من القيم الرفيعة التي تحلى بها رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه وربى المسلمين عليها قيمة القصد في الحديث .

هذه القيمة النبيلة تظهر رقي الإنسان وتحضره، وتبرز ملامح شخصيته الهادئة المتزنة، وتكشف عن حسن أخلاقياته، وخصائص شخصيته، وترسم صورة طيبة في علاقته بالآخرين، وتجعله قدوة طيبة للآخرين، ومثلا يحتذى من كل المحيطين به .

العالم الأزهري د .إسماعيل الدفتار أستاذ السنة النبوية، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر يؤكد أن من أبرز صور الذوق العام التي ربانا عليها رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: القصد في الحديث، وعفة اللسان، واحترام آراء المخالفين، والاستماع إليهم والاختلاف معهم بأدب، فالمسلم الحق هو الذي يتحكم في لسانه ويضبط ألفاظه، ولا يسيء إلى الآخرين بألفاظ جارحة، أما الأحمق فهو صاحب اللسان المنفلت، وهو مربوط بحبل الشيطان يجره كيفما شاء، ومتى شاء، يقول صلى الله عليه وسلم: لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه .

من هنا فالمسلم مطالب بأن يعود لسانه على الألفاظ الجميلة، والتعبير الحسن، والكلمة الرقيقة، لأن الكلمة الطيبة تأسر القلوب، وهي أسرع بريد للمودة والتعاون والتآلف، فكم من حروب وفتن ومصائب حدثت بسبب كلمة منفلتة ألقاها صاحبها من دون أن يلقي لها بالاً، ولذلك حذرنا الإسلام من الكلمات المنفلتة غير المسؤولة التي تجلب لصاحبها وللآخرين كثيراً من المصائب، وأمرنا الحق سبحانه وتعالى بأن نقول للناس كل ما هو حسن وجميل .

والقصد في الحديث كما يقول علماء السلوك والأخلاق الإسلامية سمة الشخصية المعتدلة التي يتخلق صاحبها بالخلق الإسلامي النبيل فيبدو رزيناً في مجلسه هادئاً في مشاعره، يكسوه الوقار، وتعلوه الهيبة، فلا ينطق لسانه بالقول في أي مجال، ولا يقحم نفسه في أحاديث الناس، فإن الكلام عند كثير من الناس شهوة من الشهوات إذا استبدت بالإنسان أوردته موارد الهلاك، ولذلك فإن من صور الذوق العام التي جاء بها الإسلام وربى أتباعه عليها: القصد في الكلام ومحاسبة الإنسان على ما ينطق به، يقول الحق سبحانه وتعالى: وما ينطق من قول إلا لديه رقيب عتيد، وقال سبحانه: لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجراً عظيماً .

متى تصمت؟

واستقامة شخصية المسلم كما يؤكد عالم السنة النبوية الأزهري د .أحمد عمر هاشم تنبع من إيمان صاحبها، وإخلاص قلبه، واستقامة لسانه، والقصد في الكلام من أهم ما يستقيم به اللسان، فلا يتكلم الإنسان إلا بعد تفكير وروية، فالإنسان الذي يوطن نفسه على القصد في الكلام، يقل خطؤه ويحسن قوله، ويتسم بالروية وعدم الاندفاع في الكلام، فهو إما أن يقول الخير، وإما أن يؤثر السكوت، ويلوذ بالصمت، وفي هذا ما يجعله مرموق الشخصية، محبوب الحديث لا يتبرم الناس بمجلسه، ولا يستثقلون رأيه، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: رحم الله امرأ قال خيراً فغنم، أو سكت فسلم .

وقد رفع الرسول صلى الله عليه وسلم من قيمة الأدب في الحديث والقصد في الكلام حين جعل ذلك آية على الإيمان بالله واليوم الآخر، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليسكت، وروي أن رجلا تكلم في حضور النبي فأكثر، فقال له: كم دون لسانك من حجاب؟ قال شفتاي وأسناني قال: أفما لك ما يرد كلامك، وفي رواية أنه قال ذلك لرجل أثنى عليه فاستهتر في الكلام، ثم قال: ما أوتي رجل شراً من فضل في لسانه بمعنى الزيادة في الثرثرة .

وقد حذرنا الإسلام من الإسراف في الكلام وكثرة المدح للإنسان بما ليس فيه أو المدح على سبيل القطع فقد أثنى رجل على رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: ويلك قطعت عنق صاحبك، قطعت عنق صاحبك، ثم قال: من كان منكم مادحاً أخاه لا محالة فليقل أحسب فلانا والله حسيبه ولا أزكي على الله أحدا، أحسبه كذا وكذا إن كان يعلم ذلك منه .

ومن القصد في الكلام الذي علمنا إسلامنا إياه الإعراض عن اللغو والترفع عن الاسترسال فيه مع الغير، قال سبحانه: وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين

أدب الحوار

ومن صور الرقي والتحضر التي ربانا عليها رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام التحاور مع الآخرين بأدب، وعدم التحقير من آرائهم مهما كانت بساطتها أو عدم جديتها، وقد أرسى الإسلام آدابا وأخلاقيات لتنظيم الحوارات والمناقشات بين الناس لخصها العلماء في النقاط التالية:

- أن يكون الحوار قائماً على الصدق وتحري الحقيقة، بعيداً عن الكذب والسفسطة والأوهام .

