هذه نتف من حياة شاعر وصحافي وأديب، لم تخلده سوى دموع وحبات من قلبه سكبها في لحظة إحساس بالخذلان وبانصرام حبل ودّ أراد أن يمده مع مطربة صبا إليها فأعرضت عنه، وتقرب منها فبادرته بالصدود.. وخانته.
إنه الشاعر المصري ضخم جثة وأدب كامل الشناوي.. وانها المطربة قليلة الجسد والجمال نجاة الصغيرة.
في الثلاثينات والأربعينات والخمسينات، كانت القاهرة أم الدنيا بحق وحقيقة، كانت شعلة مشعشعة، تذخر بحركة أدبية وفكرية وفنية لا مثيل لها، كانت مهوى أفئدة أدباء كل العرب الباحثين عن مكان يجمع شملهم وينظم عقلهم... كانت صحافتها مميزة سباقة.. وكانت نواديها الثقافية عامرة، وكانت القصائد المنظومة على أرضها تعيد مجد الشعر العربي.
كانت الأغاني الصاعدة من حناجر سيدة الغناء العريق أم كلثوم، ومن سيد الطرب الأصيل محمد عبد الوهاب ومن منيرة المهدية وكارم محمود، وفريد الأطرش وعبد الحليم حافظ، فضلاً عن العشرات غيرهم.. كانت حركة المسارح على أشدها تشهد خشباتها جولات وصولات كباراً، أمثال فاطمة اليوسف، والريحاني، والمبدع يوسف وهبي وسواهم.
وفي ميدان الفكر والثقافة، كانت تنتصب قامات كبرى، كتوفيق الحكيم وطه حسين، ومحمود عباس العقاد، وابراهيم المازني وزكي مبارك ولطفي السيد ومحمد حسنين هيكل... وكانت السباقات بينهم على أشدها، ومنافساتهم وتباين آرائهم تخطف الانفاس وتشد الأنظار.
وفي مضمار الصحافة، كانت الأهرام العريقة حاضرة ومعها عشرات الصحف والمجلات تشهد على تفتح الوعي، واللهفة لامتلاك المعرفة، وتشهد ان المجتمع القاهري يعايش حراكاً غير مسبوق يعد نفسه، او لتهيئة الاقدار لدور ما في الشرق برمته.
في هذا المناخ المزدهر، الواعد وضمن هذه الأجواء الزاخرة بالوعود والرعود أطل شاعرنا كامل الشناوي عملاقاً بقامته الضخمة، ومثقفاً مشبعاً بثقافة عصره وما قبله وما بعده.. شخصية مميزة غنية الجوانب تعيش سباقاً محموماً مع الوقت لتسجيل موقف في سفر الحياة، وليأخذ بيده اديب او فنان في مستهل الطريق، يسير الهوينا نحو ذروة المجد والشهرة.
جاء الشناوي من المكان الذي يومذاك في الطرف النقيض من الازهر وسيدنا الحسين حيث المساجد والمآذن والدروس الدينية... ابن عالم دين شاء والده ان يخلفه فأقنعه بارتداء الجبة والعمامة..
لكن الشناوي الذي انغرست في جسده الضخم بذرة الشعر والهيام بالجمال، وأدركته حرقة الادب وأضناه الجنوح نحو البوهيمية والكلمة الجميلة والنادرة الطريفة، ترك الأزهر ودروسه، وغادر حيه شارع عماد الدين حيث المسارح ودور السينما وصالة بديعة مصابني.
ويقول الكاتب مصطفى أمين عن الرجل الذي ضاق بجلبابه الديني: كان منظر كامل (الشناوي) عجيباً بعمامته الكبيرة وجسمه الضخم وهو جالس في قهوة الفن بشارع عماد الدين بين كبار الممثلين وكبار الممثلات، وكبار النقاد والصحافيين.
ومع الأيام، تغلب الشاعر والأديب والبوهيمي على الجانب الآخر في شخصية الشناوي، ادرك الرجل انه خلق لعالم آخر لا يمت بصلة لهذا العالم الذي أُجبر على ولوجه.. لم يلبث كامل ان خلع الجبة والقفطان تماماً كما خلعهما قبله بأعوام عدة، عميد الأدب والفكر العربي طه حسين وهو على متن باخرة عتيقة تقله إلى باريس لتلقي النور في جامعاتها ومعاهدها، وانتقل كامل إلى دنيا أخرى، ارتدى الجاكتة والبانطلون وترك الأزهر الشريف والتحق بمدرسة الحقوق الفرنسية ثم هجر دراسة القانون كما هجر دروس الدين وقرر من يومها ان يعيش شاعراً فناناً، يجد نفسه في بيوت الشعر. وفي ديوانيات الشعراء، وفي بلاط صاحبة الجلالة الصحافة. كان جسر عبوره إلى هذا العالم الذي يحيا على جملة او شطر قصيدة او مقال، وتفتنه لأيام طرفة او نادرة، جملة صفات ومزايا قلما تتوفر معاً في سواه أبرزها:خفة دمه، يطلق الطرفة فتصير ذائعة على كل لسان، كأنها واحدة من أغاني ام كلثوم او محمد عبد الوهاب..
