هاني جبر
لم يكن اختيار الشاعر العربي الكبير أبو الطيب المتنبي محوراً رئيسياً لمعرض أبوظبي الدولي للكتاب في دورته ال24 التي تنطلق في الفترة من 30 إبريل إلى 5 مايو المقبلين ،من قبل هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة كتقليد جديد يطبق للمرة الأولى في هذه الدورة الاستثنائية، إلا دليلاً واضحاً على مدى الاهتمام الذي توليه الهيئة في تعزيز مفهوم الثقافة العربية الأصيلة، وإيماناً راسخاً منها في القيمة الأدبية والتاريخية الهائلة التي تجسدت في شخصية المتنبي الشاعر الحكيم والإنسان الثائر الذي تمثلت فيه آيات البلاغة، وقدرته المثيرة على التوفيق بين الفلسفة الأدبية الخالصة وتطويع اللغة ومفرداتها ضمن حالة فريدة من نوعها .
وهو القائل:
أَعَزُّ مَكانٍ في الدُنى سَرجُ سابِحٍ . . وَخَيرُ جَليسٍ في الزَمانِ كِتاب
لا شك في أن المتنبي كان حالة استثنائية في عصره، خاصة أنه عاصر واحدة من أهم المراحل التاريخية للمنطقة العربية ككل، فقد شهدت فترة نشأة الشاعر وتطور تجربته الشعرية ضعف الدولة العباسية وما تخلل ذلك من انقسامات شهدتها الأمة في ذاك الزمان، ونشوء الدويلات المترامية على أطراف الدولة الأم والتي ظهرت كمؤشر صريح على مدى تآكل الدولة العباسية، وانهماكها في حل النزاعات الداخلية، وصراع الوزراء فيما بينهم للحفاظ على ما حققوه من مكتسبات شخصية مادية ومعنوية ما دفع بالمتنبي بالبحث عن ضالته والتي كانت تتمثل بالسلطة أو الإمارة والثراء، ورغبته الداخلية في تحقيق المجد المنشود والمكانة المرموقة في مجتمعه وبيئته، وسط كل هذا الهرج وحالة اللاوعي التي جرفت معظم المناطق المحيطة لبغداد عاصمة الدنيا في حينه، إلى انقسامات وصراعات للاستيلاء على الإرث الغني الذي أهمل وذاب في خضم تناثر الدولة العباسية وانكسارها .
لم يكن المتنبي وسط كل هذه الأحداث إلا ركناً أساسياً في موقعه، ودليلاً يقينياً على مفاصل تاريخية جسام، فنراه في بلاط سيف الدولة الحمداني في إمارة حلب التي كان لها النصيب العظيم من إبداع المتنبي، ونتاجه الأدبي واستقراره الذي انعكس على نضوجه الفكري والفلسفي، إضافة إلى بروز صفات الفروسية والشجاعة، وذلك حينما كان يشارك سيف الدولة في معاركه ضد الروم، ما أضفى على شاعريته وافر الخبرة واتساع الرؤية التي جعلته واحداً من أعظم الشعراء العرب، وأكثرهم حنكة وبلاغة في علوم اللغة وقواعدها .