- التزام الموضوعية، وعدم الخروج عن الموضوع الذي هو محل النزاع أو الخلاف، وعدم خلط الأوراق .

- تقديم الدليل الناصع، والبرهان الساطع على ما نقدمه من أفكار أو آراء أو بيانات أو معلومات .

- أن يبذل كل طرف من أطراف الخلاف جهده لإظهار الحق والصواب في الموضوع الذي هو موضع الاختلاف .

- التواضع وتجنب الغرور، والتزام الأسلوب المهذب الخالي من كل ما لا يليق .

- إفساح المجال أمام المناقش أو المعارض لكي يعبّر عن وجهة نظره من دون مصادره لقوله أو إساءة إلى شخصه وفي الوقت نفسه إعطاء الحرية للجانب الآخر، لكي يرد على المخالف له، بأسلوب مهذب، وبمنطق سليم .

خفض الصوت

الداعية والمفكر د .زغلول النجار، رئيس لجنة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في مصر، يؤكد أن خفض الصوت، خلق نبوي رفيع، فقد كان رسول الله ترجمانا للقرآن، وكان يتأدب بأدبه ويتخلق بأخلاقه، والقرآن الذي بعث الله به رسوله الكريم يتضمن آية قمة في الرقي السلوكي عند الكلام، وهي تحمل جزءا من نصائح لقمان المخلصة لابنه، عندما قال له: واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير، أي: توسط في مشيك بين الإسراع والبطء حتى لا يكون في ذلك شيء من الاستعلاء والكبر، فخطى الإنسان على الأرض محصية عليه . . واغضض من صوتك أي: خفضه إلى مستوى الحاجة حتى لا يكون في ذلك شيء من الرعونة وسوء الأدب، والإساءة إلى مسامع الآخرين .

وقوله سبحانه: إن أنكر الأصوات لصوت الحمير، أي: إن أقبح الأصوات لهو صوت نهيق الحمير لما فيه من العلو المفرط عند ممارسة عملية التنفس من الشهيق والزفير، وذلك من الفزع الذي ينتاب تلك الحيوانات عند رؤيتها الشياطين .

عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله فإنها رأت ملكاً، وإذا سمعتم نهيق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان الرجيم فإنها رأت شيطاناً .

وقد ثبت بالقياس أن لنهيق الحمار شدة تقدر بما يتجاوز المائة ديسيبل، وأن كثرة تعرض الإنسان للصوت الشديد قد تصيب أذنيه بالصمم، وتصيب صاحبه بالعديد من الأمراض العصبية والبدنية .

خصلتان سيئتان

وهكذا يدعونا القرآن كما يقول د .النجار وهو منهاج حياة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى القصد في المشي، والغض من الصوت، والتذكير بأن أنكر الأصوات هي تلك الأصوات الفائقة الشدة، المرتفعة النبرة، والتي تؤذي السامعين، وتسيء إليهم إساءات مادية ومعنوية، لما تحمله من صور التكبر على الخلق، والاستعلاء في الأرض، وهما خصلتان سيئتان، لا يحبهما الله سبحانه وتعالى ولا يحبهما رسوله صلى الله عليه وسلم ولذلك أمر القرآن الكريم بخفض الصوت، كما جاء النهى النبوي القاطع عن المبالغة في المشي بالإسراع أو البطء تكبراً واختيالاً على الخلق أو استعلاء وإهمالا لهم، كما نهي عن رفع الصوت فوق الحد لأن الوقوع في أي من هذين السلوكين الخاطئين يؤذي الإنسان، كما يؤذي جميع ما حوله من المخلوقات التي تتأثر بالاستعلاء والكبر كما تتأثر بشدة الأصوات العالية، ولا يستثنى منها مخلوق واحد جماداً كان أو نباتاً أو حيواناً أو إنساناً . لأن العلم يثبت أن هذه المخلوقات جميعا لها قدر من الوعي، والإدراك والشعور والانفعال، والقدرة على التعبير عن كل ذلك بصورة قد لا يدركها كل الناس .

والغض من الصوت كما يوضح د .زغلول النجار هو من سمات الأدب، والتواضع، والثقة بالنفس، والاطمئنان إلى صدق الحديث، وصدق القصد . أما رفع الصوت بغير داع، والإغلاظ في القول للآخرين بغير مبرر، فهو من مظاهر ضعف الشخصية، وسوء الأدب مع الغير، وقلة الثقة بالنفس . كما أنه من علامات الادعاء والكذب، ومن محاولات فرض الرأي الخاطئ بالقوة عن طريق رفع الصوت في شيء من الحدة والغلظة غير المبررة .

وفي ذلك يقول رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر . . .، وقال أيضاً: إن الله أوحى إليّ أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد، ولا يفخر أحد على أحد . وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا مشى، مشى كأنه يتوكأ . كذلك وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه ما كان يرفع صوته في الأسواق .

وهكذا يتضح لنا أن خفض الصوت هو علامة احترام للآخرين وصون لكرامتهم . وإذا كانت الحمير معذورة في رفع أصواتها فزعاً من رؤية الشياطين، فإن الإنسان ذلك المخلوق العاقل المكرم ذا الإرادة الحرة لا يجوز له رفع الصوت فوق الحد المقبول من دون مبرر .