تفرغ كامل الشناوي في محراب الادب والفن والطرافة، فأصبح خلال وقت قصير من أبرز ظرفاء مصر مثل: الشاعر حافظ ابراهيم ومحمد البابلي والشيخ عبد العزيز البشري وفكري أباظة وسليمان نجيب وامام العبد.. وكان اصدقاء كامل المقربون ضحايا مقالبه، حتى قال له الكاتب المصري المعروف أنيس منصور يوما: انت يا كامل بك، تزغزغ أصدقاءك بالسكاكين. هذه الحقيقة أغضبت كامل وبعثت الغيظ في نفسه، ولكنها على مرارتها وحدّتها، لم تجعله يكف عن صنع المقالب بالآخرين وإطلاق النكات بحقهم، لدرجة ان القاهرة كلها كانت تتساءل عن لقب يرشقه كامل تجاه شخصية ما او مسؤول معين، حتى يلتصق به اللقب الساخر طوال حياته.
وكأن طرافته وتمايزه في مجالات أخرى، اذ يقول عنه الكاتب والصحافي المعروف الفلسطيني ناصر الدين النشاشيبي: انه كان يجنح أحياناً إلى الكسل والحرص على قضاء إجازة الصيف الطويلة مسترخياً على شواطئ الاسكندرية ينام في النهار ويلعب القمار في الليل ويستدين بلا حساب.. ويعجز عن السداد بلا حساب ايضاً.
ويضيف مصطفى أمين إلى هذه الجوانب في شخصية الشناوي كان كاتباً كسولاً وصحافياً كسولاً وشاعراً كسولاً وعاشقاً نشطاً اذا كتب حذف وشطب ومزق عشرات الأوراق قبل ان يكتب ثلاثة أسطر.
إذن، وشهادة من كان من المحبين للشناوي، كان كسولاً في كل شيء، الا في أمر ينبه ذهنه الوقاد الذي كأنه خلق ليطلق النوادر وبغدّة الحب التي كانت حية تفرز باستمرار.
ويقول أحد اصدقائه عنه انه ما مر يوم في حياته منذ عرفته ولم أره غارقاً في قصة حب، وكنت اقول ان قلبه كروايات سينما مترو في تلك الايام. كل اسبوع فيلم جديد، وكان يسمي الفتاة التي يعشقها آخر صيحة فإذا مضى اسبوع على الحب بحث عن تاجر الأشياء المستعملة ليلقي في جرابه بالحب القديم كما يرمي بالحذاء القديم.
كان كامل الشناوي متقلباً يحب ثم يكره ثم يحب من جديد، ويصنع التمثال، ويحطم الصنم ثم يعود ليجمع الأنقاض، ويبني ناطحة سحاب. والطريف انه رغم افتقاره لأي مقومات جمالية جسدية، اذ كان ضخم الجثة بطريقة تجعله اقرب إلى الدمامة منه إلى الجمال، إلا أنه كان لا يختار الا ملكات الجمال. وكان لا يقع الا في هوى الغانيات والمتقلبات الخائنات الغادرات.
ولعل أكبر حب عاشه هذا الرجل المميز الشبق إلى الحياة الراغب في شرب كأسها حتى الثمالة، كان حبه للمطربة السورية الأصل نجاة الصغيرة.
ويسرد الكاتب النشاشيبي بعضاً من حكايات حب شاعرنا فيقول: بالفعل أحب كامل الشناوي المطربة نجاة الصغيرة، وعذبته كثيراً، كان يحفظ كلمات أغانيها قبل ان تغنيها، وكانت هي التي تغني الكلمات وكان هو الذي يصرخ من أعماقه آه! كان لا يطيق فراقها شوقاً وكان لا يطيق لقاءها خوفاً من فراقها! كان يخشى على اللقاء ان ينتهي فيبكي، وكان يخشى على اللقاء ان يتم فيبكي، وكانت نجاة هي حبه الكبير وهي مأساته الكبرى!