بلاغة المتنبي المطلقة وذكاؤه المطرد وشعره الخالد اجتمعت كلها في وجدانيته وحكمته لتكون واحدة من أهم الأسباب التي أوحت إلى الكثير من الشعراء والأدباء الذين توالوا بعده عبر العصور والذين استلهموا من حياته وسيرته المثيرة والفذة إبداعاتهم ورغبتهم في مقاربة التفوق، والكمال الذي حققه المتنبي وهو الذي تغنى مادحاً نفسه ليقول:
لا بقَوْمي شَرُفْتُ بل شَرُفُوا بي
وَبنَفْسِي فَخَرْتُ لا بجُدودِي
وبهمْ فَخْرُ كلّ مَنْ نَطَقَ الضّا
دَ وَعَوْذُ الجاني وَغَوْثُ الطّريدِ
إنْ أكُنْ مُعجَباً فعُجبُ عَجيبٍ
لمْ يَجدْ فَوقَ نَفْسِهِ من مَزيدِ
أنَا تِرْبُ النّدَى وَرَبُّ القَوَافي
وَسِمَامُ العِدَى وغَيظُ الحَسودِ
أنَا في أُمّةٍ تَدارَكَهَا اللّ
هُ غَريبٌ كصَالِحٍ في ثَمودِ
ويقول أيضا :
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي . . وأسمعت كلماتي من به صمم
أنام ملء جفوني عن شواردها . . ويسهر الخلق جراها ويختصم
لم يبخل المتنبي أبداً في إظهار مدى شعوره واعتزازه بعروبته وانتمائه من جهة، وتفاخره بنفسه ومآثره وبطولاته من جهة أخرى رغم كل الانكسارات والهزائم التي لحقت به والمحيط الجغرافي الذي كان يتنقل فيه هارباً تارة، وتارة أخرى آملاً في المجد والعزة والكرامة التي كان ينزاعه عليها الحجاب والوزراء المقربون من الأمراء، ليؤرخ لنا حقبة زمنية مهمة في قصائد المدح والهجاء واستذكار المكان والمناسبة ليؤكد حضوره الطاغي، وشخصيته القوية في مفارقة غريبة أظهرت روح المتنبي في تجليه وارتقائه وغزارة إحساسه الذي طغى على مسيرته الشعرية دون التكلف والتصنع، بطرائق وصور مبتكرة تنم عن تقدمه وسبقه لشعراء عصره، الأمر الذي أثبت لدارسيه والمطلعين على أعماله مدى تفوقه ومقدرته على معاصرة التطور في اللغة والشعر والبلاغة حتى بعد غيابه لقرون طويلة، يقول المتنبي:
مَغَاني الشِّعْبِ طِيباً في المَغَاني
بمَنْزِلَةِ الرّبيعِ منَ الزّمَانِ
وَلَكِنّ الفَتى العَرَبيّ فِيهَا
غَرِيبُ الوَجْهِ وَاليَدِ وَاللّسَانِ
كل هذا الإرث الأدبي الكبير، وطغيان شخصية المتنبي في خلجات الذاكرة العربية ورغم كل التساؤلات التي أثيرت حوله واندفاعه وشعره الذي قاده إلى حتفه، دفعت العديد من الشعراء والأدباء المعاصرين باختلاف منهجيتهم ومدارسهم الشعرية إلى اختيار شخصية أبي الطيب المتنبي أنموذجاً يحتذى به، وحالة فرضت نفسها على واقع الأدب المعاصر ليظهر في العديد من الأعمال الإبداعية لكبار شعراء وأدباء العصر الحديث، كالبردوني، وطه حسين، ودرويش، ودنقل، ونزار قباني، والبياتي، وأدونيس، والكثير الكثير من المثقفين الذين نهلوا من بصيرة المتنبي وحكمته .
يقول شاعرنا في إحدى قصائده:
فما حاولت في أرض مقاما . . ولا أزمعت عن أرض زوالا
على قلق كأن الريح تحتي . . أوجهها جنوباً أو شمالاً
إن استحضار المتنبي حالةً وروحا سيطرت على هواجس الكثير من المريدين عليه بنهم المبدع ورغبة الانفلات من النمطية والوقوع في ضعيف المعنى، أرغمت الأديب المعاصر على استحداث اللغة وتطوير البنية الأساسية للنص أو القصيدة لمحاولة المرور والمناورة على أقطاب الدهشة وعامل المفاجأة والحداثة السابقة عصرها في إعجاز المتنبي اللغوي وتراكيب المفردة البعيدة عن الركاكة والوهن في التفاصيل والمجمل .
كل هذه التراكمات على مدى الأعوام التي قضاها المتنبي في رحلته المثيرة للجدل والمخيلة العربية في العراق والبادية والصحراء، وفي بلاد فارس ومصر، وما حملته من انتصارات وهزائم، أثارت قريحة وحيِه الشعري وأطلقت روح لسانه، لتجعل منه مادة غنية ودسمة مملوءة بواقع الزمن والمكان ومؤشراً على مصداقية الحدث والسيرة ما أعطت المجال للشعراء والكتّاب المعاصرين في استدعائه تاريخياً وإسقاطه على ما عاصروه من أيام تقاربت في المعنى والدلالة، وإن تغيرت الوجوه والأشخاص، ليبقى المتنبي بحق مالئ الدنيا وشاغل الناس .
