رأس الخيمة -عدنان عكاشة:
قلعة ضاية في مدينة الرمس برأس الخيمة هي واحدة من أهم الآثار التاريخية والمعالم التراثية والحضارية في الإمارة والدولة عموماً .
ترسم القلعة، مع الهضبة الجبلية المخروطية الشكل، التي تقوم عليها، ومشاهد بساتين النخيل من حولها، منظراً خلاباً يسحر الألباب، وهو ما تتضاعف قيمته في فصل الشتاء، حين تعانق السحب قمم الجبال الشاهقة .
ووفقاً لمصادر ومراجع تاريخية، فقد استخدم سكان منطقة الرمس والمناطق المحيطة بها، نحو 12 كيلومتراً شمالي مدينة رأس الخيمة، منطقة ضاية القريبة كمستوطنة منذ عصور ما قبل التاريخ، واستخدمت القلعة، التي تقع على هضبة جبلية كموقع دفاعي، باعتبارها قلعة حصينة في وجه الغزاة والطامعين .
وتشكل قلعة ضاية اليوم الحصن الوحيد، الذي لايزال قائماً على قمة هضبة في دولة الإمارات، في حين أنها لم تكن تستخدم للسكن سوى في الحروب، وذلك من قبل المجاهدين ضد الغزاة والمحتلين، كون القلعة صغيرة ولا تستوعب أعداداً كبيرة .

رأس الخيمة تتصدى للغزاة

بحسب المصادر التاريخية، كانت قلعة ضاية في مدينة الرمس برأس الخيمة آخر معاقل "القواسم"، الأسرة الحاكمة في الإمارة، وأهالي رأس الخيمة، في معركتهم ضد البريطانيين الغزاة، حيث سطرت دماء شهدائها صفحات مشرقة من تاريخ المقاومة الإماراتية في وجه الغزاة القادمين من الخارج، وبسقوطها أحكم الإنجليز سيطرتهم على المنطقة .
وسردت كتب تاريخية وقائع المعارك، التي دارت بين الطرفين في القلعة ومحيطها بالتفصيل، سواء من حيث عدد المجاهدين وعدد الغزاة وعدد الشهداء من أهالي رأس الخيمة والقتلى من الأعداء، وروت حيثيات الحرب بدقة، فيما حفل تاريخ الصراع بين الجانبين ببطولات وملاحم سكان المنطقة، حتى إن بعض الأقلام الغربية شهدت بنزاهة على أن أهل المنطقة ضحوا بأرواحهم في سبيل تحرير أرضهم .
اشتدت الحملات البريطانية على رأس الخيمة والمنطقة مع بداية معارك 1809-،1810 التي أدت إلى تدمير رأس الخيمة وأسطول بحري كبير للقواسم، ومعارك العام ،1819 التي أعادت سيناريو ،1809 من تدمير رأس الخيمة وأسطول القواسم في المنطقة .
استمرت المعارك بين أهل رأس الخيمة والبريطانيين أياماً من دون توقف، اعتباراً من الثاني من ديسمبر ،1819 وكانت القوة القاسمية، وفقاً للتقديرات تضم 4000 -7000 مقاتل، من أهالي المنطقة، بينما تتكون القوات البريطانية من كتائب متعددة، تضم كل واحدة منها 1500 جندي، مع أساطيل ومدمرات بحرية، مستعينين بدول أخرى، كالهند وسواها، لم تشارك في المعركة، بل في الإمداد والمساعدة فقط .
وتمكنت القوات البريطانية من دخول رأس الخيمة، بعد دك حصونها، وأسفرت المعارك بين الطرفين عن مقتل وجرح ما لا يقل عن ألف من أهالي رأس الخيمة، فيما صودرت مدافعها ودمر الأسطول القاسمي، وحجز ما تبقى منه .