لقد حاول أن ينتقم منها فأحب أختها الممثلة سعاد حسني، ونظم فيها قصيدته الشهيرة فيها مخاطباً ضمناً حبيبها المطرب عبد الحليم حافظ: حبيبها لست وحدك.. انا قبلك وانا بعدك ولكن سعاد اللعوب لم تلتفت اليه الا بقدر ما كان مستعداً للاشادة بأفلامها السينمائية في كتاباته الصحافية فانصرف عنها.
أما أية ظروف ومناسبة أعلن فيها الشناوي ثورته الكبرى على المطربة نجاة الصغيرة وقال فيها قصيدته الشهيرة لا تكذبي اني رأيتكما معاً، فالروايات متعددة ولكنها تجمع في جوهرها على انها كانت في لحظة رآها فيها في عناق غير بريء مع المخرج السينمائي المعروف عز الدين ذو الفقار.
ويروي الكاتب مصطفى أمين في أحد كتبه ان كامل الشناوي كتب هذه القصيدة في غرفة مكتب امين في شقته في الزمالك وهي قصيدة حقيقية ليس فيها مبالغة او خيال حتى ان الموسيقار الكبير محمد عبد الوهاب سماها اني ضبطتكما معاً.
ويضيف أمين كان كامل ينظمها وهو يبكي كانت دموعه المنسكبة تختلط بالكلمات فتطمسها وكان يتأوه كرجل ينزف منه الدم الغزير وهو ينظم، وبعد ان انتهى من نظمها قال انه يريد ان يقرأ القصيدة على المطربة نجاة بالتلفون.
ثم يقول امين: كان تلفوني بسماعتين امسك هو سماعة وامسكت انا واحمد رجب سماعة في غرفة اخرى وبدأ يقرأ ما نظم من اعماق قلبه:
لا تكذبي.. اني رأيتكما معاً.. ودعي البكاء فإني كرهت الأدمعا.
ما أهون الدمع الجسور اذا جرى من عين كاذبة فأنكر وادعى.
واضاف الشناوي كوني كما تبغين لكن لن تكوني
فأنا صنعتك من هواي ومن جنوني
ولقد برئت من الهوى ومن الجنون.
ويقول مصطفى أمين سارداً تلك الحادثة ورد فعل المطربة نجاة:
لقد تصورنا ان المطربة ما تكاد تسمع القصيدة حتى تشهق وتبكي وتنتحب ويغمى عليها وتستغفر وتعلن توبتها.. وكان رأي أحمد رجب ورأيي ان هذا مشهد تاريخي يجب ان نحضره.
وبدأ كامل يلقي القصيدة على مسامع نجاة بصوت منتحب خافت تتخلله الزفرات والعبرات والتنهدات والآهات مما كان يقطع القلوب، وكانت المطربة صامتة لا تقول شيئاً ولا تعلق ولا تقاطع ولا تعترض. وبعد ان انتهى كامل من القاء القصيدة قالت المطربة:
كويسة قوي.. تنفع أغنيها.. لازم أغنيها.
وانتهت المحادثة التاريخية ورأينا كامل الشناوي امامنا جثة بلا حراك. ولاحقاً غنت نجاة القصيدة فزادتها شهرة ورفعت من مستوى حضورها الفني في العالم العربي كله.. ولكن هذه القصيدة انهت في الوقت عينه رهانات الشناوي على حب هذه المطربة الصغيرة اسماً وحجماً لدرجة انه كتب اليها لاحقاً يلعنها ويقول: لم يعد بيننا ما يغري بأن اخدعك او تخدعيني، فقد خرجت من حياة نفسي! الا تدهشي...
ويضيف: اصارحك بحقيقة قصتي معك، لقد خدعتني وخدعتك، خدعتني بكذبك الذكي وخدعتك بصدقي الغبي، ظللت سنوات اتوهم انك تحبينني، فجريت وراءك بقلبي الابله ومشاعري الحمقاء.. وخلال تلك السنين كنت انتزع من نفسي خلجاتها واقدمها لك في آهة ودمعة وكلمة، قصيدة.. وقد دفعك ايمانك بصدق عاطفتي إلى ان تمارسي حقوق حواء بقدرة وجدارة.. فغدرت بوفائي وضحكت من دموعي.
وحسب قول الكثير من النقاد فإن هذه الرسالة المفعمة باليأس والناضحة بالمرارة، كانت بمثابة استكمال لقصيدة لا تكذبي التي رفعت من شأن نجاة الفني عندما غنتها، ولكنها اضافت إلى قلب كمال المثخن بالجراحات الحب والصدود، جرحاً آخر. وأضافت إلى ديوان الحب العربي، قصيدة من عيون القصائد العاطفية خلّدت ناظمها.. وخلّدت من غنتها.