقريباً وتقع على طريق مهم بين الداخل والساحل. وترتفع عن سطح البحر حوالي 400م ومؤطرة بواديين عميقي الغور يجري فيهما سيلان يتجمعان سوية تحت قسمها الغربي، وهي في منظرها العام أشبه ما تكون بمثلث متساوي الساقين متطاول الشكل، ترتكز على قاعدة في الجهة الشرقية ويبلغ طولها 470 م، أما مساحتها فتنوف على خمسة هكتارات، والقلعة قديمة لا يمكن تتبع تاريخها ولكن من المؤكد أنها قلعة فينيقية من أوائل الألف الأول قبل الميلاد لا يعرف مؤسسها، وأصبحت تابعة ل أرواد حينما غزاها الاسكندر المقدوني الحقيقي وتداولتها الأيدي حتى أصبحت للبيزنطيين في القرن العاشر، ولكن سيف الدولة الحمداني دخلها بين عامي 945 و949 ثم استرجعها البيزنطيون في عهد امبراطورهم جون زيميتزس، ورممها وحصنها ووضع فيها حامية عسكرية ثم أصبحت تحت حكم الصليبيين حوالي 119م وكانت عائدة إلى أمير إنطاكية روجر، الذي منحها إلى شخصية محلية هو روبرت دي صهيون وكان غنياً بناها من جديد وحصنها وصارت تعرف باسمه. بعد ذلك جاء صلاح الدين الأيوبي وابنه الظاهر الغازي في 27 يوليو/ تموز 1188.
وتتميز القلعة بأبنيتها التي تعود لعدة فترات تاريخية، حيث شيد البيزنطيون أهم تحصيناتهم في القسم الشرقي وتركوا القسم الغربي لمنازل السكن ونجد كنيسة كانت ترتفع وسط الأبنية السكنية، كما كان من الغرب سور للحماية لا تزال بعض بقاياه ماثلة للعيان، وإلى الجنوب والشرق من البرج الكبير بقايا سورين متوازيين، فإذا مضينا أبعد من ذلك باتجاه الشرق وجدنا سور تحصين يصل من واد إلى آخر وهو يعتبر من دون شك الحد الشرقي للحصن البيزنطي وزود بأكثر من بروز مربع ويتناوب كل بروز مع برج صغير مخمس، وقد بنيت جميع هذه الإنشاءات العائدة إلى العهد البيزنطي بأحجار صغيرة غطست بلبن كثيف، وهي بذلك تتمايز عن الإنشاءات الإفرنجية.
أما الفترة الإفرنجية فتتميز بأبراجها وخزاناتها المائية وخاصة البرج الذي بني في الجهة الشرقية وهو من طابقين فوقهما شرفة، وفيه فتحات لرمي السهام وكان للمراقبة ومقراً للملك وله بابان أولهما لصب السوائل المغلية على الأعداء وفي مركز البرج عمود ضخم يسند السقف وبداخله ممر سري يقود إلى الوادي، أما الخزانان الموجودان فأولهما تأتيه الأمطار من قناة جانبية وفي الآخر نبع ماء سعته حوالي 5000 م 3. أما في القسم المنخفض فبنوا أبراجاً وأسواراً أقل ضخامة من التي في القسم المرتفع وذلك بسبب الحاجة السريعة للأمن والحماية وتوجد كنيسة صليبية قرب القلعة، كان قسمها الشرقي كنيسة بيزنطية صغيرة، وقد بدأ العرب يسكنون منذ عام 1188م حيث تم إنشاء الأبنية الإسلامية في ظل منكورس ومن جاء من بعده، ولم يتم أي بناء يعود للفترة الإسلامية في عهد صلاح الدين الأيوبي وولده ظاهر، ثم طالت تلك الأبنية يد الترميم في عهد كل من سنقر ومن ثم في عهد نواب (قلاوون) ومن جاء بعدهم وقد تم بناء الحمامات أيضاً، ووجد في الحمام الشمالي للقلعة كتابات على الجدران تمدح الملك العادل المنصور، أما الجامع الذي بني فكانت له مئذنة يبلغ ارتفاعها 17،50م وهي مربعة الشكل وبداخلها درج حلزوني وبالقرب منه قاعة مقببة للاستراحة، أما البرج المشرف على القسم الغربي للقلعة والذي يطلق عليه اسم برج بنات الملك فيعتبر من الآثار العربية القليلة الباقية في القلعة، ووجد في القلعة قبر نقش على جداره الخارجي اسم الملك (ناصر الدين أحمد بن قلاوون).
أما القصر الوحيد الذي يعود للفترة الإسلامية فقد بني من القرن 12م وأوائل القرن 13م له باحة وأربعة إيوانات ومدخله مزين بالمقرنصات وأرضيته من الرخام، وبقي منه حمام فيه ثلاث أقسام بارد ودافئ وحامي ومدخله هو القسم البارد وفيه بحيرة ماء مثمنة على شكل نجمة ثم الدافئ وسقفه مملوء بالقمرات الزجاجية كذلك على شكل نجمة وفيه قنوات فخارية تزوده بالماء الساخن والبارد وأما القسم الحامي فيتألف من غرفتين للاستحمام وأخرى صغيرة للبخار.