معركة ضاية

بعد سقوط رأس الخيمة، صوبت القوات البريطانية الغازية أنظارها نحو هدفها الثاني، وهو منطقة الرمس، حيث تقع قلعة ضاية، حيث تجمع الناس بهدف مقاومة الغزاة، وسط أهازيج شعبية مازالت عالقة في أذهان أهالي المنطقة، وفقاً للموروث الشعبي والتاريخي .
في الثامن عشر من ديسمبر ،1819 تحركت 3 مدمرات، هي "كيرلو" و"أوارو" و"نوتيلوس"، وتبعتها سفن النقل، وهي تنقل قوة المشاة وبعض سرايا الإسناد ومدافع الميدان . وبعد أن أشرفت القوة على الرمس، لاحظت أن أهلها قد أخلوها تقريباً، وأن المدافعين عنها اتخذوا حصن ضاية موقعاً دفاعياً، وأن القوة القاسمية المدافعة تقدر بنحو 400 مقاتل، فيما وضعت بعض الوحدات الدفاعية في البساتين للمراقبة .
وفي صباح اليوم التالي، وبعد رحلة شاقة للقوات البريطانية عبر المستنقعات الموحلة، ذات الأشجار الكثيفة (أشجار القرم)، وصلت القوات الغازية إلى مواقع قريبة من القلعة، وفتحت مدفعية السفن الإنجليزية الرابضة على الساحل نيرانها على جدران القلعة وأبراجها، بينما باشرت تلك القوات بالنزول إلى الساحل، حيث اشتبكت في قتال مع القوات القاسمية، لتنسحب الأخيرة في اتجاه القلعة، واستمر القتال بالمدفعية بين القوات الإنجليزية ومدفعية أهالي الرمس ورأس الخيمة، الرابضة في القلعة، طوال ذلك اليوم واليوم التالي له .
وفي الحادي والعشرين من ديسمبر ،1819 أسندت كتيبة المشاة البريطانية 47 هجوم الكتيبة ،65 وأنزل مدفعان عيار 24 رطلاً من سفينة القيادة "ليفربول"، ووضعا أمام القلعة، وفي الثامنة والنصف من صباح الثاني والعشرين من ديسمبر، وبعد قصف عنيف من مدفعية عيار 24 رطلاً، استمر ساعتين، انهار جزء من جدار القلعة، وحدثت ثغرة فيه، ليقتحم الجنود الغزاة القلعة من تلك الثغرة .

إطلالة متميزة

يتناول كتاب (ساحل القراصنة)، لمؤلفه السير تشارلز بلجريف، معركة قلعة ضاية، وتاريخ الخليج العربي والاستعمار فيه، ويورد أهم الأحداث والحروب، التي تعرضت لها سواحله ومدنه والعمليات العسكرية البحرية، لكنه يركز على فترة القرن التاسع عشر، استناداً إلى يوميات كتبها ضابط بحري بريطاني شهد الوقائع العسكرية، التي دارت في المنطقة .
الضابط يدعى "فرانسيس . أي . لوش"، حسب المعلومات، التي استقيت من الكتاب، ودوّن الضابط يومياته بين 1818 إلى ،1820 أي خلال معركة البريطانيين مع أبناء رأس الخيمة، وتعد هذه المذكرات المصدر الرئيسي للكتاب .
وتحدث المؤلف بشكل مطول عن معركة رأس الخيمة مع الإنجليز، ضمن الفصل الثاني عشر من كتابه، الذي ترجمته دار الخيال إلى العربية، وطبعت الطبعة الأولى منه العام 2006 .
وتناول الباحث ناصر حسين العبودي، في كتابه (صفحات من آثار وتراث دولة الإمارات العربية المتحدة)، قلعة ضاية ببعض التفصيل، لاسيما من الناحية المعمارية .
وتتمتع القلعة بإطلالة متميزة على سهول خصبة، في منطقة تحيط بها بساتين النخيل من مختلف الأرجاء، وتشير المراجع التاريخية إلى أن الإنسان استقر في منطقة ضاية منذ الألفية الثالثة قبل الميلاد على أقل تقدير .