لم يكن اختيار الشاعر العربي الكبير أبو الطيب المتنبي محوراً رئيسياً لمعرض أبوظبي الدولي للكتاب في دورته ال24 التي تنطلق في الفترة من 30 إبريل إلى 5 مايو المقبلين ،من قبل هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة كتقليد جديد يطبق للمرة الأولى في هذه الدورة الاستثنائية، إلا دليلاً واضحاً على مدى الاهتمام الذي توليه الهيئة في تعزيز مفهوم الثقافة العربية الأصيلة، وإيماناً راسخاً منها في القيمة الأدبية والتاريخية الهائلة التي تجسدت في شخصية المتنبي الشاعر الحكيم والإنسان الثائر الذي تمثلت فيه آيات البلاغة، وقدرته المثيرة على التوفيق بين الفلسفة الأدبية الخالصة وتطويع اللغة ومفرداتها ضمن حالة فريدة من نوعها .
وهو القائل:
أَعَزُّ مَكانٍ في الدُنى سَرجُ سابِحٍ . . وَخَيرُ جَليسٍ في الزَمانِ كِتاب
لا شك في أن المتنبي كان حالة استثنائية في عصره، خاصة أنه عاصر واحدة من أهم المراحل التاريخية للمنطقة العربية ككل، فقد شهدت فترة نشأة الشاعر وتطور تجربته الشعرية ضعف الدولة العباسية وما تخلل ذلك من انقسامات شهدتها الأمة في ذاك الزمان، ونشوء الدويلات المترامية على أطراف الدولة الأم والتي ظهرت كمؤشر صريح على مدى تآكل الدولة العباسية، وانهماكها في حل النزاعات الداخلية، وصراع الوزراء فيما بينهم للحفاظ على ما حققوه من مكتسبات شخصية مادية ومعنوية ما دفع بالمتنبي بالبحث عن ضالته والتي كانت تتمثل بالسلطة أو الإمارة والثراء، ورغبته الداخلية في تحقيق المجد المنشود والمكانة المرموقة في مجتمعه وبيئته، وسط كل هذا الهرج وحالة اللاوعي التي جرفت معظم المناطق المحيطة لبغداد عاصمة الدنيا في حينه، إلى انقسامات وصراعات للاستيلاء على الإرث الغني الذي أهمل وذاب في خضم تناثر الدولة العباسية وانكسارها .
لم يكن المتنبي وسط كل هذه الأحداث إلا ركناً أساسياً في موقعه، ودليلاً يقينياً على مفاصل تاريخية جسام، فنراه في بلاط سيف الدولة الحمداني في إمارة حلب التي كان لها النصيب العظيم من إبداع المتنبي، ونتاجه الأدبي واستقراره الذي انعكس على نضوجه الفكري والفلسفي، إضافة إلى بروز صفات الفروسية والشجاعة، وذلك حينما كان يشارك سيف الدولة في معاركه ضد الروم، ما أضفى على شاعريته وافر الخبرة واتساع الرؤية التي جعلته واحداً من أعظم الشعراء العرب، وأكثرهم حنكة وبلاغة في علوم اللغة وقواعدها .