أما المياه فمصدرها من الآبار الموجودة وأكثرها تميزاً البئر المضوي لدخول النور من الفتحات السماوية التي تزين السقف، والبئر المعتم لعدم وجود فتحات في القبة السماوية، وفي الشتاء كان الاعتماد على مصدر الأمطار لغزارتها في المنطقة.
لم يكن الوصول للقلعة ممكناً إلا سيراً على الأقدام من الجهة الشرقية، وخشية أن تسبب هذه الطريق الوحيدة خطراً قرر بناؤوها فصل مبنى القلعة عن الهضبة التي تتصل بها وقاموا بعمل فريد من نوعه من أجل توفير الحماية التامة للقلعة وذلك عن طريق حفر خندق كبير وعميق في الصخر طوله 156م وعرضه 18م وبالطبع فقد تم وقتئذ حفر هذه الكتلة الصخرية الهائلة باليد وأبقيت من هذه الكتلة، وفي وسط الخندق مسلة صخرية نحيفة ليستند الى ذروتها جسر متحرك يصل ما بين الهضبة وباب القلعة عند اللزوم ومتى رفع الجسر عزلت القلعة تماماً عما حولها فهي كانت شريكاً أساسياً في حماية القلعة من الأخطار التي أحدقت بها مراراً.
أما مشروع الترميم الحالي والذي يدخل عامه العاشر هذا العام فتحدث حوله عبدالله زكريا مدير موقع القلعة والمشرف على مشروع الترميم قائلاً: إن أعمال الترميم لا تزال مستمرة منذ فترة طويلة وبشكل جدّي تقريباً حوالي عشر سنوات وأعمل هنا من خلال التخطيط ودراسة المشاريع ثم المشاركة والإشراف ويتم التعاقد مع المتعهدين لإنجاز الأعمال المطلوبة من خلال نقل المواد وفك الجدران وبنائها بالشكل العلمي والدقيق وتنظيفها من الأعشاب والشجيرات التي تظهر فيها وتفتتها مع مرور الوقت، ونهتم بالسياح ونفرد بنوداً خاصة للاهتمام بزوار القلعة من فتح طرقات أساسية وفرعية وتخطيط للرحلات ضمن القلعة بسبب امتدادها الكبير.
رحاب حسن رئيسة قسم الترميم في دائرة الآثار في محافظة اللاذقية تتحدث عن مشروع الترميم في القلعة والتقنيات المستخدمة فيه بقولها: إن الترميم هدفه الحفاظ على القلعة من الانهيارات التي تصيبها نتيجة عوامل الطبيعة ونتيجة أذى الإنسان نفسه ومعظم الأعمال تتمحور حول إعادة الكحلة القديمة لوضعها الطبيعي ومن النوعية نفسها من المواد كالنحاتة والتراب والكلس بنسب معينة من خلال التجارب على الكحلة القديمة والمحافظة على الشكل واللون من دون المساس بأي شكل يسيء للقلعة، وأحياناً للحفاظ على الشكل الموجود نقوم بالبناء بنوعية الأحجار القديمة نفسها، حيث نستمدها من أحجار المنطقة وبالأبعاد ذاتها.
وحول سؤالنا عما يتم إظهاره في الموقع من مبانٍ جديدة تقول: بترحيل الردميات يتم اكتشاف آثار جديدة تعود لحقبات مختلفة في القلعة ونحافظ على هذه المباني من خلال تجديدها وتنظيفها مما علق بها على مرور الزمن والأسوار الخارجية التي تظهر في كل موسم وذلك ببناء الأسوار بشكلها الحقيقي وبإضافة قباب قليلة الارتفاع في أعلى السور، منعاً لتسرب المياه إلى داخل الجدار وتفتيته مع الزمن باستثناء بعض الأماكن التي يتم ترميمها سريعاً وبشكل طارئ خشية الانهيار. من النادر أن ترى قلعة يختلط فيها البيزنطي بالعربي بالإفرنجي ليؤلف شخصية فريدة متناغمة كقلعة صلاح الدين قلعة صهيون والتي على ثراها ولدت وتفاعلت أعظم المدنيات وأبدع الإنسان المنجزات التي لا تزال البشرية حتى هذه اللحظات تقف عاجزة عن التعبير عما يجول في نفسها من أحاسيس الروعة والعظمة، فقد تلاقى الشرق والغرب على أرضها، وكذلك الثقافات والأديان فبنوا الكنائس وقربها المساجد لينسجوا لوحة فسيفسائية قل نظيرها في القلاع المبعثرة في أرجاء المعمورة.