بلاغة المتنبي المطلقة وذكاؤه المطرد وشعره الخالد اجتمعت كلها في وجدانيته وحكمته لتكون واحدة من أهم الأسباب التي أوحت إلى الكثير من الشعراء والأدباء الذين توالوا بعده عبر العصور والذين استلهموا من حياته وسيرته المثيرة والفذة إبداعاتهم ورغبتهم في مقاربة التفوق، والكمال الذي حققه المتنبي وهو الذي تغنى مادحاً نفسه ليقول:
لا بقَوْمي شَرُفْتُ بل شَرُفُوا بي
وَبنَفْسِي فَخَرْتُ لا بجُدودِي
وبهمْ فَخْرُ كلّ مَنْ نَطَقَ الضّا
دَ وَعَوْذُ الجاني وَغَوْثُ الطّريدِ
إنْ أكُنْ مُعجَباً فعُجبُ عَجيبٍ
لمْ يَجدْ فَوقَ نَفْسِهِ من مَزيدِ
أنَا تِرْبُ النّدَى وَرَبُّ القَوَافي
وَسِمَامُ العِدَى وغَيظُ الحَسودِ
أنَا في أُمّةٍ تَدارَكَهَا اللّ
هُ غَريبٌ كصَالِحٍ في ثَمودِ
ويقول أيضا :
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي . . وأسمعت كلماتي من به صمم
أنام ملء جفوني عن شواردها . . ويسهر الخلق جراها ويختصم
لم يبخل المتنبي أبداً في إظهار مدى شعوره واعتزازه بعروبته وانتمائه من جهة، وتفاخره بنفسه ومآثره وبطولاته من جهة أخرى رغم كل الانكسارات والهزائم التي لحقت به والمحيط الجغرافي الذي كان يتنقل فيه هارباً تارة، وتارة أخرى آملاً في المجد والعزة والكرامة التي كان ينزاعه عليها الحجاب والوزراء المقربون من الأمراء، ليؤرخ لنا حقبة زمنية مهمة في قصائد المدح والهجاء واستذكار المكان والمناسبة ليؤكد حضوره الطاغي، وشخصيته القوية في مفارقة غريبة أظهرت روح المتنبي في تجليه وارتقائه وغزارة إحساسه الذي طغى على مسيرته الشعرية دون التكلف والتصنع، بطرائق وصور مبتكرة تنم عن تقدمه وسبقه لشعراء عصره، الأمر الذي أثبت لدارسيه والمطلعين على أعماله مدى تفوقه ومقدرته على معاصرة التطور في اللغة والشعر والبلاغة حتى بعد غيابه لقرون طويلة، يقول المتنبي:
مَغَاني الشِّعْبِ طِيباً في المَغَاني
بمَنْزِلَةِ الرّبيعِ منَ الزّمَانِ
وَلَكِنّ الفَتى العَرَبيّ فِيهَا
غَرِيبُ الوَجْهِ وَاليَدِ وَاللّسَانِ
كل هذا الإرث الأدبي الكبير، وطغيان شخصية المتنبي في خلجات الذاكرة العربية ورغم كل التساؤلات التي أثيرت حوله واندفاعه وشعره الذي قاده إلى حتفه، دفعت العديد من الشعراء والأدباء المعاصرين باختلاف منهجيتهم ومدارسهم الشعرية إلى اختيار شخصية أبي الطيب المتنبي أنموذجاً يحتذى به، وحالة فرضت نفسها على واقع الأدب المعاصر ليظهر في العديد من الأعمال الإبداعية لكبار شعراء وأدباء العصر الحديث، كالبردوني، وطه حسين، ودرويش، ودنقل، ونزار قباني، والبياتي، وأدونيس، والكثير الكثير من المثقفين الذين نهلوا من بصيرة المتنبي وحكمته .
يقول شاعرنا في إحدى قصائده:
فما حاولت في أرض مقاما . . ولا أزمعت عن أرض زوالا
على قلق كأن الريح تحتي . . أوجهها جنوباً أو شمالاً
إن استحضار المتنبي حالةً وروحا سيطرت على هواجس الكثير من المريدين عليه بنهم المبدع ورغبة الانفلات من النمطية والوقوع في ضعيف المعنى، أرغمت الأديب المعاصر على استحداث اللغة وتطوير البنية الأساسية للنص أو القصيدة لمحاولة المرور والمناورة على أقطاب الدهشة وعامل المفاجأة والحداثة السابقة عصرها في إعجاز المتنبي اللغوي وتراكيب المفردة البعيدة عن الركاكة والوهن في التفاصيل والمجمل .
كل هذه التراكمات على مدى الأعوام التي قضاها المتنبي في رحلته المثيرة للجدل والمخيلة العربية في العراق والبادية والصحراء، وفي بلاد فارس ومصر، وما حملته من انتصارات وهزائم، أثارت قريحة وحيِه الشعري وأطلقت روح لسانه، لتجعل منه مادة غنية ودسمة مملوءة بواقع الزمن والمكان ومؤشراً على مصداقية الحدث والسيرة ما أعطت المجال للشعراء والكتّاب المعاصرين في استدعائه تاريخياً وإسقاطه على ما عاصروه من أيام تقاربت في المعنى والدلالة، وإن تغيرت الوجوه والأشخاص، ليبقى المتنبي بحق مالئ الدنيا وشاغل الناس .